بدء الهجوم الاسرائيلي المقابل:
بالساعة(0830)يوم8تشرين الأول/أكتوبر1973بدأ الهجوم الاسرائيلي المقابل، وركز العدو هجومه على “المحور الجنوبي”، و”المحور الأوسط”، ودرات معارك عنيفة وشرسة في الكثير من المناطق مثل القنيطرة- سنديانة- كفر نفاخ- الخشينة- الجو خدار- تل الفرس- تل عكاشة، وبدأ ميزان القوى يتغير على الأرض لصالح القوات الإسرائيلية التي كانت متفوقة بالقوات المدرعة بشكل كبير، بعد أن زج العدو ستة ألوية مدرعة لم تشترك في القتال هي اللواء المدرع(14-17-19-20-60-79)،بينما تفوقت القوات السورية بالمدفعية والمشاة، حيث بدأت القوات الاسرائيلية باستعادة المناطق والأراضي التي سيطرة عليها القوات السورية، كما بدأت بغلق الثغرات التي سببها الهجوم السوري بالموضع الدفاعي الاسرائيلي، من خلال التعاون مع الوحدات الإسرائيلية المعزولة في “هضبة الجولان” والتي لم يتم تدميرها او السيطرة عليها، والتي نجحت في أعادة الارتباط والتنظيم مع قوات الهجوم المقابل، والتي نجحت في عزل العديد من الوحدات السورية، التي بدأ زخمها يضعف بشكل كبير.
لقد حاولت القيادة السورية أن تزج بجزء من احتياطها الاستراتيجي الذي يتمثل بقوات مدرعة، وبطاريات مدفعية، وصواريخ موجهة مضادة للدبابات، باتجاه المحور الرئيسي للعدو على المحور “الجنوبي”، و”الأوسط ” مع الاحتفاظ بالجزء الأكبر من “الفرقة المدرعة الثالثة” مقابل “المحور الشمالي”، على أمل أن تحقق الفرقة الميكانيكية “السابعة” المدعومة باللواء المدرع(78)خرقاً يمكن أن تندفع من خلاله “الفرقة المدرعة الثالثة” لتحرير “مدينة القنيطرة”، وضرب مجنة ومؤخرة القوات الاسرائيلية التي تتقدم على “المحور الأوسط”، وقطع طرق مواصلاتها، وقد ركزت القيادة الاسرائيلية هجومها على الجبهة السورية للأسباب التالية:
· قصر المسافة لعمق الأراضي العربية المحتلة، وسرعة اندفاع القوات المدرعة السورية على المحورين “الأوسط”، و”الجنوبي”، بسبب قلة العمق الاستراتيجي على الجبهة السورية، قياساً بالجبهة المصرية وامتدادات صحراء سيناء.
· لقد تأكدت القيادة العسكرية الاسرائيلية بأن القوات المصرية لن تجازف بالتقدم الى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة لعدم وجود مظلة جوية تؤمن الحماية لقواتها المتقدمة، وإذا تقدمت فهذا سيعرضها لخسائر كبيرة في ظل التفوق الجوي الاسرائيلي، لذا يجب حسم الموقف على هذه الجبهة أولاً لخطورتها وأهميتها، ثم التوجه لمعالجة الموقف على الجبهة المصرية، خصوصاً بعد التدخل الأمريكي.
· الطبيعة الجغرافية المعقدة لهضبة الجولان الذي يحد من قدرة القوات المعادية على تسلق الهضبة واستعادتها، بالإضافة لموقعها الحاكم الذي يهدد بعزل القوات الاسرائيلية المدافعة بالمنطقة.
· حسم المعركة على الجبهة السورية قبل تصل القوات العراقية لخوض المعركة.
