شاهو القره داغي
يرتبط الحديث دائماً عن الأكراد بالحرب العالمية الأولى وخاصة اتفاقية (سايكس بيكو1916 ) والذي بموجبه تم تقسيم المنطقة بين فرنسا وبريطانيا في إطار توزيع أراضي الإمبراطورية العثمانية التي كانت توصف بالرجل المريض حينها، حيث قسمت هذه الاتفاقية المنطقة بطريقة تراعي مصالح الأطراف المهيمنة وخاصة المنتصرين في الحرب العالمية الأولى دون مراعاة التنوع الموجود ومصالح الشعوب في المنطقة وزرعت العديد من القنابل الموقوتة التي انفجرت لاحقاً وأسست لمراحل عديدة من الحروب والصراعات بين شعوب المنطقة التي عاشت وتعايشت سابقاً على هذه الرقعة الجغرافية لمئات السنين.
كانت كردستان مسرحاً رئيسياً للكثير من الحروب والأحداث الفاصلة بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها بالنسبة للقوى المسيطرة والمتصارعة وخاصة مع تراجع نفوذ الدولة العثمانية ودخول القوى الاستعمارية إلى المنطقة، وبالتزامن مع انتشار الأفكار القومية العربية في الكثير من الأقطار العربية، وبروز وتقوية جمعية الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة) وبروز النزعات القومية، تشكلت رؤية قومية لدى الأكراد أيضاً في ظل هذه التطورات، وظهرت العديد من الحركات التي تمثل التوجه الكردي في تلك المرحلة، ومن اللافت أن اغلب الذين قادوا هذه الحركات كانوا مشايخ أو علماء دين معروفين.
من خلال النظر في تاريخ المساهمات الكردية في الحضارة والدولة الإسلامية، نرى أن الأكراد شاركوا بقوة في تقوية هذا الكيان وامتزجوا فيه وساهموا في إثراء العلم والمعارف الإسلامية من خلال المشاركات الأدبية والعلمية، وقدموا العديد من القيادات العسكرية أمثال (أسد الدين شيركوه) – عم صلاح الدين الأيوبي – الذي كان من أبرز القيادات العسكرية في جيش عماد الدين الزنكي الذي استطاع أن يقف في وجه الحملة الصليبية، ويعيد مصر إلى أحضان الدولة الإسلامية، و(صلاح الدين الايوبي) من أشهر قادة الإسلام ومحرر القدس. إضافة إلى العديد من العلماء والمدافعين عن العقيدة الإسلامية أمثال الإمام ابن الصلاح الشهرزوري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والدينوري، والإمام بديع الزمان الجزري وابن الأثير وابن خلكان وغيرهم من العلماء الذين شاركوا في إثراء العلوم الدينية وألفوا العديد من المؤلفات باللغة العربية.
حتى إن شرف خان شمس الدين البدليسي (ت 1005 هـ ) يقول: ” معظم طوائف الأكراد سُنّة على المذهب الشافعي (رحمه الله)، ولهم قدم راسخ في الإقبال على العمل بالشريعة الإسلامية، واتباع سنن سيد الأنام محمد (صلى الله عليه وسلم)”.
ومن هنا نُدرك بوضوح أن الأحداث وتراكم الأخطاء التي رافقت المراحل الأخيرة من عمر الدولة العثمانية كانت سبباً رئيسياً لبروز ونشوء الحركات الكردية التي كانت لديها مطالب سياسية وثقافية وتطمح لتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين الأكراد في كردستان.
ويذكر الباحث الأكاديمي الدكتور كمال مظهر أحمد في كتابه (كردستان خلال سنوات الحرب العالمية الأولى ): “إن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة لكردستان كانت تحفز الكرد وتثير مشاعرهم القومية”، ويضيف: “إن هذه المشاعر وصلت في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب إلى حد مطالبتهم في أنشطتهم السياسية والاجتماعية والثقافية بالاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية أو الحصول على نوع من الحكم الذاتي “.
