المقدمة:
لا شك بأن الانتخابات التشريعية العراقية تأتي في ظروف استثنائية وأوضاع مضطربة أمنياً وسياسياً و اقتصادياً يمر بها العراق والمنطقة، والتي جاءت كنتيجة للاحتجاجات الشعبية العارمة التي أنطلقت في تشرين عام 2019 في مدينة بغداد والمحافظات الجنوبية والتي أطاحت بحكومة “عادل عبد المهدي” وجاءت بحكومة “مصطفى الكاظمي” في مايو/أيار عام 2020، لإدارة مرحلة انتقالية تمهد لإجراء انتخابات مبكرة، بعد أن رفع المتظاهرين شعارات مناهضة للطبقة السياسية الحاكمة المتهمة بالفساد والتبعية للخارج، وطالبوا باستعادة السيادة، وحصر السلاح المنفلت بيد الدولة، وخروج النفوذ الإيراني من العراق، وتقديم قتلت المتظاهرين للقضاء، الأمر الذي جعل الأحزاب السياسية الحاكمة والميليشيات المسلحة المستفيدة من الوضع القائم في مواجهة مباشرة مع الحراك الشعبي الذي تراه بأنه يعمل على تقويض نفوذهم السياسي والعسكري والاقتصادي، فعمدوا الى أستخدام القوة المفرطة لتكميم الأفواه، وإسكات الأصوات الحرة، بعد أن فقدوا شعبيتهم فحرقت وجرفت مقراتهم في المدن الجنوبية، حتى وصل الحرق الى القنصلية الإيرانية في البصرة، وكربلاء، والنجف، وسقط ما يقارب أكثر من(700)شهيد وجرح أكثر من(30)ألف جريح من الحراك الشعبي، حيث وقفت القوات الحكومية عاجزة ومتواطئة مع القتلة في الكثير من الحوادث، كما وقفت السلطة التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، عاجزة عن مواجهة السلاح المنفلت الذي يعمل خارج إطار الدولة، رغم التعهدات التي قطعها الكاظمي بتقديم قتلة المتظاهرين الى العدالة، وهذا ما يجعل العراق مضطرب بشكل كبير خصوصاً مع تزايد الرفض الشعبي للنفوذ الإيراني وأدواته في العراق.

الخطة الأمنية لتأمين العملية الأنتخابية:
إن اجراء الانتخابات المبكرة جاءت رغماً على للأحزاب الحاكمة وميليشياتها المسلحة، ومع هذا تقول حكومة بغداد بأنها أكملت استعداداها لأجراء هذه الانتخابات، حيث تستعد القوات الأمنية لتنفيذ خطة أمنية واسعة النطاق لتأمين الانتخابات العراقية المزمع أجرائها في العاشر من الشهر الحالي، حيث شكلت حكومة الكاظمي لجنة أمنية عليا خاصة بالانتخابات التشريعية، وكانت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية قد أكدت بأن الذين يحق لهم المشاركة والتصويت نحو(24) مليون(29)ألف(927)ناخب، حيث تم استبعاد العراقيون المقيمون خارج العراق من هذه الانتخابات، وقد كُلفت هذه اللجنة الأمنية بوضع الخطط اللازمة لتأمين سير العملية الانتخابية بما فيها توفير الحماية للناخبين، ومراكز الاقتراع البالغ عددها(8273)مركز، موزعة على(83)دائرة انتخابية في عموم المحافظات العراقية، كما سيتولى نحو (900)مراقب من خارج البلاد مهمة مراقبة الانتخابات البرلمانية المبكرة لضمان نزاهتها، حيث تشير أرقام مفوضية الانتخابات في 31 يوليو/تموز، إلى أن هناك(3240)مرشحا في هذه الانتخابات ويمثلون (21)تحالفاً و(109)حزب سياسي، إلى جانب بعض المستقلين، حيث سيتنافس المرشحين للفوز بـ(329)مقعد في مجلس النواب القادم.

