الباحث: حسين صالح السبعاوي

بعد عشرين عاما من إدارة الدولة على أسس طائفية ومحاصصة حزبية وفساد قد استشرى في كافة مؤسسات الدولة، بدأ النظام السياسي في العراق يفقد مقومات البقاء ولم يعد ينفع معه أي عملية ترقيع أو إصلاح، فالحكومة مجرد حكومة تصريف أعمال، والبرلمان معطل، والقضاء مسيس وعاجز عن إصدار أية أحكام لمعالجة الأزمات الحالية، بل وزادت الطين بلة بإصداره أحكاما كبرت بها الشرخ بين القوى السياسية، والدستور معطل ولا يعمل به أحد إلا بقدر ما تقتضيه مصلحته، كل هذا أدى إلى انسداد سياسي لا يمكن معالجته وفق قواعد العملية السياسية الحالية إلا بعملية سياسية وطنية جديدة بعيدا عن الطائفية والمحاصصة الحزبية.

هناك مجموعة من المقومات الأساسية لابد من توفرها لتتشكل الدولة ونظامها السياسي وتأخذ مفهومها بالشكل الصحيح، وتعد السلطة والحكومة والشعب، أساسا لمقومات الدولة، ولكي تتحول الدولة إلى دولة قوية ومؤثرة لابد من توفر مجموعة من المميزات، إضافة إلى ما سبق ذكره، وفيما يلي نوضح ذلك بعدة نقاط:
أولا: السيادة: وتكون من خلال امتداد سلطة الدولة على كامل أراضيها، وتفردها بذلك بدون أي استثناء.

ثانيا: الاستقلالية: الدولة القوية تتمتع بالاستقلالية في أنظمتها وقراراتها وعدم تبعيتها أو تأثرها بأي جهة خارجية سواء كانت دولا أو منظمات.

ثالثا: القوة العسكرية: تعد من العوامل المهمة في قوة الدولة لمواجهة وردع أي خطر يهدد أمنها وسلامتها، وهذه القوة تأتي من خلال امتلاكها جيشا متكاملا بقواته البرية والبحرية والجوية، وامتلاكها الأسلحة الحديثة المتطورة للدفاع عن نفسها.

رابعا: القوة الاقتصادية: يعد التقدم والنجاح الاقتصادي من عوامل الهيمنة، وأحيانا تفوق القوة العسكرية، وتساعد في تحقيق الاكتفاء الذاتي في استثمار خيرات البلاد وثرواتها دون منح أي امتياز لدولة أو منظمة دولية بذلك، مما يشكل عامل قوة ونجاح للدولة.
خامسا: العدالة الاجتماعية: تعتبر العدالة بين أبناء المجتمع وحفظ كرامة المواطن وتوفير فرص العمل للجميع دون استثناء وتطبيق القانون على الجميع من أهم مقومات بقاء الأنظمة.

لماذا النظام العراقي لا يمتلك مقومات البقاء؟ لأنه:
١-
إن هذا النظام أفقد العراق سيادته واستقلاله وسمح للقوى الخارجية بأن تتدخل بشؤونه وتهيمن على مقدراته، حتى أصبحت بعض القوى السياسية ومليشياتها مرتبطة بالقوى الخارجية، وخاصة إيران، وهي حريصة على مصالح الخارج أكثر من حرصها على المصالح الوطنية.

٢- تمزيق المجتمع العراقي على أسس طائفية وعرقية وإثارة الصراعات بينها والكيل بمكيالين بين أبناء المجتمع الواحد.

٣- تدمير الاقتصاد العراقي ونهب المال العام، استولت أحزاب السلطة على الثروات الوطنية مثل النفط، الذي يهرب خارج نطاق الدولة، وواردات المنافذ الحدودية، والتي ومن خلالها تدخل المخدرات إلى المجتمع، وانتشار الفساد في كافة مفاصل الدولة من مراكز الوزارات حتى أصغر دائرة حكومية.

٤- غياب القرار المركزي للقوات المسلحة وعدم توحيدها تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، بحيث أصبح لكل تشكيل مسلح قيادة خاصة به ويعمل ضمن أجندة تتعارض مع المصلحة الوطنية في حفظ الأمن العام والدفاع عن سيادة الدولة، إضافة إلى وجود المليشيات الطائفية التي أصبح وجودها على حساب القوات المسلحة، وأصبح نفوذها أقوى من نفوذ جميع القوات الأمنية بكل تشكيلاتها وأصنافها سواء العاملة في وزارة الدفاع أو الداخلية والمخابرات.

٥- الصراعات الحزبية بين القوى السياسية الحاكمة استنزفت موارد الدولة، وعطّلت المصالح العامة للمجتمع، مع انقسام مجتمعي واضح قد يؤدي إلى حرب أهلية بين أبناء المجتمع الواحد حتى إنه أصبحت وحدة العراق مهددة بالتقسيم.

لهذه الأسباب، وغيرها، لم يعد النظام السياسي الحالي الذي جاء به المحتل الأمريكي والإيراني يمتلك مقومات البقاء، والتغيير أصبح ضرورة وطنية حفاظاً على وحدة العراق وعلى السلم الأهلي فيه.
إن النظام العراقي أصبح يأكل بعضه البعض، فبعدما دخلت أحزاب السلطة في صراعات طويلة مع باقي المكونات العراقية وأقصوا الجميع عن المشاركة في إدارة الدولة، ها هم اليوم يتصارعون فيما بينهم، وما صراع الإطار التنسيقي مع التيار الصدري بعد إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة التي أجريت في تشرين ٢٠٢١ إلا واحدة من مؤشرات زوال هذا النظام .

لكن لا بد من الإشارة إلى أن أي تغيير في العراق أو في عموم دول العالم الثالث لا يمكن أن يتم إلا بتوفر إرادتين:
الأولى: الإرادة الداخلية بحيث يكون غالبية الشعب رافضاً للنظام القائم، وهذا يأتي من خلال عدة فعاليات مثل التظاهرات، والاعتصامات، والعصيان المدني وغيرها.

الثانية: الإرادة الدولية التي تقتضي مصالحها بعدم التعامل مع ذلك النظام المرفوض شعبياً، وكلما كان الرفض الشعبي أكبر كلما زاد الضغط على المجتمع الدولي كي يستجيب بقوة لمطالب الشعب، فتكون عملية التغيير أسرع وأسهل وبأقل الخسائر.

وأخيراً : هناك بُعدين أساسيين لضمان بقاء النظام السياسي وديمومته وهما غير متوفرين في النظام العراقي الحالي:
الأول: البعد الداخلي الذي يرتبط بأهلية النظام السياسي ودرجة تطوره وقدرته على صياغة أهداف استراتيجية مترابطة وتحظى بإجماع داخلي.

الثاني: قدرة القيادة أو الحكومة على التنسيق بين جميع عناصر الدولة لتحقيق الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية التي تؤدي إلى التفاف الشعب حولها.

مقال خاص براسام