المقدمة:
تمر علينا ذكرى عزيزة على قلوبنا وعلى قلوب الشرفاء من أبناء العراق والأمة في ذكرى تأسيس الجيش العراقي الباسل في ميلاده الميمون(101), فألف مبروك لجيشنا الأغر في هذا اليوم العظيم الذي نستذكر فيه أروع المأثر والملاحم والبطولات التي سطرها في الذود عن العراق وعن قضايا الأمة المصيرية، فقد كان الجيش العراقي حجر الزاوية في القدرة العربية الصلبة لمواجهة الأخطار الخارجية, وكان دوره محوريا في الدفاع عن قضايا الأمة العربية, حيث سطر الجيش العراقي الأصيل بحرفية عالية أروع الملاحم العسكرية في الدفاع عن أرض العراق ضد الأطماع والتهديدات منذ تشكيل الدولة العراقية وحتى أحتلاله عام2003م، وقد كان بحق سوراً للوطن، فتحية أجلال وإكبار وفخر لجميع قادة ومنتسبي هذا الجيش العظيم، والرحمة والخلود لشهدائنا الأبرار الذين روت دمائهم أرض العراق وفلسطين .
لقد خاض الجيش العراقي الباسل العديد من الحروب وكان له سفر خالد من البطولات في حروب الأمة ضد العدو الصهيوني، فقد شارك في حرب عام1948م، وحرب عام1967م، وحرب1973م، على الجبهتين المصرية والسورية حيث تنقلت قواته القتالية على سرف الدبابات لتصل خلال24ساعة الى الجبهة السورية، لتدخل القوات المدرعة العراقية الى ساحة المعركة مباشرة من التنقل الى القتال، دون أستطلاع أو أستحضارات، ودون أسناد ناري متكامل، ودون التنسيق مع القوات السورية، بعد أن حزمت القيادة السياسية السورية حقائبها لترك دمشق بسبب التهديد الصهيوني المباشر للعاصمة دمشق، الأمر الذي أدخل الجيش العراقي دائرة الأستهداف السياسي والعسكري بسبب مواقفه من قضايا الأمة المصيرية، ولوقوفه بوجه المخططات الأجنبية التي كانت تريد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران تنفيذها في العراق والمنطقة.
محطات من تاريخ الجيش العراقي:
لقد دخل لواء “أبن الوليد” المدرع(12)الى ساحة المعركة في يوم12تشرين الأول/أكتوبر 1973م، وأصطدم اللواء المدرع بتشكيل مدرع اسرائيلي في معركة تصادفية سريعة تفاجأت بها القوات المدرعة الاسرائيلية المتقدمة نحو دمشق، والتي ذهلت من هذه القوات التي تقتحم ميدان المعركة بقوة تزيد عن (100)دبابة، وعجلة قتال مدرعة، حيث درات معارك عنيفة وقوية استطاعت فيها القوات العراقية أن تكبد العدو خسائر كبيرة، أجبرتها على التراجع والانسحاب الى الخلف، تاركين دباباتهم المدمرة، وجثث جنودهم، وقد تزامن ذلك مع دخول “اللواء الميكانيكي الثامن” الى منطقة “كفر ناسج” ليشكل قاعدة دفاع خلف اللواء المدرع(12) ،وهنا وصلت المعلومات عن تطور الموقف الى القائد الاسرائيلي (لانير)الذي كان واقفاً على “تل الشعار” ويرصد بمنظاره الشخصي صعود سحابة كبيرة من التراب والدخان الأسود تلوح في الأفق، حيث أيقن القائد الاسرائيلي بأن الاستخبارات الاسرائيلية أخفقت وأخطأت في تقدير وصول القوات العراقية ودخولها المعركة، الأمر الذي أجبره على أصدر أوامره بوقف التقدم نحو العاصمة “دمشق”، وتغير ناصية قواته لمواجهة القوات العراقية التي هددت قواته المتقدمة بالعزل، والتطويق، وبهذا تحولت القوات الاسرائيلية من الهجوم الى الدفاع، واستطاعت القوات العراقية المدرعة بهذه المعركة التي يمكن أن نسميها معركة الدبابات أن تفرض واقعاً جديداً على الأرض وتمنع سقوط “دمشق”.