تطور الحرب وخيارات القيادة الاسرائيلية على الجبهة السورية:
لقد استطاعت القوات الاسرائيلية المهاجمة على المحور “الجنوبي”، و”المحور الأوسط”، أن تستعيد الأراضي التي خسرتها في يومي6/7تشرين الأول، حتى وصلت الى خط وقف إطلاق النار لعام1967، وقد حاولت أحد كتائب الدبابات الإسرائيلية المدرعة أن تجتاز خط اطلاق النار عند “تل كودنا” ولكنها جوبهت بمقاومة ونيران كثيفة أوقعت فيها خسائر كبيرة، وأجبرتها على التراجع بأوامر من الجنرال(لانر)، وفي مساء يوم10تشرين الأول / أكتوبر1973أستجد موقف يتطلب موقف سياسي داعم للقوات العسكرية الاسرائيلية على الجبهة السورية حيث انقسمت القيادة الاسرائيلية الى رأيين هما:
· الرأي الأول: وكان يقوده وزير الدفاع الاسرائيلي “موشي ديان” والذي يرى بأن الهجوم المقابل حقق أهدافه، ودمر القوات السورية المهاجمة، لذا ينبغي الوقوف عند الحدود السورية- الاسرائيلية بقوات محدودة، وعدم استثارة ردود فعل سوفيتية عنيفة، وهذا الخيار يسمح لنا بنقل الجهد الرئيسي الى الجبهة المصرية لحسم الموقف المتردي، وعدم السماح للجيش المصري بالتقدم لاحتلال الممرات الاستراتيجية في “سيناء” الأمر الذي سيشكل تبدل خطير في الموقف الميداني، ويعقد المعطيات على الأرض في الجبهة الجنوبية(المصرية).
· الرأي الثاني: كان يقوده رئيس أركان الجيش الإسرائيلي “دافيد إليعازار” والذي عمل قائداً لجبهة الجولان في حرب عام1967، والذي كان يرى بضرورة تطوير الهجوم الاسرائيلي الى العمق السوري، ونقل المعركة الى أرض الخصم، والضغط باتجاه “مدينة القنيطرة”، لدفع القوات السورية والمغربية وإجبارها على التراجع الى الخلف، لإعادة احتلال الجولان، وعدم اعطاء الوقت اللازم للقيادة السورية لإعادة تنظيم دفاعاتهم وقواتهم بفضل الاسلحة السوفيتي التي بدأت تتدفق عليهم بحراً وجواً، وكذلك لحسم المعركة قبل وصول القوات العراقية، التي بدأت تتحرك باتجاه سوريا، لأن عدم حسم المعركة سيمنع الجيش الاسرائيلي من المناورة بالقوات ونقلها الى الجبهة الجنوبية.
جولدا مائير تحسم الموقف بتطوير الهجوم وتهديد دمشق:
لقد عُرضت الخيارات العسكرية لقيادة الجيش الاسرائيلي على رئيسة الوزراء الاسرائيلية “جولدا مائير” في ليلة 10/11تشرين الأول/ أكتوبر، واتخذت القرار بتصفية وحسم الموقف على الجبهة السورية، ليتسنى لها المناورة بالقوات على الجبهة المصرية، وبسبب قناعتها بعدم تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن اسرائيل، الأمر الذي سيمنع السوفيت من إمكانية التدخل، لذا أمرت بتطوير الهجوم الى العمق السوري، حيث أصدر “إليعازار” رئيس أركان الجيش الاسرائيلي الى “الجنرال حوفي” أمراً باستئناف الهجوم يوم11تشرين الأول/ أكتوبر بالتقدم باتجاه العاصمة “دمشق” وتهديدها بشكل مباشر، بحيث يجبر القيادة السورية على الاستسلام، ووقف القتال، مما جعل الجنرال “حوفي” ينقل جهده الرئيسي من “المحور الجنوبي” الى “المحور الشمالي” لمباغتة القوات السورية، التي ترى بأن وعورة الأرض في هذا المحور لا تصلح لتقدم القوات الألية والمدرعة، مما جعل الترتيبات الدفاعية للقوات السورية على هذا المحور ضعيفة، كما أنه يعتبر من أقصر المحاور للوصول الى العاصمة “دمشق”، بالإضافة الى أنه هجومه على هذا المحور سيجعل جناحه الأيسر يستند على سفوح “جبل الشيخ”، وبذلك يمنع تهديده من هذا الجناح، مما جعل “الجنرال حوفي” يعيد توزيع قواته المهاجمة لتنفيذ هذه الخطة كما يلي :
· مجموعة ألوية(رفول): وتضم لواء المظليين الميكانيكي(31)، ولواء “غولاني”، و”اللواء السابع المدرع”، بعد إعادة تنظيمه ودعمه بوحدات جديدة، وقد قسم هذه المجموعة الى قوتين قتالية: أحدها شمالية، والأخرى جنوبية،(دور الجيش العراقي ص79)وقد كلفت هذه المجموعة بالتقدم شمال طريق القنيطرة- سعسع-، مسندة جناحها الأيسر على “جبل الشيخ” لتقوم باحتلال مناطق الحضر-مزرعة بيت جن-جبعاتا- خان ارينبة- خلاس- تل شمس- سعسع.