وفي هذه الحلقة –وهي الأولى من سلسلة حلقات عن محطات من تاريخ الحركة الكردية في العراق-؛ سوف نتحدث عن وضع الأكراد في فترة الحرب العالمية الأولى وأبرز الأحداث المهمة التي شهدتها تلك المرحلة:
أوضاع الأكراد خلال الحرب العالمية الأولى
معظم الأكراد القاطنين في كردستان (ولاية الموصل) كانوا متعاطفين مع الدولة العثمانية حتى في الفترات الأخيرة للعثمانيين، حتى إن بعض الأكراد كانوا أصحاب مناصب في الدولة العثمانية، أمثال: شريف باشا من أهالي السليمانية حيث أصبح سفير الدولة العثمانية في السويد، وإبراهيم أفندي الحيدري الذي كان عالماً مشهوراً في الدولة العثمانية وكان من مدينة أربيل، ومع ذلك تخللت تلك المرحلة بعض الاضطرابات والثورات الكردية منها ثورة الشيخ عبدالسلام البارزاني عام 1914.
عند اندلاع الحرب العالمية الأولى كانت هناك انقسامات واضحة عند الأكراد ولم يكن لديهم موقف واحد ومشترك لمواجهة التحديات، وعلى سبيل المثال:
أولا: قسم منهم كانوا محايدين ويطالبون بتحييد الأكراد عن ما يجري من احداث بين الدولة العثمانية والقوى العالمية الأخرى.
ثانيا: قسم آخر وقف مع الحلفاء والروس مثل عبدالرزاق بدرخان وسمكو الشكاك واتباعهم.
ثالثا: القسم الثالث والأخير كانوا مع الدولة العثمانية، وهم أمثال إبراهيم أفندي الحيدري والشيخ محمود الحفيد.
بعدما أصدر شيخ الإسلام (إبراهيم أفندي الحيدري) فتواه المشهورة بالجهاد ضد الروس والبريطانيين، وعلى الرغم من موقف الشيخ “محمود الحفيد” من الدولة العثمانية لأسباب عديدة منها مقتل والده (الشيخ سعيد الحفيد) عام (1909) على يد تنظيم الاتحاد والترقي في الموصل، إضافة إلى بروز نوع من السياسات القومية في آخر مرحلة من الدولة العثمانية والتي كانت تحكم من قبل (تركيا الفتاة) وتراجع الخطاب الإسلامي الجامع على حساب بروز النزعة القومية والتي أثرت سلبياً على باقي القوميات داخل جغرافيا الدولة العثمانية، إلا أن الشيخ محمود الحفيد قرر المشاركة مع آلاف المقاتلين الأكراد في المعركة ضد البريطانيين في عام (1915) – معركة الشعيبية – في جنوب العراق، حيث أَصيب الشيخ في هذه المعركة وعاد إلى مدينة السليمانية لاحقاً.
وبعد نجاح البريطانيين في عام 1917 في السيطرة على بغداد، سقطت المدن الشمالية (أربيل والسليمانية ودهوك) بدون معارك وانتشرت القوات البريطانية في نواحي الموصل واستمرت بعض المعارك حتى توقيع هدنة “مودروس” عام 1918.
نصت معاهدة مودروس – والتي انهت القتال بين الدولة العثمانية والحلفاء – على مجموعة من النقاط منها :
1. بحسب الهدنة فإن على المقاتلين أن يتوقفوا عن التقدم في آخر نقطة قد وصلوا إليها.
2. بإمكان الحلفاء إرسال القوات إلى أي منطقة استراتيجية أو مهمة بالنسبة إليهم.
3. بإمكان الحلفاء استمرار استخدام القوة ضد أي قوة أو طرف يُشكل خطرا عليهم.
4. إخلاء ولاية الموصل من العثمانيين، ولكن الوالي العثماني رفض هذه النقطة باعتبار الولاية جزءً من الدولة التركية.
سيرس كوكس الحاكم السياسي البريطاني في العراق قال في مؤتمر صحفي في مارسيليا في فرنسا عام (1918): “إننا سنمنح الأكراد الحكم الذاتي”، وكان الهدف من ذلك استخدام الأكراد وخاصة الشيخ محمود الحفيد في الحرب ضد العثمانيين، للسيطرة على المناطق التي مازالت تحت سيطرة الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، حيث نجح البريطانيون في الاستحواذ على كامل منطقة كركوك، وكانوا يرغبون في بقاء ولاية الموصل تابعاً للعراق وبالتالي تحت سيطرة نفوذهم.
مرحلة ما بعد هدنة مودروس والثورة الكُردية
في عام 1918 وبعد وصول الحاكم المدني البريطاني في العراق (ارنولد ويلسون) إلى السليمانية للتفاوض مع الكُرد، أعلن أن الكُرد سيشاركون مع الحلفاء في محاربة الدولة العثمانية، ولكن الشيخ محمود الحفيد أعلن بوضوح أن هدف الأكراد هو تأسيس دولة كُردية، وقدم للبريطانيين وثيقة بتوقيع (40) رئيس عشيرة حيث يطالبون القوى الكبرى وخاصة بريطانيا بمساعدة الكُرد على تأسيس دولة مستقلة والإصرار على شمولها لكامل أراضي ولاية الموصل.
