أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

شغل الحس القومي حيزا كبيرا من وعي الجومرد المرتبط بالسياسة والتاريخ، فقد عايش فترة التمزق العربي والسيطرة الاستعمارية على الوطن العربي، تركت لديه معايشة هذه الحالة انطباعا مؤلما بتخلف الواقع العربي عن ركب الحضارة المعاصرة. فكان يعي دور العرب وتراثهم الزاخر الأصيل في الماضي، ويتذكر عطاءهم الكبير الذي أقام الغرب حضارته عليه. كما هيمنت القضية الفلسطينية على مشاعره الى حد كبير ورافقته تطوراتها طيلة حياته تقريبا، بل امتزجت مشاعره هذه بالروح العربية الوثابة في التصدي للأعداء من شرق العالم وغربه. وكان لابد للحس القومي أن يأخذ نصيبه في شعره، ولهذا كانت قصائده في هذا الاتجاه تأكيدا على العروبة وتعبيرا للتواصل مع ماضي الامة في جوانبها المشرقة. وتعكس مفردات قصائده القومية قوة مؤثرة وتحريضية مملوءة بالحماس لاستثارة أبناء امته على أعدائها.
ففي ١٨ حزيران ١٩٣٠ استشهد ثلاثة من الفلسطينيين كانوا قد اعدموا في مدينة القدس، بعد أن أقدمت احدى العصابات الصهيونية على اعدامهم، وكان لهذا الحدث أثر كبير في نفسه مما أجج المشاعر القومية فيه، وظهر واضحا في قصيدته ( ذكرى ودموع) التي تضم (٣٠) بيتا صور فيها واقع العرب إزاء المخاطر التي تهدد عروبة فلسطين والكيان العربي فصارت مشاعر “البكاء” هي الطاغية مع مر الأيام :
كل يوم نياحة وعـــــــــــزاء ما لحزن في القلب منها انتهاء
طالما حلت المصائب فينــــا وأطالت ثواءهــــــــــا الأرزاء
فالليالي متاعب ورزايا الــــ دهر شتى وكلنا عنـــــــــــــاء
خلق الغرب كي يعيش أميرا وكأنا بزعمه اســــــــــــــــراء
ما بنا غير مقعد يتمطــــــى وعليه من التوانــــــــــي رداء
ويبث الشاعر في ثنايا قصيدته الهموم السياسية للامة، وما صنع الغرب الاستعماري بها، في حين تكون فلسطين أيضا محورا لقصيدته بعد أن غدا أبناؤها يسترخصون الروح ويقدمون أنفسهم قرابين على طريق الحرية والاستقلال:
أي ذنب جنت فلسطيــــــــــن سيق منها الى الردى أبرياء
كاد قلبي يذوب غيظا وحزنـا وحين زفت لشنقها الشــهداء
رب طفل ينعى أخاه شهيـــدا وعيال يندبنه ونســــــــــــاء
واستهلت من كل عين دمـوع وتعالى من كل قطر نـــــداء
في بلاد العراق شكوى حزين ومن الشام ضجة وبكـــــــاء
وبنجد ومصر عم احتجــــاج ورجاء ولا يفيد الرجـــــــاء
ويمكن أن تعد قصيدته (نحن وعرب وادي الحوارث) التي ألقاها في ٢٨ تموز ١٩٣٣، أمام التجمع الحاشد من أبناء الموصل في الجامع النوري، تضامنا مع الشعب العربي الفلسطيني، من أنضج القصائد التي تناول فيها الامة العربية في حاضرها وماضيها، منددا بما صنعه الأعداد، وهو في البدء يثير السامع وينبهه على الاصغاء للشكوى ويشير بشجاعة إلى أهمية نطق (الحقيقة) دون مواربة :
من سامع فأبث شكوى لم تـزل بين الضلوع دفينة الآمها
لن أخشى إن قلت الحقيقة ناقدا أو لام فيما قلته لوامهــــا
ويتساءل الجومرد مستغربا عن كيفية تعود الناس على الكلام دون فعل، منتقدا ما تفعله الأحزاب والجرائد التي وصفها بـ (المأجورة) وقتئذ من أفعال لغرض صرف الناس عن مجريات الأمور :
