قال الرئيس ترمب إنه يعتزم سحب القوات الأمريكية من العراق. في نفس الوقت تقريبًا، بدا أن الجنرال فرانك ماكنزي يتناقض مع موقف الرئيس، مما يعني أن القوات الأمريكية لا تستطيع الانسحاب؛ لأنه “لا يزال هناك عمل يتعين القيام به” في تدريب قوات الأمن العراقية.
من المؤسف أنه لم يكن هناك المزيد من الحديث عن العراق في الفترة التي سبقت الانتخابات، حيث لا يزال الآلاف من القوات الأمريكية متمركزين هناك. بغض النظر عمن سيكون الرئيس في كانون الثاني (يناير) 2021، فإن التقييم الشامل لتورط أمريكا الطويل في العراق يكشف أن الانسحاب الكامل هو أفضل سياسة لمصالح الولايات المتحدة.
في مايو/ ايار 2004، أخبر الرئيس بوش الشعب الأمريكي أن العراق في طريقه لأن يصبح دولة ديمقراطية تعمل بكامل طاقتها. وأوضح السيد بوش أنه في الانتخابات المقبلة، “سيختار الشعب العراقي جمعية وطنية انتقالية، أول هيئة حكم وطنية تمثيلية ومنتخبة بحرية في تاريخ العراق” وستضع دستورًا جديدًا. تبين لاحقا أن زعيم تلك الحكومة العراقية المختارة هو نوري المالكي.
تحدث المالكي أمام جلسة مشتركة للكونجرس الأمريكي في يوليو/ تموز 2006، عن الديمقراطية والحقوق الفردية حتى تتمكن الأجيال العراقية المستقبلية من العيش في سلام وازدهار وأمل. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى اكتشف أن خطاب المالكي كان مليئًا بكلمات جوفاء تهدف إلى كسب ود الحكومة الأمريكية.
بعد فترة وجيزة من وصول المالكي إلى السلطة، وصل (التمرد) في العراق إلى درجة عنيفة جدا، مما دفع بوش إلى إصدار أوامر بزيادة القوات الأمريكية لتهدئة الاضطرابات. وبعد أن نجح الجيش الأمريكي في إخماد العنف الطائفي بشكل كبير، تحرك المالكي للبدء في القضاء على منافسيه السياسيين المحليين.
في آذار (مارس) 2008، تحرك المالكي ضد ميليشيا، كانت تعرف بـ “جيش المهدي” في البصرة، يقودها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. وعلى الرغم من أن قادة الولايات المتحدة اعتقدوا أن القتال غير حكيم ومحكوم عليه بالفشل، فقد قاد المالكي شخصيًا الحملة – وبدعم من مساعدة عسكرية أمريكية كبيرة – تمكن من إخضاع رجل الدين الشيعي وتهميش الميليشيا. بدا المالكي مدعوماً بنجاحه في إسكات خصومه السياسيين، وبدأ يتحرك بشكل منهجي ضد الخصوم السياسيين الآخرين – وخاصة السنة – في الجيش العراقي.
“كان أحد الأسباب الرئيسة لنجاح القوات الأمريكية في خفض العنف في العراق هو تخصيص آلاف السنة في مجموعات “أبناء العراق”، التي قاتلت (متمردين) عراقيين آخرين. وفي مقابل دعمهم، وعدت القيادة العراقية والأمريكية بدمج المقاتلين السنة في المجتمع العراقي ومنحهم وظائف بعد الحرب.
لكن عام 2010، بعد أن خفت حدة العنف بشكل كبير، قرر المالكي حل الجماعات السنية، متجاهلاً الوعد بدمجها، تاركًا عشرات الآلاف من الغاضبين والعاطلين عن العمل. بحلول ذلك الوقت، كان المالكي قد قام بالفعل بتطهير القادة السنة والأكراد من الجيش العراقي في محاولة للقضاء على أي تحد محتمل لحكمه السياسي. كان البدلاء في كثير من الأحيان موالين سياسيين ولم يكن لدى الكثير منهم القدرة على قيادة القوات في المعركة. انفجر هذا الواقع في وجه المالكي في صيف 2014.
في يونيو/ تموز من ذلك العام، دخلت مجموعة صغيرة نسبيًا من مقاتلي تنظيم الدولة “داعش” إلى الموصل بقصد شن هجوم على الوحدات الشيعية في المدينة. لكن القادة الذين نصبهم المالكي سياسياً اصابهم الذعر وتخلوا عن قطعات كاملة لتواجه مصيرها، واستقلوا الطائرات وفروا إلى بغداد. وبعد هروب قادة الجيش العراقي، تلاشت القطعات العسكرية وبرز السكان السنة المتعاطفون مع تنظيم الدولة “داعش”.
لم يكن ظهور تنظيم الدولة ولا انهيار الجيش العراقي عام 2014 نتيجة انسحاب أمريكا العسكري عام 2011. لقد حصل المالكي على فرصة هائلة للوفاء بالتعهد الذي قطعه أمام الكونغرس الأمريكي عام 2006، لكنه اختار طوعا اللجوء إلى القوة الغاشمة وسياسة القوة ضد أعدائه. جاءت جهوده بنتائج عكسية، مما أدى إلى فقدانه للسلطة، وعرّض العراق للانقسامات الداخلية والعنف المستمر حتى يومنا هذا.
لقد استسلم الرئيس أوباما للضغوط السياسية المحلية في الولايات المتحدة عامي 2014 و 2015، وأرسل القوات الأمريكية إلى العراق. ربما كانت مثل هذه الخطوة مناسبة سياسياً، لكنها لم تكن ضرورية عسكريًا. على الرغم من أن تنظيم الدولة “داعش” لم يمثل تهديدًا لأمريكا إلا أن القوات الأمريكية مع ذلك لم تكن قادرة على التعامل معه بسهولة، وأن الدول التي كانت معرضة لخطر هذا التنظيم – العراق وسوريا كانت ستتعامل في النهاية مع الوضع بمفردها، وإن كان ذلك بثمن أعلى بالنسبة لها .
هذه الحقيقة تكشف اليوم حقيقة أخرى، وهي أن الأمن الأمريكي لا يتعزز بوجود القوات الأمريكية على الأرض في العراق ولا يتعرض لخطر أكبر بسبب انسحابها الكامل. على العكس من ذلك، يمكن للولايات المتحدة زيادة أمنها القومي والحفاظ على قوة قواتها من خلال إبعادها عن الأذى غير الضروري. يجب أن يكون العراق مسؤولاً عن أمنه. حان الوقت لإنهاء المهمة وإعادة القوات الامريكية إلى البلد.
واشنطن تايمز/ دانيال ال ديفيس
ترجمة وتحرير: راسام