ولكن البريطانيين وبدلا من الاستجابة للمطالب الكُردية، حاولوا التأسيس لعدة أنظمة إدارية في المناطق الكُردية بحجة إعادة القوانين والأنظمة الى أهالي ولاية الموصل وأطرافها، ولكن بدأت النوايا الاستعمارية البريطانية تظهر بوضوح للأكراد وخاصة لزعماء العشائر والقادة الذين كانوا ينظرون الى الخطوات البريطانية بعين الشك والريبة، حيث قامت بريطانيا – وعلى العكس مما حدث في ولايتي البصرة وبغداد – بإقامة إدارة عسكرية في ولاية الموصل وليس إدارة مدنية، خوفاً من اندلاع الثورات الكُردية مجدداً بقيادة الشيخ محمود الحفيد، والخشية من تجدد المشاكل والتصادم العسكري بين الإنجليز والأتراك وخاصة إن الأتراك كانوا مازالوا يأملون في إعادة السيطرة على الولاية.
تعرض البريطانيون للعديد من الانتقادات وخاصة من قبل أهالي السليمانية، وانتشرت مشاعر الغضب بين كافة شرائح المجتمع الكُردي من المثقفين إلى الفلاحين، وكانت تنتشر بسرعة في كافة المدن الكُردية مما أدى إلى اندلاع الثورات ضد البريطانيين في عام 1919، فقد بدأت الحركة المسلحة نشاطاتها في مناطق زاخو، وفي مناطق بارزان بقيادة الشيخ أحمد البارزاني، وفي السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد، حيث تمت مهاجمة مقرات البريطانيين واستطاع الشيخ محمود أن يعتقل الضباط الانجليز في منازلهم وإزالة الاعلام البريطانية والإعلان عن تأسيس حكومة مستقلة في كردستان، أغلبية أهالي كردستان وقفوا مع ثورة الشيخ محمود الحفيد وخاصة في مناطق جمجمال والسليمانية، وفي تاريخ 18 حزيران 1919 اندلعت المعارك في منطقة بازيان بين قوات الشيخ محمود الحفيد والقوات البريطانية، ولكن وبسبب:
1. غياب توازن القوة بين قوات الشيخ محمود الحفيد والانجليز.
2. قلة الأسلحة والعتاد.
3. تراجع بعض الأطراف الكُردية عن دعم الشيخ محمود ووقوفهم مع الانجليز.
نجح الانجليز في إنهاء الثورة الكُردية وتمكنت من أسر (الشيخ محود الحفيد) بعد إصابته بجراح أثناء الحصار، وأسر معه العديد من أتباعه ومناصريه، وأرسلتهم القيادة العسكرية جميعا إلى بغداد وسيطرت القوات البريطانية على السليمانية وأصدرت حكمها بالإعدام على الشيخ محمود الحفيد ثم تم تخفيف الحكم بعد ذلك من قبل القائد البريطاني في بغداد إلى عشر سنوات مع النفي إلى الهند.
بعدها في عام 1920 تم عقد مؤتمر “سان ريمو” لتقاسم النفوذ بين القوى الاستعمارية، فحصلت فرنسا على سوريا ولبنان، وحصلت بريطانيا على فلسطين والعراق، بعد ذلك بدأت الثورات والانتفاضات الشعبية في مناطق كردستان والعراق ابتداءً من تلعفر مروراً بكركوك والسليمانية، وقد حاول الأتراك في عام 1921 استغلال هذه الاضطرابات والغضب الكُردي وروجوا لإعادة ولاية الموصل الى السيطرة التركية ونجحوا في استمالة تعاطف الكُرد وتقدموا حتى وصلوا الى مدينة رواندوز، هنا تعرض الانجليز لمشاكل كبيرة حيث واجهوا الكُرد والعرب من جهة ومن جهة أخرى شعروا بتقدم الأتراك نحو ولاية الموصل وبالتالي تراجعوا وتحصنوا في مناطق أربيل وكركوك.
يذكر (كريس كوجيرا) في أحد تقاريره في لندن عن الظروف السياسية في ذلك الوقت بأن الكرد لم يشتركوا في الثورات مع العرب فقط، بل تورطوا أيضا في مساعدة الأتراك وجلبهم مجدداً إلى داخل العراق.