في عام1980م خاض الجيش العراقي حرباً ضروس ضد إيران بكل حقدها الفارسي على العراق والأمة العربية أستمرت لثمان سنوات وتعتبر من أطول الحروب النظامية في العصر الحديث، حيث سطر جيش القادسية أروع الملاحم في التضحية والفداء للدفاع عن العراق وعن شرف الأمة وعزتها وليوقف تصدير ثورتهم المزعومة الى دول المنطقة، بعد أن رفعوا شعار طريق الى القدس يمر عبر بغداد، وقد أنتصر الجيش العراقي على الجيش الإيراني الذي يفوقه بثلاثة أضعاف في كل حسابات القوة البشرية والأقتصادية والعسكرية والتسليحية، بعد سحق ودمر جيشها وأجبرها على وقف أطلاق النار حسب قرار مجلس الأمن الرقم(598)، نعم أنه الجيش العراقي بلوائه المدرع العاشر: الذي دمر الفرقة الإيرانية المدرعة العاشرة التي تسمى “الفرقة الذهبية” في يومين من المعارك الضارية وأخرجها من الخدمة، إنه الجيش الذي أستعاد مدينة الفاو التي سيطر عليه الجيش الإيراني عام1986م، بعد أن صرح خامنئي بعد أحتلال الفاو أنه” أذا تمكن صدام حسين من أسترجاعها فأني سأذهب بنفسي الى بغداد لتهنئته” ثم تحمل هذا الجيش في عام1991م مالم يتحمله جيش أخر على مر التاريخ من الضغط النفسي والناري، بعد أن نفذت عليه طائرات التحالف الدولي المكون من(34)دولة ما يقارب(105)ألف طلعة جوية معادية، وألقي عليه أكثر من(100)الف طن من المتفجرات بما فيها اليورانيوم المنضب.
ما هي العقيدة الشاملة للدولة:
هي مجموعة التعاليم والقيم السامية والمبادئ السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والمعنوية والعلمية والدينية التي نبعت من حضارة الشعب، ورسخت في وجدانه وضميره·· فعندما نذكر العقيدة الأساسية للدولة فإننا في الحقيقة نذكر العقيدة الشاملة وليست العسكرية.
ما هو تعريف العقيدة العسكرية:
تعرف بأنها مجموعة من القيم والمبادئ الفكرية التي تهدف إلى إرساء نظريات العلم العسكري وعلوم فن الحرب، لتحدد بناء واستخدامات القوات المسلحة في زمن السلم والحرب بما يحقق الأهداف والمصالح الوطنية “، ولو تمعنا في هذا التعريف لوجدنا أنه يغطي جميع مستويات العقيدة ، الأستراتيجي والعملياتي والتعبوي.
كيف تبنى العقيدة العسكرية للجيوش:
يتم بناء العقيدة العسكرية للجيوش حسب العقيدة السياسية للبلد أو المعتقد الديني كونها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنظام الدولة، كما إن طبيعة الدولة موقعها الجغرافي يحدد حجم تنظيماتها العسكرية ونوعيتها وطريقة استخدامها، يضاف الى ذلك تاريخها العسكري الذي يرتبط بالشعارات التي تلتزم بها الدولة والأمة، كما يدخل يؤخذ بنظر الأعتبار في بناء العقيدة العسكرية المحيط الجيوسياسي للبلد والتأثيرات الدولية والإقليمية، كما يراعى التهديدات المحتملة والمهام المستقبلية، والتغيرات المستمرة للبلد وطبيعة الحرب القادمة والتي من المتوقع أن تخوضها الدولة، من حيث شكلها، ومستوياتها ومشروعيتها ووسائلها وكذلك تدخل الموارد الاقتصادية، والبشرية، ومستوى التقدم العلمي في بناء العقيدة العسكرية للجيش، ولي إن أسال؟:
ما هي العقيدة السياسية للعراق بعد عام 2003م؟، فهل هي عقيدة دولة دينية؟، أو علمانية؟، أو مدنية؟، أو طائفية؟، خصوصاً وإن الدستور العراقي بنى النظام السياسي والدولة العراقية على مبدأ المحصصة الطائفية!، لذا فالجيش الجديد بلا عقيدة قتالية واضحة، فهناك تسليح شرقي وغربي، وهناك مؤسسات تدريبية متعددة، وهناك ولاء مزدوج، وهناك دمج لميليشيات طائفية، علماً بأن الذي أعاد بناء الجيش هو المحتل الأمريكي البريطاني الذي لا يرغب بوجود جيش قوي لكي يبقى البلد كساحة للتدخلات الأجنبية الخارجية وخاصة الامريكية والإيرانية، ويقول رجل الدين الشيعي “أياد جمال الدين” عندما تم أستعادة مدينة تكريت رفعت القوات الحكومية رايات يا حسين ولم يرفعوا علم العراق، وهذه دلالة على إن ولائهم للطائفة وللخارج وليس للبلد، لذا فأختلال وهشاشة العملية السياسية والانقسام السياسي والطائفي الحاد بين المكونات أدى الى تأسيس مؤسسة عسكرية ضعيفة وغير رصينة، الأمر الذي أدى لضعف أدائها القتالي بشكل كبير.