أنا تعودنا الكلام فألســـــن
ثرثارة في الكذب بات غرامها
يتطاحنون لمقصد ومآرب
ولكل نفس غاية ومرامهــــــــا
وهل ارتقت للمجد إلا امة
كثرت أفعالها وقل كلامهـــــــا
ثم يمضي في وصف حال الامة بعد أن غض من أسمائهم بـ (العلماء والحكام) الجفون عن الحقائق وسعوا بشكل أو بآخر على تراكم البلاء على هذه الامة :
إن كان بـــاق للعروبـــــة فتيـــــــة
فمتى يفيق من السبات نيامها
علماؤها غضون الجفون على العدا
وسعوا لكل بلية حكامهـــــــا
ولرب من زعـــم البنـــــاء لأمــــة
نسي الحقيقة أنه هدامهــــــــا
ثم يعقد الجومرد اللواء للعروبة في قصيدته هذه، التي لم تعد اليوم مدعاة للفخر فقد طوى الزمان ومزقت الاعلام، وأصاب أبناءها التقاعس والكسل والركود والخضوع للمستعمر الأجنبي، وهو في كل هذا يندد بالواقع المعاش المفروض على الامة. ان هذا الواقع بعيد عن أصلها اذ ليس من طبائعها أن تخضع ولكن هذا هو الذي حدث :
لا تفخروا كانت وكان لواؤهـــــا
طوى الزمان ومزقت أعلامهـا
كانت يخاف الغرب رمية سهمها
فتقاعس الرامي وطاش سهامها
ومن تجربة (الجومرد) الحياتية الثرة يصور لنا حال الامة، وما تعانيه من ركود بل يذكر أبناءها والذين يشخص فيهم في الوقت نفسه غياب مكامن القوة والنهوض.
وبحكم وعي الجومرد التاريخي يستحضر في ذهنه الماضي، ويستعيد صورة التمزق الذي أصاب عرب القبائل (مصر) عندما تحكم في رموزها على حد قوله (الجاهل) و (الظالم) وكان (وادي الحوارث)، مصبا للدماء العربية وقتئذ، تصطرع فيه قوى البغي والشر وقوى الخير والدفاع عن الوجود العربي النقي. وهو في هذا يريد أن يعطي صورة يعبر بها العرب اليوم، وينصحهم بعدم التفرق والتمزق بل الوحدة والتضامن والتكاتف :
ولديكم (وادي الحوارث) شاهد
لما تصرف بالأمور طغامهـا
تلك القبائل من معد أقفـــــرت
عرصاتها وتروعت أرامهــا
أما البيوت فقطعـت أطنابهـــا
وتقوضت يوم الرحيل خيامهـا
ويعود الجومرد الى فلسطين، والى الشروخ التي أصابت الجسد العربي فليس فيه أحد أفضل من أحد والجميع في البلوى سواء لذا نراه يشخص هذه الحالة بلغة قومية معبرة عن هذه المأساة :
هذي فلسطين تسـيل جروحهـا
وكذا يئن عراقهــا وشـامهـــــا
في كل يوم نكبة وكأنما
خلقت موارد حسـرة أيامـهـــا
كأن (محمد) في قبرها
غضبى تسائل (لم وهي اسلامها ؟)
ومثلما عبثت الأمراض بالجسد – العروبة- ، فعلت كذلك مع الروح – الإسلام -. وفي تضمين قصيدته لروح الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) إشارة الى القيم الروحية السامية التي حملها العرب للإنسانية، وهو يتساءل عن الضراغم التي عرفتها امة العرب، وهل خلت عرائنها أم مضت في أجلها الى غير رجعة، ويخلص الجومرد في قصيدته إلى إقامة دعوة مفتوحة الى أبناء الامة العربية، قوامها ضرورة العمل والتفاني من أجل إعادة مجدها وعزها وكرامتها:
آن الأوان فهيئوا لبلادكم
عملا والا باعها أخصامها
واذا تمادت امة في غيها
لقي المذلة والهوان كرامها
وفي احدى المناسبات الخاصة بالقضية الفلسطينية سنة ١٩٣٣، ألقى الجومرد – الطالب بمعهد الحقوق وقتئذ – إحدى قصائده على مدرج الجامعة السورية، وصور فيها حال فلسطين وهي تواجه المطامع الصهيونية وما يقاسيه الشعب الفلسطيني من أحزان وآلام :