الموقف الكُردي من السياسات البريطانية
كانت بريطانيا منذ بداية الحرب العالمية الأولى قد وضعت عينها على السيطرة على ولاية الموصل باعتبارها منطقة استراتيجية، وكونها غنية بالثروات الطبيعية والبشرية، وحاولت منذ السنوات الأولى فتح العديد من القنوات والتواصل مع القيادات الكردية لإقناعهم وكسب عواطفهم عن طريق منح العديد من الوعود بوقوف بريطانيا مع حقوق الشعب الكردي ومنحه الحكم الذاتي مستقبلاً بعد التخلص من القوات العثمانية، ومن ضمن هذه المشاريع كانت إصدار جريدة كردية في بغداد تحمل اسم (تيكةشتني راستي) – أي فهم الحقيقة – في كانون الثاني / يناير 1918 والتي كانت وسيلة دعائية للسياسات البريطانية وتهدف لتجميل التواجد الإنجليزي وشيطنة الدولة العثمانية وكسب تعاطف القيادات الكردية واثارة المشاعر القومية، حيث زينت الجريدة صدر عددها الأول بشعار (صحيفة سياسية- اجتماعية تخدم اتحاد الأكراد وحريتهم) وحاولت في الوقت نفسه دغدغة عواطفهم الدينية أيضا، حيث خرج العدد الثالث العشر من الجريدة بعنوان بارز “إنكلترا والإسلام” لاستمالة النخب والقيادات الكردية نحوهم وتبديد مشاعر القلق والخوف التي تراكمت في صدور الشريحة المتدينة من الأكراد.
بعدما قامت بريطانيا في عام 1920 بعقد معاهدة (سان ريمو) مع الدول المنتصرة في الحرب، أعلن في بغداد وبتاريخ 3 آيار/مايو 1920 عن الانتداب البريطاني على العراق، بمعنى أن العراق أصبح مسؤولية بريطانية أمام عصبة الأمم، وهذا القرار لم يدفع الكرد وحدهم إلى القلق والخوف، بل العرب أيضاً، وحتى الأتراك وجهوا انتقادات شديدة للإنجليز بسبب هذا القرار، ونتيجة لذلك اندلعت العديد من الثورات والانتفاضات الشعبية ضد السياسات البريطانية في العراق، لأن المواطنين في العراق وخاصة في المناطق الكردية أدركوا جيداً المطامع البريطانية وأن السياسات الإنجليزية تركز على تحقيق مصالحها بعيداً عن الاهتمام بتحقيق الحرية والعدالة لشعوب المنطقة.
وتجنباً للغضب الجماهيري والمظاهرات والمشاكل وخوفاً من اتساع النفوذ التركي في كردستان، قرر الانجليز إعادة (الشيخ محمود الحفيد) إلى السليمانية بتاريخ 30/09/1922، واستجابوا لمطالبه خوفاً من تفاقم المشاكل، فأعلن الشيخ محمود عن تشكيل حكومة كردية بتشكيلة وزارية من ثمانية وزراء وقائداً عاماً لقوات كردستان ومفتشاً عاماً للجيش الوطني الكردي في 1/10/1922، ولقب نفسه بـ (ملك كردستان) في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1922، واتخذ من السليمانية عاصمة لحكومته، ورفع العلم الكردي ذا الهلال الأحمر وسط أرضية خضراء مع تاج مزخرف فوق العلم.
وقد اعترفت الحكومتان البريطانية والعراقية بالحكومة الكردية المستقلة في بيان صادر بهذا الشأن جاء فيه:
“تعترف حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية بحقوق الأكراد القاطنين ضمن حدود العراق في تأسيس حكومة كوردية ضمن هذه الحدود، وتأمل أن الأكراد – على اختلاف عناصرهم – سيتفقون في أسرع ما يمكن على الشكل الذي يودون أن تتخذه تلك الحكومة وعلى الحدود التي يرغبون أن تمتد إليها، ويرسلون مندوبيهم المسؤولين إلى بغداد لبحث علاقاتهم الاقتصادية والسياسية مع حكومتي الانجليز والعراق”.
