نظير الكندوري
في آخر تغريدة لمقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري والفائز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان في الانتخابات الأخيرة، شنَّ هجومًا على السياسة الاقتصادية للحكومة الحالية، وطالب باستدعاء مدير البنك المركزي ووزير المالية، للمثول تحت قبلة البرلمان ومسائلته عن سبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية، والتي جاءت كنتيجة مباشرة لخفض سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي -حسب رؤيته-. من جانبه، رفض وزير المالية (علي علاوي) المثول أمام البرلمان، معللًا السبب في ذلك، بأن الاستدعاء جاء نتيجة لتغريدة مقتدى الصدر، والحكومة -حسب قوله- ليست مسؤولة أمام أي حزب سياسي أو زعيم سياسي، وإنما هي مسؤولة فقط أمام الشعب العراقي المُمثل بمجلس نوابه المنتخب، واعتبر ذلك تنازلًا من قبل الحكومة وتحويلها إلى ذراع تنفيذي للأحزاب السياسية وليست ممثلة عن الشعب.
ملامح حكومة الصدر الأبوية القادمة
وبغض النظر عن أحقية أو عدم أحقية محاسبة وزير المالية ومدير البنك المركزي بسبب غلاء الأسعار الحالي في العراق، إلا أننا نريد أن نناقش موضوع في غاية الأهمية، يتمثل بملامح حكومة الصدر القادمة التي يريد الصدر إدارتها بطريقته “الأبوية” كما أعلن عن ذلك في مناسبات عديدة، وما مدى قربها أو بعدها عن الديمقراطية التي يزعُم السياسيين جميعًا، التمسك بها ومن بينهم الصدر.
يعود مصطلح “الحكومة الأبوية”، وكما ورد في الموسوعات السياسية المعتمدة، إلى أنها تعني حرفيًا “حُكم الأب”، ومن خلال الدراسات التاريخية، يؤكد جميع المؤرخين، على أن “النظام الأبوي” في السياسة، هو نظام يتعارض تماماً مع الديمقراطية، وهو نمط حكم متأخر كثيراً في تاريخ البشرية، ويقودنا إلى نظام حكم يعتمد بشكل أساسي على النظام القبَلي الذي يقوم على صلة الدم والقُربى والعصبية القبلية، وتقوم العائلة، أو القبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو المدينة بالاستحواذ على النفوذ السياسي لتلك الدولة وتحتكره لنفسها وتتحكم بمصير الناس فيها.
فمقتدى الصدر بحكومته “الأبوية” يريد تأسيس حكومة لا تختلف كثيرًا – من ناحية السياسة الداخلية- عن حكم صدام الذي اختزل النظام السياسي العراقي بشخص “القائد الضرورة”، ونخبة من عائلته، وكلنا نعلم كيف تدرجت السلطة في زمن صدام، من هيمنة “الحزب القائد” إلى هيمنة “القائد الضرورة” إلى هيمنة مدينة تكريت ثم إلى هيمنة القرية التي نشأ منها، حتى انتهت بسلطة عائلته المقربة. وفي حالة حكومة الصدر “الأبوية” القادمة، فإنها ستتدرج من هيمنة التيار الصدري إلى هيمنة مدينة النجف ثم إلى “الحنانة” وانتهاءً بعائلته المقربة. وهذا ما لم يخفه الصدر في تصريحاته، ولم يخفه المقربين منه في تصريحاتهم. فمصطلح “الحكومة الأبوية” يتردد كثيرًا على لسان مقتدى الصدر، وعلى لسان المقربين منه، وأن القرار السياسي العراقي سيكون مصدره مدينة النجف، وبالتحديد مدينة صغيرة تابعة لها اسمها “الحنانة” محل إقامة الصدر، كما عبر عن ذلك (حازم الأعرجي)، ممثل الصدر في مدينة الكاظمية، كما بدأنا نسمع على لسان تابعيه بمصطلح “عراق الصدرين” و”السيد القائد”، وتدور أحاديث كثيرة عن الدور البالغ لأقرباء الصدر في السياسة العراقية، مثل وزير الصدر الذي يعتقد أنه ابن أخ مقتدى الصدر، وكذلك ابن عمه ” محمد جعفر الصدر” الذي يشغل حاليًا منصب السفير العراقي في لندن وتردد اسمه كثيرًا قبل شهور، حول إمكانية ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء القادم.
نتائج تطبيق النظام الأبوي في العراق
إن تطبيق نموذج “الحكومة الأبوية” وجعله النظام السائد في سياسة الدولة العراقية من شأنه أن ينسحب على جميع الأنشطة الاجتماعية في العراق، ويتحول المجتمع العراقي من مجتمع يسير تجاه الحداثة والتطوير وتأسيس دولة المؤسسات إلى مجتمع يسير إلى الوراء ليكون بيئة طاردة لكل ما هو جديد تُنتجه الإنسانية من أنظمة تصُب في مصلحة المجتمع، وسيتم استبدال الدولة وسلطتها ومؤسساتها، بالعشيرة والقبيلة والعائلة لتقوم هي بدورها في تنظيم فعاليات المجتمع.
