يخشى العديد من الأطباء على حياتهم في العراق. حيث واجهوا لسنوات طويلة الإيذاء الجسدي واللفظي من عائلات بعض المرضى الذين يموتون تحت رعايتهم.
ومع وفاة ما لا يقل عن 800 مريض خلال الموجة الثالثة من وباء كورونا COVID-19 في العراق خلال الشهر الماضي فقط، يقول العاملون في القطاع الطبي في العاصمة بغداد إنهم يشهدون زيادة في الهجمات من أقارب ضحايا الفيروس منذ بدء الوباء.
في الوقت الذي لا توجد فيه أرقام رسمية أو مضبوطة لعدد الهجمات التي تعرضوا لها، يقدر عباس الطعان، الممارس العام في مستشفى الرصافة في بغداد، وقوع عشرات الحالات خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية. أحدثها تمت مشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي في 12 يوليو / تموز، عندما اقتحم مسلحون مستشفى الكندي في العاصمة بعد وفاة أربعة مرضى بفيروس كورونا.
يقول الطعان “إن التهديد والتخويف ضد الأطباء باتت عادة عامة في المستشفيات العراقية، حيث نشهد كل أسبوع حادثة مروعة لهجوم على طبيب تتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تحصل حوادث كثيرة أخرى لا يتم تصويرها”.
مقاطع الفيديو أظهرت أطباء يتعرضون للضرب في مناطق مختلفة من البلاد، حيث هاجمت عائلات المرضى في حالة حرجة المستشفيات بالأسلحة النارية، وحطمت المعدات وأجهزة التهوي التي تعاني المستشفيات العراقية من خصاص كبير منها. حتى أن بعض الأطباء تلقوا تهديدات بالقتل من عشائر قوية تنتمي لها عائلات المرضى، بل وصل الأمر لمطالبة الأطباء بالدية عند وفاة أي مريض.

بنية تحتية دون المستوى
خلفت سنوات الحرب الأهلية والتمويل غير الكافي نظام رعاية صحية متهالك في العراق. حيث يقول الأطباء إنه لا يمكن تحميلهم مسؤولية عدم تجهيز المستشفيات التي تشهد زيادة في عدد المصابين بالوباء.
وقد سجل العراق أكثر من 1.5 مليون حالة إصابة بفيروس كورونا من بداية الوباء، في وقت يرى كثيرون أن العدد الحقيقي هو أعلى بكثير، في ظل عدم إبلاغ عدد من المصابين عن حالاتهم أو تجنبهم ذهابهم إلى المستشفيات الحكومية. وقد توفي أكثر من 18 ألف شخص منذ أول حالة في فبراير من العام الماضي. وقد تم بناء وحدات لمكافحة الوباء بشكل مستعجل، مما أدى إلى انخفاض جودتها. إضافة للنقص المستمر في الأوكسيجين، والانقطاع الدائم للكهرباء.
الوضع الأخير للمستشفيات في جميع أنحاء العراق بات مروعًا، حيث اندلع حريقان مميتان في آخر 3 أشهر في وحدتي مكافحة الوباء، أدى الأول لمقتل أكثر من 90 شخصًا في بغداد في أبريل / نيسان الماضي، والثاني في الناصرية في وقت سابق من الشهر الماضي، أدى لوفاة 60 شخصًا على الأقل.
وما يزيد من معاناة الأطباء، رفض عدد من المرضى للبروتوكول العلاجي، خوفًا من اضطرارهم للحجر الصحي في المنشآت الحكومية. وفي الوقت الذي يقبلون فيه ذلك، يكون الوقت قد فات.
وزارة الصحة قدرت وفاة 8 أطباء على الأقل بسبب فيروس كورونا، وأصيب ما يقارب 600 آخرون بالوباء من فبراير من العام الماضي. ويرجع ذلك بالأساس إلى النقص الحاد في معدات الوقاية الشخصية.