ولكن كما سنذكر لاحقاً فإن تعارض طموحات الشيخ محمود الحفيد مع السياسات البريطانية في المنطقة قد أدى إلى اندثار هذه الإنجازات التي كانت مجرد تكتيكات انجليزية لكبح جماح المارد الكردي وتهدئة الأكراد في تلك الفترة الحساسة واقناعهم بهذه المكاسب لضمان تهدئة الأوضاع في المنطقة وبسط نفوذهم والتخلص من التهديدات التركية، حيث أن البريطانيين تراجعوا عن منح هذه الحقوق وتنصلوا عن وعودهم وتعهداتهم وباشروا بالتخلص من الجمهورية الفتية للشيخ محمود الحفيد بعد عدة سنوات على تأسيسها برعايتهم.
على الجانب الآخر فإن مشاعر الإحباط كانت تسكن الأكراد تجاه السياسة البريطانية في تلك الفترة، ولعل انتفاضات بارزان وزيبار خير دليل على ذلك، وخاصة عندما زار حاكم الموصل البريطاني (الكولونيل بيل) منطقة بارزان لتهدئة الأوضاع ولكن الشيخ أحمد البارزاني لم يستقبله، وقد اتفق أغوات الزيبار مع الشيخ أحمد على القضاء على (بيل) ومن كان معه، وتم ذلك بعد ان أوقعوه في كمين أعده المنتفضون في 4 من تشرين الثاني 1919، وعلى إثر هذه الحادثة تم احتلال عقرة وحرق بيوت رؤوساء الزيبار والبارزانيين وأدت إلى تدهور أكثر للأوضاع.
وعلى الرغم من أن الحراك السياسي في السليمانية كان يتميز بوضوح أهدافه واتساع تأثيره وانتشاره بصورة أكبر، مقارنة بالمناطق الأخرى كزاخو والعمادية وعقرة، إلا ان هذا الحراك كان سببا مُلهما لباقي مناطق كردستان، حيث شجعت حركة الشيخ محمود العشائر الكردية على الانتفاضة في العمادية والوقوف بوجه السلطات البريطانية وقتل الحاكم البريطاني (الكابتن ويلي) و(الكابتن مكدونالد) و(القناص تروب)، واستمرت المعارك بين الطرفين لفترة طويلة وتسببت هذه المنطقة بصداع كبير للإنجليز لصعوبة السيطرة على الانتفاضة الشعبية والتخلص من قادة العشائر ممن يوجهون الحراك.
حركة الشيخ محمود الحفيد
لم يقتصر الحراك الكردي على منطقة السليمانية في فترة الحرب العالمية الأولى، بل شمل الحراك الشعبي كافة مناطق كردستان وخاصة انتفاضة العمادية وبارزان والزيبار وانتفاضات خانقين وكفري وأربيل والاستجابة الكردية للعشائر العربية التي طلبت الاستغاثة من الشيخ محمود لمواجهة الانجليز عند دخولهم إلى العراق من الجنوب عام 1915، واتجه الشيخ محمود مع قواته إلى وسط وجنوب العراق وهتف الناس في مدحهم بأهزوجة (ثلثين الجنة لهادينا وثلث الجنة للشيخ محمود وأكراده)، وأصيب الشيخ في هذه المعركة وعاد إلى كردستان بعد شفائه.
جدير بالذكر أن الشيخ محمود البرزنجي ولد في السليمانية عام 1881، وقد نشأ وترعرع في ظل تلقي العلوم الشرعية والأدب واللغة والمفاهيم الصوفية والفقه والتفسير بين كبار العلماء داخل أسرته، وقد درس القرآن الكريم والعلوم الدينية وهو في عامه السادس، وورث زعامة الطريقة القادرية ومشيختها بعد وفاة والده، وتعلم اللغات العربية والفارسية والتركية بجانب لغته الكردية.
التقى الشيخ محمود الحفيد بالسلطان العثماني (السلطان عبدالحميد) لأول مرة عام 1904، حين مرافقته لوالده إلى العاصمة العثمانية بناء على دعوة السلطان.
وتولى الشيخ محمود السيطرة الكاملة على منطقة السليمانية وأجزاء أخرى من كردستان منذ عام 1910 بعد استشهاد والده في الموصل، حيث تم تعيينه كمتصرف على السليمانية ولقبه العثمانيون بالنقيب، ومع تراجع دور العثمانيين إثر هزيمتهم أمام الحلفاء، بادر الشيخ محمود لملء الفراغ الإداري والسياسي في المنطقة، والذي أصبح حاكماً للسليمانية في عام 1918.