تبيت تسامر أحزانهــــا وقد قرح الدمع أحزانها
لها في سكون الدجى أنة يعيد صدى الكون الحانها
وفي قصيدة أخرى يحث أبناء امته العربية على عدم الاستكانة والخضوع، بل ذكرها بالحمية العربية من أجل الدفاع عن قضيتها واسترداد حقوقها المغتصبة :

يا قوم بيضتكم لا تفجعن بها
إني أخاف عليها الازلم الجدى
وفي عام ١٩٣٢ زار وفد من طلبة العراق الجامعة السورية بعد دخول العراق عصبة الأمم فأقيم لهم احتفال على مدرج الجامعة حضره جمهور غفير، وألقى (الجومرد) قصيدة لهذه المناسبة عبر فيها عن مشاعره لهذا الحدث الذي يمثل اعترافا بقيمة العراق بوصفة دولة ذات سيادة، بمقدورها أن ترفع صوتها عاليا من فوق منبر الأمم، ولكننا يمكن أن نستشف من خلال قصيدته هذه أن الجومرد لا يؤمن ببديل مهما كان كبيرا في الوسط الدولي “عن الوحدة العربية”، على الرغم من ان حدث دخول العراق عصبة الأمم خطوة متقدمة وجديدة على صعيد الحياة السياسية العراقية. ومن هنا نرى أن لغة الجومرد الحلبية في هذه القصيدة مستمدة من انطباع قيم الوحدة العربية في نفسه، وكأننا لا نقرأ قصيدة طافحة بالهموم والمفردات السياسية:
قال لي صاحبي وقد جف لوني ورأى في صفرة وذبولا
هل تذكرت في العراقييــن أهلا وتذكرت أربعا ونخيلا
فتقـدمــــت نـحـــوه وفـــــؤادي كاد يوحي لأدمعي آن تقولا
وطني الشام والعــراق وأهــلـي عرب تسكن الربا والسهولا
بردى والفرات سـيـان عـنــدي ذاك يجري عذبا وذا سلسبيلا
غـير ان الذي أثار شــجــونــي هو اني ذكرت مجدا أثيلا
ضـاع من بيننـا ونحن رقـود فلعلي أرى إليه رسولا
ومثلما تأخذ هموم الامة وآلامها نصيبها من الجومرد في قصائده، تأخذ رموز الحرية والفداء والكرامة نصيبها الأوفى كذلك من قصائده، ففي قصيدته الى “ضحية الحرية عمر المختار”، – مكونة من خمسين بيتا – رثى بها الشهيد عمر. ومما يلحظ أن الجومرد يسعى لتأكيد مسألة مهمة، وهي أن غياب أو موت بطل من أبطال الحرية في هذه الامة لا يعني فناءه وانتهاءه، بل يعني بقاءه قيمة معنوية مشعة للحيوية والاندفاع على الدرب الذي من أجله ضحى وأعطى حياته:
إن غـبـت في ظلــم القبــور فأنـت حــي فــي الصـدور
يـا ويحهــم ظـلمــوا ومـــا للظالميــن ســـوى الثبــور
أســدا هصـــورا هالــهــم بعزيـمـة الأسـد الهصــور
جاءوه بـالعـدد الصـعــاب يـديـرهـا العــدد الـكـثيــر
وهنا يعطي (الجومرد) صورة واقعية لعمر المختار لا مبالغة فيها ولا تفوته الإشارة الى أن هذا البطل قد دفع حياته لا لشيء إلا لأنه حر شريف يدافع عن وطنه :
جـاءوا بـه شيـخـا أغـــر ينـوء مـن قيــد الأســــيـر
ما كـان ذا طمـع بجمـع المـال أو سكـنى القصـور
لكن أخو شرف يعاف الـ ذل مـــن بـــاغ يـــجـــور
والمـوت أعـذب مردود للحــر مـن عـيـش مريــر
ثم يقول :
جـاورت ربـك طـاهـرا باللـه (يا عـمـر) الجسـور
ووهبت روحك للعروبة غــيــر مــنــان فــخــــور
أرواح أبطال المجد العـ ــرب قـد أمسـت جـزور