والحقيقة إن هذا الإنزواء والتراجع للوراء في المجتمع العراقي، بدء بعد احتلال العراق عام 2003، فقد بدأنا نرى عجز سلطات الدولة عن حماية المواطنين والدفاع عن مصالحهم وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة لهم، مما اضطرهم إلى اللجوء إلى سلطة القبيلة والعشيرة لحماية أمنهم الشخصي، أو استرداد حقوقهم. وشيئًا فشيئًا غيَّب دور الدولة وسلطتها، لصالح الدور الأبوي للقبيلة والعشيرة أو المذهب، وغاب دور النخب المثقفة من مفكرين وأكاديميين وقادة رأي، لصالح الانتماء العشائري والقبلي والديني الطائفي، وهذا ما لاحظناه بشكل جلي في انتخابات مجلس النواب العراقي ولدورات عديدة، حيث إن الترشيح يكون على أساس الانتماء الطائفي والقومي والعشائري، مع غياب متعمد لأي تمثيل للمفكرين والسياسيين المهنيين في البرلمان، وغياب أي جهة حزبية لها برنامج سياسي ناضج لبناء الدولة.
ومن النتائج المتوقعة لتطبيق النموذج “الأبوي” في الحكومة القادمة، هو تحولها من حكومة خادمة للشعب، إلى حكومة تفرض الوصاية عليه، مما يخولها بإجبار الناس على سلوكيات معينة، والسير في طريق مرسوم لهم سلفًا، دون أن يكون لهم الحق في الاختيار أو إبداء الرأي في صحة هذه السلوكيات التي تختارها لهم الحكومة أو انتقادها، ذلك لأن “الحكومة الأبوية”، تعتبر أفراد المجتمع قاصرون عن معرفة ما ينفعهم وما يضرهم، وهم بحاجة دائمة إلى الإرشاد والتوجيه من “الحكومة الأبوية” أو “الأب القائد”، لأداء واجباتهم، ومعرفة الصالح والطالح في حياتهم. وبذلك فهي تُنصّب قادة الحكومة ومن يقف خلفها، كأوصياء وأولياء ومرشدين للناس، من حقهم التدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤونهم.
كيف نفهم تدخل الصدر في محاسبة وزير المالية؟
وعلى الرغم من أن الصدر ما زال حتى الان لم ينجح في تشكيل حكومته “الأبوية” الموعودة، إلا أنه يريد ممارسة صلاحياته “الأبوية” مبكرًا منذ الان، مستفيدًا من عدد مقاعده في البرلمان، يريد “القائد” رسم برنامج الحكومة الاقتصادي من خلال تغريداته وعلى البرلمان الضغط على الحكومة لتنفيذها، ومستقبلًا وحين ينجح بتشكيل حكومته “الأبوية”، سوف يمارس حقه “الأبوي”، بشكل مباشر من خلال اصدار الأوامر للحكومة القادمة انطلاقًا من الحنانة.
حينما أمر الصدر، بوجوب امتثال نوابه لتوصياته واستدعاء وزير المالية لقبة البرلمان فورًا لأجل محاسبته على سياسته المالية التي سبق وأن دعمها الصدر قبل شهور، رفض الوزير علي علاوي الامتثال لأوامر استدعائه من قبل حاكم الزاملي نائب رئيس البرلمان والمنتمي للتيار الصدري، معللًا السبب في ذلك، بأن هذا الاستدعاء هو إهانة للحكومة وإهانة لكرامته وكرامة عائلته. ومن هنا نرى أن الوزير، استخدم ذات الأسلوب الذي يقوم به الصدر في تصرفاته “الأبوية” وتعمد إدخال كرامة عائلته في الموضوع، وهذا طبعًا ينسحب بعد ذلك إلى كرامة عشيرته وقبيلته أو المذهب الذي ينتمي له، الأمر الذي جلب له مسانده كبيرة من خصومه بالأمس، وهي الأحزاب والميليشيات المنضوية تحت “الإطار التنسيقي” المخاصمة للصدر سياسيًا، فقامت تلك الأطراف “الإطارية” بحملة إعلامية لمساندة وزير المالية، والتهجم على تغريدة الصدر وكتلته النيابية. الأمر الذي يجعلنا نتكهن بطبيعة النظام السياسي الذي يحكم العراق بعد تشكيل حكومة الصدر “الأبوية”، وإلى أي مدى من التخلف سوف يدخل به العراق بعد تأسيس هذا النظام “الأبوي” بقيادة “السيد القائد”، وكم من السنيين التي سيخسرها العراقيون لإصلاح هذا الفساد المستحكم في النظام السياسي العراقي.
مقال خاص براسام