كما وإنه من الجدير بالذكر أيضا أن الروس عرضوا مساعدات عسكرية على الشيخ محمود لمهاجمة الموصل والانتقام لمقتل والده وأخيه عام 1909، ولكنه رفض تلك المساعدات واعتبر أن المجرمين مسؤولون عن الحادثة وليس الأهالي.
ومن المواقف المشرفة للشيخ محمود الحفيد أن الدولة العثمانية وجهت نداء استغاثة إلى الشيخ محمود لمحاربة القوات الروسية التي دخلت من الحدود الإيرانية، فاستجاب الشيخ محمود لنداء السلطان محمد رشاد وقام بمساعدة القوات العثمانية ونجح في وقف التقدم الروسي في شمال ايران نحو مدينة بينجوين في جنوب كردستان.
أهم ملامح الحركة الكردية في فترة الحرب العالمية الاولى
من الواضح أن الحركة الكردية في هذه المرحلة التاريخية المهمة كانت تحاول أن تضمن مصالحها في ظل الواقع الجديد الذي تشكل بعد سيطرة بريطانيا على ولاية الموصل وانسحاب القوات العثمانية من المنطقة، وعلى الرغم من وعود الانجليز وتعهداتهم بضمان مصالح الأكراد والإعلان مراراً عن وجود مبادئ أخلاقية وراء الحملات الإنجليزية، إلا ان الواقع أثبت العكس تماماً وظهر جلياً أن الانجليز عندما كانوا يمنحون الأكراد بعضاً من الحقوق كان الهدف من ذلك تقوية تواجدهم ومحاولة استخدام الأكراد لأجل تحقيق مصالحهم ثم التراجع عن جميع وعودهم السابقة بعدما ضمنوا نهاية النفوذ التركي وأسسوا لدولة العراق.
وعلى الرغم من الانتفاضات والثورات الشعبية الكردية إلا ان الرؤية القومية المشتركة لم تكن متبلورة بشكل كامل بين جميع العشائر والقبائل الكردية في المنطقة وهذا ما أدى إلى اضعاف الموقف الكردي وفتح المجال أمام المحتلين باستغلال هذه الثغرات والمشاكل الداخلية لإضعاف الحركة.
غياب التنسيق اللازم والخبرة السياسية المطلوبة قد تكونان من أسباب عدم تحقيق الحركة الكردية لأهدافها ومطالبها خلال هذه الفترة الحساسة، وخاصة في ظل التفاؤل الموجود بالبيانات العالمية التي كانت تصدر في تلك الفترة من ضمنها المبادئ التي اطلقها الرئيس الأمريكي (ويلسون) بحق الشعوب في تقرير مصيرها والذي لم يتحقق منها شيء.
لم تقدم القوى الكبرى وخاصة بريطانيا حلولا جذرية وحقيقية للقضية الكردية، على الرغم من ان المطالب الكردية في غالبيتها كانت مطالب ثقافية وإدارة ذاتية وحقوق طبيعية كانت تتمتع بها المناطق الكردية من بدايات الدولة الإسلامية وحتى في الكثير من فترات حكم الدولة العثمانية، وعلى العكس أسست سياسات التهميش والاقصاء واستغلال هذه القضية لتحقيق مصالح بريطانيا في العراق أدت إلى زراعة أزمة حقيقية ومشكلة عميقة في المنطقة تداعياتها وأثارها مستمرة حتى يومنا هذا.
المصادر
الدبلوماسية السياسية وأثرها في تثبيت النفوذ العثماني في شمال العراق / أدريس البدليسي أنموذجا، أ.م.د. بشرى ناصر هاشم الساعدي، الجامعة المستنصرية كلية الاداب /قسم التاريخ
الشيخ محمود البرزنجي وجهوده لقيام دولة كوردستان ، كمال طاهر رشيد، محمد روسلان، فيصل عبدالحميد
بريطانيا والانتفاضات الكردية في العراق 1919 -1932، د.عمار يوسف عبدالله، مجلة جامعة كركوك للدراسات الإنسانية
كردستان والأكراد، الحركة القومية والزعامة السياسية، ادريس بارزاني نموذجا، سامي شورش، دار ئاراس للطباعة والنشر
سياسات صنعت الشرقين الأدنى والأوسط، د. ميثاق بيات الضيفي
ولاية الموصل والحقوق الكردية بعد الحرب العالمية الأولى، د.عبدالعزيز المفتي
كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى، د.كمال مظهر أحمد
الحركة الكردية في العراق ( دور البارزانيين في طريق الحكم الذاتي)، محمود رزوق أحمد