لقد أُسندت رئاسة اللجنة الأمنية العليا الخاصة بالانتخابات الى نائب قائد العمليات المشتركة “عبد الأمير الشمري”، وعدد من القادة والمسؤولين من وزارتي الدفاع، والداخلية، وجهاز المخابرات، وجهاز الأمن الوطني، حيث تم تأمين الموارد البشرية اللازمة من وزارة الدفاع والداخلية، حيث سيشارك(250)ألف منتسب في تأمين العملية الانتخابية، كما تم تعزيز المحافظات والدوائر الانتخابية التي تعاني نقصاً في القوات الأمنية بقوات إضافية، كما تضم اللجنة عدداً من القضاة والملاكات من وزارة الصحة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وقد تضمنت الخطة الأمنية تأمين القدرات العسكرية والأمنية اللازمة لتأمين سير العملية الانتخابية، من خلال فرض ثلاثة أطواق أمنية في محيط مراكز الاقتراع، والاحتفاظ بقوات احتياطية لمعالجة الحالات الطارئة، وكما يلي:
• الطوق الأول: سيكون من عناصر حماية المنشآت وهم المسؤولين عن تأمين المراكز الانتخابية.
• الطوق الثاني: من الشرطة المحلية والنجدة وبعض تشكيلات وزارة الداخلية ستوكل أليهم واجبات أمنية ضمن المنطقة الانتخابية.
• الطوق الثالث: من الجيش والشرطة الاتحادية .
• الاحتياط: سيشكل جهاز مكافحة الإرهاب والحشد الشعبي احتياط القائد العام للقوات المسلحة، كما ستدخل القوات الحكومية حال الإنذار القصوى قبل(8)أيام من موعد الاقتراع، بينما ستدخل البلاد حالة العزل التام قبل يومين من الانتخابات، وستفرض بعض الإجراءات الأمنية الإضافية يوم الاقتراع ومنها :
 اغلاق المطارات والمنافذ الحدودية.
 ايقاف التنقل بين المدن والمحافظات.
 اغلاق المحلات.
 منع التجمعات البشرية.
 منع حركة الدرجات النارية.

حكومة الكاظمي والأنتخابات البرلمانية:
لقد أثبت الأحداث بأن حكومة الكاظمي تفتقد الى الأرادة السياسية لمواجهة السلاح المنفلت وأستعادة سيادة الدولة وهيبتها، وهذا ما يجعل معادلة الأمن في العراق معقدة وخطيرة، كون الجماعات المسلحة الموازية للدولة تهيمن وتسيطر على مفاصل حيوية ومهمة في الدولة العراقية التي تعاني مؤسساتها من الإدارة الهجينة بسبب عمليات الدمج التي طالتها وحولتها الى مؤسسات مسيسة ومزدوجة الولاء مما أخرجها عن حياديتها، وجعلها تابعة لمرجعيات دينية وأحزاب سياسية تابعة لجهات خارجية، الأمر الذي حول المؤسسات الحكومية الى بيئة خصبة وحاضنة لقوى اللادولة التي أثبتت قدرتها وفاعليتها بشكل كبير على حساب المؤسسات الرسمية للدولة، الأمر الذي أنعكس بشكل أو بأخر على الوضع العراقي السياسي والأمني والأقتصادي الذي يميل الى فقدان الأمن والاستقرار والأنهيار بسبب التهديدات الداخلية والخارجية التي حولت العراق الى ساحة صراع لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يتعارض مع أيجاد بيئة مساعدة لأجراء عملية أنتخابية بعيدة عن التزوير، وتأثير السلاح المنفلت، والمال السياسي، والتدخل الخارجي، وهذا يعني وجود تحديدات أمنية حقيقة تواجه الدولة العراقية التي يمكن أن وصفها بأنها مفقودة، وفي أحسن حالتها بأنها مخطوبة ومسلوبة الإرادة بسبب :
• ضعف حكومة الكاظمي وعجزها عن فرض سيادة الدولة وهيبة القانون رغم الشعارات الرنانة التي روجت لها حول هذا الموضوع الذي لم يتجاوز الاستعراض الإعلامي، بعد أن تحاشت الحكومة مواجهة الميليشيات المنفلتة رغم الأدلة التي تثبت وقوفها وراء الكثير من جرائم القتل والأغتيال، وقد صرح الكاظمي لصحيفة الغارديان قائلاً: “أني أرقص يومياً مع الثعابين” وقال للصحفيين” إن الصبر أفضل من الانجرار الى الفوضى الدموية والحرب الاهلية” مضيفاَ إن الانتظار” ألف عام من النقاش أفضل من لحظة تبادل إطلاق النار “ولا أعرف كيف يمكن له أن يفرض القانون وهيبة الدولة مالم يتخذ القوة والقانون كسبيل لفرضه وتطبيقه على الخارجين عنه؟، فالدولة تحكمها وتديرها أحزاب وميليشيات الاسلام السياسي الشيعي الخارجة عن السيطرة الحكومية والتابع لإيران، علماً بأنه ينتقدهم ويشخص الخلل الكبير في مؤسسات الدولة ولكنه لا يريد مواجهتهم، ويترك لهم الحرية في أرتكاب جرائم القتل بعد أن أمنو المحاسبة على ذلك، وأصبح لهم غطاء قانوني وسياسي يساعدهم على أرتكاب جرائهم، لذا فهذا الوضع لا يساعد على أجراء انتخابات نزيهة .