قرار حل الجيش العراقي وتشكيل الجيش الجديد:
من يقرأ التاريخ بدقة يجد بأن الدول التي تنتصر بالحروب تضع شروطها وأهدافها من هذه الحرب، فمثلاً عندما تم انتصار المانيا في بداية الحرب العالمية الثانية تم حل الجيوش لهولندا وبولندة وبلجيكا، وعندما أنتصر الحلفاء على المانيا تم حل الجيش الألماني، وكذلك اليابان التي لا زالت تحت الحماية الأمريكية، لذا فمسالة حل الجيش العراقي والأجهزة الامنية يعني تدمير مؤسسات الدولة العراقية، وما حصل في العراق من إصدار قرار بحل الجيش والأجهزة الأمنية ليس خطأ كما يحاولون الترويج له، بل هو مدروس ومخطط له، وكان قرار استراتيجي يصب في مصلحة ايران واسرائيل، حيث أصدر الحاكم المدني الأمريكي “بول بريمر” القرار رقم(2) في16أيار 2003م، والذي تضمن حل الجيش والأجهزة الأمنية العراقية ووزارة الأعلام والتي كانت تعمل قبل عام2003م، ثم أصدر الحاكم بريمر في8أغسطس/أب عام2003م، القرار رقم(22)عن سلطة الائتلاف المؤقتة بتشكيل جيش جديد أو قوات دفاع وطني، بسبب تصاعد عمليات المقاومة العراقية، علماً بأن المحتل في البداية كان يتكلم عن(3-4)فرق، ثم أردفها في حزيران عام2004م بقرار الرقم(91)، الذي يتضمن دمج المليشيات كنواة لهذا الجيش، ثم جاء الدستور العراقي عام2005م، ليجعل مبدأ المحصصة الطائفية هو الأساس الذي يجب أن تقول عليه مؤسسات الدولة العراقية الجديدة، لذا فهذه القرارات لم تكن محض صدفة أو خطأ سياسي، ولم يكن وليد حاجة أمنية كما ادعى البعض، وإنما كان جزءاً من المشروع المعد للعراق في تفتيت الدولة العراقية وأضعافها وتدميرها، لذا فحل الجيش العراقي كان مخطط له بشكل متقن لتجريف وتدمير القدرة العسكرية العراقية .