وتخطف يد المنون في آب ١٩٣٥ رمزا من رموز التحرر القومي، هو عبد الرزاق الدندشي (رئيس عصبة العمل القومي في سوريا) فتقيم الحكومة العراقية حفلا تأبينيا ببغداد بمناسبة الأربعينية على روح الدندشي، حضره ياسين الهاشمي (رئيس الوزراء) والوزراء والنواب، ويلقي في رثائه قصيدة معبرة أمام الحاضرين صور من خلالها حال الامة العربية، وأكد فيها على التوحد في الألم والمصاب، وما حل بالشام يمكن أن يكون له صداه في العراق:
نبأ فاجع وخـطـب أجـل وقلوب من الأسى تضمحل
موجعات كأنما كل قلب للأسى دون غـيـره مستـقـل
مات عبد الرزاق واللطف والحز م وصوت من جانب الحق يعلو
فبكى المنبر الحزين خطيبا نـافـذ الـرأي فـك برديـه نبـل

ففي البدء يصور الجومرد النبأ المؤلم بفقد هذه الشخصية العربية، التي لها من المزايا الخلقية والأدبية الشيء الكثير، فقد كان الدندشي يعمل على وحدة الامة، والتصدي لأعدائها وكان لهذا صداه في القصيدة من خلال وحدة الألم وفقدان هذه الشخصية:
ايه أخت الشام ما حل فـي واديـك خـط الا وفـينـا حـل
العراق الفتى على يقاسـيه سـيبقـى عـلى الوفـا ويـظـل
فتية الضاد لا تظنوا الليالي عـاقـدات حبـالهـا مـا تـحـل
كل ليـل لابـد يتـلـوه صـبح ومريـر الحيـاة لابـد يحـلــو
وعلى الرغم من هذا الوصف المؤلم فان الجومرد لم يكن يؤثر فيه اليأس والتشاؤم، بل متفائل بالفجر الذي سيمزق رداء الليل، وعندئذ ينداح الصبح العربي المزدان والمطرز بالنضال :
فأجمعوا أمركم وإن ول هذا الدهر يوما من حربكم لا تملوا
فلقد يدرك الصـبور أمانيـه ويــبـــقـــى عـلــى الأوان الأذل
وفي احدى مقطوعاته الشعرية التي نظمها عام ١٩٥٥، يصور الجومرد حال قومه العرب وقد أضاعوا مجدهم، وكيف صارت بهم الحال، وقد كانوا أصحاب فكر وعلم وأخلاق وصبر على جور الأيام والزمان، قد كانت ثمة نفوس حرة تحكمهم، وإباء كانوا يعتنقونه وهم يدفعون أرواحهم رخيصة للمنون ومن زجل الفوز بالحرية والكرامة وشرف الحياة :

إنــي أرى قومـي أضــــا عـوا نهـج رشـدهم فـضاعــوا
كانــت لهــم ســــنن روا دع عــــن غــوايتهــم تــطاع
خـوف الآلــه وخوف ما يــزري بـهــم فـيـمـــا يـشـاع
ولهــم ضـمــائــر حـــرة ولــهـــم إبـــــاء وامـتـنـــــاع
سوق المنـون رخيصــة أرواحــهــم فــيـهــا تبـــــــاع
نخلص مما تقدم أن الجومرد الشاعر (المقل)، قد وضع شعره في خدمة وطنه وامته لدعم نضالهم ضد الاستعمار وخططه. فقد أكد في قصائده على التحرر والاستقلال وطرد المستعمر المحتل والتوحد مع الامة بماضيها من أجل مستقبلها المشرق، ويمتاز شعره على قلته بوضوح العبارة وسلاسة اللفظة وعاميتها في بعض الأحيان، بل بالجرأة في توصيل الأفكار التي يريد طرحها، وتشخيص الحالات السلبية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وشعره لا يخلو من جانب الوعظ والحكمة والإرشاد، مع محاولته الحفاظ على الصياغة الفنية والبنائية المناسبة لأفكاره في وحدة موضوعية متماسكة.
والجومرد في شعره واضح المقصد والتعبير، لغته مفعمة بالبساطة تقترب من لغة الناس اليومية.

المصدر المعتمد :
– عدنان سامي نذير، عبد الجبار الجومرد، نشاطه الثقافي ودوره السياسي (شركة المعرفة، بغداد، ١٩٩١).