• أنتشار السلاح المنفلت وتغوله في دوائر الدولة جعل الميليشيات المسلحة تنازع مؤسسات الدولة الرسمية على المهام والواجبات الموكلة أليها، بل إن السلاح المنفلت فرض أرادته السياسية الخارجية بقوة السلاح على حكومة الكاظمي في الكثير من الحوادث ومنها “خلية الدورة”، والحوار الاستراتيجي الذي جرى بين بغداد وواشنطن، وكذلك فرضت أرادتها في أجبار “عدنان الزرفي” على تقديم استقالته بعد أن كلف بتشكيل الحكومة وأستبدالها بحكومة الكاظمي، وكذلك في قضية “قاسم مصلح”، وكما يصرح قادة الميليشيات بأنهم هم الدولة.
• التدخلات الخارجية: لاشك بأن تأثير العامل الإقليمي في العراق كبير وواضح، والذي يتمثل بالنفوذ الإيراني وفرض أجندته على الوضع السياسي والأقتصادي والأمني العراقي داخلياً وخارجياً من خلال الأدوات التي صنعها في العراق، والتي أصبحت رأس الحربة في تنفيذ المخططات الإيرانية ليس في العراق ولكن في دول المنطقة، وهذا يعني بأن الانتخابات لن تغير شيء من الوضع العراقي لأن إيران وأدواتها لن تقبل بتغير الوضع القائم مالم يصب ذلك في صلب مصالح الأمن القومي الإيراني، وقد أستخدموا القوة والقتل والأغتيال مع الحاضنة الشعبية التي أحتضنتهم طوال الفترة الماضية، بعد أن سقطت شعارات حماية المذهب والتخندق الطائفي وغيرها، لذا لن يسمحوا بتغير الوضع القائم مهما كلف الأمر خصوصاً مع وجود حكومة ضعيفة ومتواطئة معهم.
• إن حكومة الكاظمي قد أستجابت للكثير من الضغوطات التي مورست عليه في الفترة الماضية، بالرغم من إن الميليشيات تنظر اليه كعميل أمريكي وتتهمه بالتورط في مقتل “قاسم سليماني”، وأبو “مهدي المهندس”، ومع هذا هو يأمل أن تكون له حظوظ في العودة الى رئاسة الوزراء مرة أخرى، وهذا ما جعله يقدم تنازلات كثيرة لإيران وعلى حساب مصالح العراق العليا، ومنها: الربط السككي، وإلغاء التأشيرة الدخول الى العراق، واستمرار عقود الغاز الإيراني، والكهرباء، الذي يباع للعراق بضعف الأسعار العالمية، وكذلك تأخير فتح المعابر مع السعودية، بما فيها التعاون الأقتصادي، وكذلك أبرامه أتفاقات غامضة مع الكرد كما حصل في أتفاق مدينة “سنجار”، أو تحويل الكثير من الأموال لكردستان بدون اتفاقات نهائية على النقاط الخلافية مع إقليم كردستان وخاصة النفط والمنافذ الحدودية وغيرها، لذا فهو يسعى لرئاسة قادمة.