الديّة

مع كل هذه الظروف، كان لزامًا على الأطباء التعامل مع تهديدات مستمرة بشن هجمات قبلية ومطالب الدية. على حد وصف د. علي العنبوري، الأستاذ في كلية الطب في جامعة بغداد، فيضطر عدد كبير من الأطباء إلى الاختباء مع أسرهم من أجل البحث عن تسوية، متى وجدوا تهديدات بالقتل مكتوبة على بيوتهم، إذا لم يدفعوا الدية.
ويقول العنبور لصحيفة “ذا ناشيونال”: “لدينا في العراق عشائر ذات نفوذ كبير ترى الطبيب كرمز لفشل الدولة ويصبون جام غضبهم على الطاقم الطبي. لقد فر الكثير من الأطباء لأنهم إما لم يتمكنوا من تحمل دية أو أصيبوا باليأس”.
مسؤول في النقابة يقول إن مندوبي نقابة الأطباء العراقية يتصرفون أحياناً كوسائط بين العشائر والأطباء في قضايا الدية. إذ يعرف الأطباء أن قوانين الولاية لن تقودهم إلى أي مكان ولا يريدون المغامرة بحياتهم.
وقد بدأ الأطباء العراقيون في التخلي عن نظام الرعاية الصحية الذي كان العراق يحسد عليه في الستينييات والسبعينيات. وبحسب تقارير، فقد غادر ما يصل إلى 20 ألف طبيب من بين أكثر من 52 ألف طبيب مسجل في البلاد التي يبلغ عدد سكانها 40 مليون نسمة منذ التسعينيات.

السعي من أجل التنفس
وقد كان ضعف الرعاية الصحية من بين الأسباب الرئيسية للاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في أواخر عام 2019. حيث طالب العراقيون بإصلاح النظام السياسي الذي يصفونه بالفساد، ونهب موارد الدولة ودفع الناس العاديين إلى الفقر.
وفي عام 2019، استقال وزير الصحة علاء علوان، قائلًا: “إن فساد المنظومة الصحية لا يمكن التغلب عليه وسط تلقيه لتهديدات من أشخاص يعارضون جهوده الإصلاحية”.
حسين جاسم، 46 عامًا، حارس أمن في مركز تجاري في بغداد يقول: “مستشفياتنا ليست خيارًا (للرعاية). من أين أبدأ؟ هل أتحدث عن قلة النظافة بين الأطباء والممرضات، أم قلة المستلزمات الأساسية أم نقص عبوات الأوكسجين أم قلة الأسرّة أم الحرائق التي تمزق أمعاء المرضى؟ أفضّل الموت في المنزل”.
جاسم، الذي فقد عمه بسبب الفيروس في أبريل / نيسان، قال: “إن كل منزل في بغداد له قصة مأساوية يرويها عن فقدان أحد أفراد الأسرة بسبب فيروس كورونا”. لكن رغم ذلك، فهو يدين الاعتداءات المتكررة على الأطباء واصفًا إياها بأنها “وحشية وغير مبررة”.

قوانين جديدة

خلال الأشهر الأخيرة الماضية، نظم الأطباء في جميع أنحاء البلاد احتاجات، مطالبين بقوانين جديدة لحمايتهم. فالقانون الحالي، الذي ينص على السجن من ستة إلى 12 شهرًا وغرامة الاعتداء على موظف حكومي، ليس رادعًا لمثل هذه التصرفات.
كما كانت هناك دعوات متزايدة من الطاقم الطبي لحمل السلاح. قال عنها العنبوري إن هذا ليس حلًا: “أنا ضد تسليح الأطباء تمامًا. أتفهم الإحباطات العميقة لزملائي ، لكن مسؤولية الحكومة هي حمايتنا”.
ولم يتسن الوصول إلى وزارة الصحة للتعليق على الرغم من المحاولات العديدة.
بصيص الأمل الوحيد تمثل في الزيادة الأخيرة في لقاحات COVID-19 على بطئها. ووفقا لأحدث البيانات الرسمية، فقد قام العراق حتى الآن بتلقيح 1.3 مليون شخص فقط أي حوالي 1 في المائة من إجمالي السكان.
بلغ متوسط جرعة العراق حوالي 18.834 جرعة كل يوم في الفترة الأخيرة. وبهذا المعدل ، سيستغرق الأمر 418 يومًا أخرى لإعطاء جرعات كافية لـ 10 في المائة أخرى من السكان.

أحمد ماهر / ذا ناشيونال نيوز
ترجمة وتحرير: راسام