الأستهداف السياسي والعسكري للجيش العراقي:
إن الجيش العراقي دخل دائرة الاستهداف السياسي والعسكري منذ فترة طويلة من قبل جهات متعددة، لذا فقد كانت الفرصة مؤاتيه للنيل من هذا الجيش بعد الاحتلال، خصوصاً وإنه شكل عقبة أمام المخططات الاستعمارية والتوسعية في المنطقة، كما أنه شكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الإسرائيلي والإيراني وكذلك لحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، التي عملت على استهدافه وتدميره، لذا فليس من مصلحة الامريكان أن يكون هناك جيش عراقي قوي، لأنه ستنتفي الحاجة لبقاء قواتهم في العراق، لذا عملوا على أضعاف هذا الجيش من اللحظة الاولى لبنائه عندما دمجوا الميليشيات الطائفية في بنية هذا الجيش، الأمر الذي أعطى الجيش صفة طائفية، كما إن إسرائيل وإيران لا تريد لهذا الجيش أن يعود قوياً، وبذلك أكتمل التحالف الثلاثي الحاقد على تدمير العراق وجيشه، حيث عملوا على تدمير وتجريف القدرة العسكرية العراقية لأنهم يخشون من عودة هذه القوات لتهديهم مرة أخرى، كما عملوا على أنهاء العراق كقوة أقليمية طالما شكل توزان في الصراع العربي الإسرائيلي،
أما على المستوى الداخلي فهناك الكثير من الأحزاب السياسية والشخصيات التابعة لإيران لا تريد بناء جيش قوي لأن إيران لا تريد ذلك، بل إن هناك الكثير من القيادات التي تصدرت المشهد السياسي بعد الأحتلال قاتلت مع إيران ضد العراق في حرب الثمان سنوات، مثل مستشار الأمن القومي “قاسم الأعرجي، و”هادي العامري”، وغيرهم الكثير، فالأكراد مثلاً لا يريدون بناء جيش قوي خوفاً من تهديد دولتهم في شمال العراق عندما تتقاطع المصالح مع بغداد، وما جرى من قتال بعد الاستفتاء عام2017م، هو خير دليل على ذلك، خصوصاً عندما وقعت صدامات عسكرية في إطراف مدينة كركوك بين الجيش العراقي الجديد وبين قوات البيشمركة وكذلك في منطقة “التون كوبري”، أما المكون السني فهو يعتبرون الجيش الجديد هو تشكيل طائفي نتيجة الأستهداف الذي لحق مناطقهم وشبابهم بسبب السياسات الطائفية التي أتبعتها الحكومات المتعاقبة والتي عملت على تسيًس هذه المؤسسة العريقة، كما أنهم يرون بأن الالتحاق بالجيش في ظل الاحتلال شيء معيب وغير جائز شرعاً وغير مشرف، مما جعل الكثير من الضباط السنة يعزفون عن الألتحاق به، هذا بالأضافة الى إن الضباط السنة متهمين بالبعثية ولا تنطبق عليهم شروط الألتحاق بالجيش الجديد، يضاف لذلك مقاطعتهم للعملية السياسية، وسطوة فصائل المقاومة العراقية المسلحة على هذه المناطق، الأمر الذي منع الكثير من الضباط من الألتحاق بالجيش الجديد، مما سبب اختلال كبير في تشكيل البنية التنظيمية للجيش الحالي.
أما الأحزاب الشيعية التي لديها علاقات قوية مع إيران فقد كانت وما زالت من أشد الجهات المعارضة على بناء جيش عراقي قوي ، لأنها ترى ذلك بأنه تهديد لنفوذها السياسي والعسكري والأقتصادي، لذا فهي لا تريد لهذا الجيش إن يكون قوي وقادر على فرض الأمن والاستقرار، لكي تقوم بتشكيل ميليشياتها المسلحة بحجة عدم قدرة الجيش والأجهزة الأمنية على السيطرة على الوضع الأمني في العراق، وهذا ما حصل عام2014م عندما فشل الجيش في الدفاع عن المدن مما دفع القيادات الشيعية التابعة الى إيران الى تشكيل ميليشيات مسلحة خارج إطار القوات المسلحة، الأمر الذي يتقاطع مع الدستور العراقي في مادته التاسعة التي تحظر تشكيل ميليشيات مسلحة خارج إطار القوات المسلحة العراقية، حيث يقول الخبير الأمريكي “جون برينان” إن “حكام بغداد بعد عام2003م لا يرون غير الطائفة التي تستمد شرعيتها من إيران التي تدعمهم عسكرياً ومادياً لحمل راية التشيع السياسي”، الأمر الذي أفضى الى تبعية العراق لإيران بمباركة أمريكية، بحيث أصبحت مواقف العراق بعد الأحتلال معادية للمحيط العربي، بالرغم من التآمر الكبير الذي شاركت فيه هذه الدول لأسقاط الدولة العراقية السابقة”.

