الكاتب: حسين صالح السبعاوي

لم يكن الإنسداد السياسي في العراق وليد اللحظة كما يعتقد البعض بل إن الإنسداد السياسي بدأ منذ الاحتلال الأمريكي والإيراني للعراق عام ٢٠٠٣ وتأسيس العملية السياسية التي بنيت على أسس طائفية مقيتة ومحاصصة حزبية يقودها مجموعة من الفاسدين أبعدت كل الكفاءات الوطنية وقدمت مجموعة من اللصوص ليتولوا قيادة العراق خدمة لصالح المحتل ومصالحهم الحزبية والشخصية على حساب المصلحة الوطنية وعموم الشعب العراق فمنذ ذلك الوقت بدأ الانسداد السياسي في العراق أما الإنتخابات الأخيرة التي أجريت في تشرين ٢٠٢١ ما هي إلا القشة التي قصمت ظهر البعير .

عندما احتلت الولايات المتحدة الأمريكية العراق جاءت بمشروع تفكيك الدولة العراقية من خلال تقسيم المجتمع إلى مكونات عرقية ومذهبية وهي من حددت نسبة كل مكون في العراق فرفعت طائفة وجعلتها هي الأغلبية وقسمت الآخرين حسب ما يقتضيه مشروعها ثم جاءت بسقط المتاع لكل طائفة ومكون ومنحت هؤلاء حكم العراق رغماً على أنف الشعب وكان هؤلاء متعطشون للحكم بطريقة شرهة وبنفس الوقت يحملون من الحقد على الشعب بحيث أبعدت عن إدارة الدولة كل الكفاءات المهنية والوطنية وانفردوا في الحكم واعتمدوا على الإقصاء والتهميش بحجة التبعية للنظام السابق أو بسبب خلاف مذهبي وطائفي وبالتأكيد هذا الأداء يرضي المحتل الأمريكي وهو ما يريده منهم .
وهنا لابد من التذكير بمراحل الإنسداد السياسي الذي مر به العراق منذ ١٩ عاما:

١- إدارة الدولة وتشكيل مؤسساتها على أسس طائفية بعيدا عن المهنية والكفاءة واعتماد المواطنة كهوية أساسية بدل الهويات الفرعية مثل الطائفية والعرقية .

٢- تأسيس الأحزاب الحاكمة على أسس طائفية وعرقية وآخرها على أسس قبلية مناطقية ولكل حزب هناك من يدعمه من القوى الخارجية ومقابل هذا الدعم يكون هذا الحزب رهينة للجهة الداعمة له سيما أن أغلب الأحزاب الحاكمة قد تأسست في إيران ولها تأثير كبير على قيادة هذه الأحزاب بل هي من تتحكم بهم .

٣- وجود أذرع مسلحة لأغلب الأحزاب الحاكمة وولاء هؤلاء المسلحين للحزب وقيادته وهم مستعدين لإستهداف أي جهة أو مؤسسة داخل الدولة إذا ما تعارضت مصلحة حزبهم مع الدولة ومؤسساتها وكيف يستقيم التنافس السياسي بين الفرقاء إذا لكل جهة مليشياتها وكيف يستقيم العمل السياسي بين الأعزل والمسلح بتأكيد ستكون الغلبة لمن يملك السلاح لا من يملك الأفكار والمشاريع التي تخدم البلد حتى لو فاز الأخير بصندوق الإنتخابات فلن يسمح له بتشكيل الحكومة وهذا الذي حصل في إنتخابات ٢٠١٠ عندما فازت القائمة العراقية لكنها لا تملك أذرع مسلحة ولا مليشيات فحرمت من تشكيل الحكومة بينما شكلها الخاسر الذي لدية أذرع مسلحة .

٤- كيف لعملية سياسية ينتج عنها حكومة وطنية والأحزاب المتنافسة في الانتخابات ولائها الخارجي أكبر من ولائها الوطني وينخر الفساد في قيادتها وتنتظر الفرصة للإنقضاض على المال العام .

اذاً الانسداد السياسي الذي يعاني منه العراقي منذ ٢٠٠٣ وليس الآن وسوف يستمر الإنسداد إلى أن تستبدل هذه الطبقة السياسية الفاسدة التي اذاقت الشعب العراقي الويل بسبب طائفيتها وفسادها وسوء إدارتها للدولة ولا يمكن لعاقل أن يصدق بأن المحتل جاء يمنحنا الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية فلو أنتجت هذه العملية السياسية حكومة وطنية تهتم بالشعب وحريصة على المال العام وغير متهمة بالفساد فإن أمريكا وإيران أول من ينقلب عليها ويزج بهذه الحكومة وأعضائها في السجون .

أما ما نشاهده اليوم فهو ليس انسداد سياسي كما يقول البعض بل هو موت سريري لهذه العملية السياسية التي هجرت الملايين من الشعب وقتلت واعتقلت مئات الآلاف دون ذنب يذكر ونهبت مئات المليارات من المال العام وارتكبت كل الموبقات ضد الشعب العراقي وما نشاهده اليوم ما هو إلا النهاية لهذه الطبقة السياسية الفاسدة التي أصبحت رهينة بيد القوى الخارجية .

أما الحديث عن إنتخابات مبكرة وحل مجلس النواب الذي لم يرى النور فهذا يؤكد أن العملية السياسية في العراق تحتضر ولا يمكن انعاشها لأنه ما قيمة إنتخابات إذا كان أغلبية الشعب مقاطع لها وهذا بشهادة المفوضية وجميع المراقبين للانتخابات ثم ما قيمة إنتخابات إذا كان الفائز لا يستطيع تشكيل الحكومة والخاسر يهدد بحرب أهلية وفوضى عارمة إذا لم يشترك في الحكومة وما قيمة إنتخابات إذا كان من يسمون أنفسهم بالمستقلين ثم يعلنون انتمائهم للكتل السياسية بعد إعلان النتائج مباشرة ألا يعلم هؤلاء المرشحين بأن الناخب اختارهم على أساس أنهم مستقلين ؟

إن هذه الإنتخابات الأخيرة فضحت الجميع وكشفت زيفهم وكذبهم على الشعب وقد أصبح المجتمع على وعي تام لما يجري حوله وأدرك بأن هذه العملية السياسية وجميع أقطابها غير مؤهلين لقيادة العراق ولا بد من الشروع في عملية سياسية وطنية تخدم الشعب العراقي عموما بعيدا عن الطائفية والعرقية والإثنية يقصى منها كل من ساهم بقتل الشعب ونهب المال العام وولائه للقوى المعادية للعراق وهذا لن يتم في العراق طالما المجتمع الدولي متمسك بهذه الطبقة السياسية الفاسدة ولا بد من الضغط من أجل التغيير الإيجابي لإنقاذ العراق مما هو عليه الآن بسبب هذه الأحزاب والطبقة السياسية الفاسدة .