· مجموعة ألوية(لانر): وتضم اللواء المدرع(17)، واللواء المدرع(79)، واللواء المدرع(19)، الذي سحب من مجموعة “بيليد” لتقوية زخم الهجوم على “المحور الرئيسي الوسطي”، وكلفت هذه المجموعة بالتقدم على الطريق الرئيسي القنيطرة- سعسع، على أن تنحرف نحو الشمال لتسير خلف مجموعة رفول أذا اعترضتها مقاومة عنيفة.
· مجموعة ألوية (بيليد): وتضم ثلاثة ألوية مدرعة هي اللواء (14)، واللواء(20)، واللواء(60)، وكلفت هذه المجموعة بحماية الجناح الأيمن للقوات المهاجمة، والاحتفاظ بقواتها كاملة وتنتظر اللحظة المناسبة لتقوم بحركة التفاف واسعة، بحيث يتم تطويق “دمشق” من الجبهة الشرقية، وتمنع وصول القوات العراقية، والأردنية، وتمنع اشتراكهم بالمعركة.
ترتيبات الموضع الدفاعي السوري:
لقد استندت الخطة الدفاعية للقوات السورية منذ وقف اطلاق النار في حرب عام1967على بناء ثلاثة خطوط دفاعية متتالية في العمق السوري، وقد قامت بتنظيمها وتحصينها خلال السنوات الست الماضية وكما يلي:
· الخط الدفاعي الأول: ويمتد على طول حدود وقف اطلاق النار لعام1967.
· الخط الدفاعي الثاني: ويقع الى الخلف على بعد(20)كم شرقي الخط الأول، ويبدأ من نقطة تقع غربي” قطنا” طريق قطنا- عرنة- ثم يتجه جنوباً الى “سعسع”، على طريق “القنيطرة-دمشق” وينتهي جنوب “الشيخ مسكين”، ويحتوي على عقدة قوية مضادة للدبابات.
· الخط الدفاعي الثالث: ويقع على مسافة(10-15)كم شرقي الخط الثاني ويبدأ من شمال غرب مدينة “دمشق” ويتجه شرقاً الى ما بعد “الكسوة” الواقعة على الطريق المؤدي الى “الصنمين- الشيخ مسكين- درعا”.
العراق ينذر قواته بالحركة للمشاركة بالحرب:
في ليلة 6/7 تشرين الأول/ أكتوبر 1973 صدرت الأوامر من القيادة العراقية الى القيادة العامة للقوات المسلحة بإنذار قواتها والاستعداد للمشاركة الفورية في الحرب، حيث صدرت التوجيهات والأوامر للتشكيلات العسكرية بالحركة الى سوريا للمشاركة بثقل عسكري بري وجوي كبير، حيث باشرت قيادة القوة الجوية العراقية بأرسال طائراتها المقاتلة بالساعة(1800)من يوم8تشرين الأول/أكتوبر، حيث وصلت لسوريا “خمسة أسراب” من الطائرات العراقية المقاتلة بمختلف أنواعها المتصدية والقاذفة، بالإضافة لطائرات النقل والدعم اللوجستي، حيث دخلت المقاتلات العراقية ضمن المطارات السورية، وكانت بأمرة القيادة السورية المباشرة، وشاركت في القتال يوم9تشرين الأول/أكتوبر 1973.
سوريا تطلب من العراق أرسال قوات مدرعة وجوية:
في يوم 9 تشرين الأول/أكتوبر 1973 أصبحت لدى القيادة العراقية معلومات مؤكدة بأن القوات السورية تواجه هجوما اسرائيلياً مقابلاً شرساً وقوياً أدى الى تغير موازين القوى على الأرض، حيث استطاعت القوات الاسرائيلية من استعادة الأراضي التي سيطرت عليها القوات السورية، الأمر الذي جعل القيادة السورية في حرج كبير يهدد بفقدان المكاسب التي حصلت عليها القوات السورية في بداية الهجوم، ويجعل الهدف الاستراتيجي التي قامت من أجله الحرب بعيد المنال، مما أجبر القيادة السورية على طلب تعزيزات عسكرية فورية من العراق لتلافي تطورات الموقف الميداني، حيث طلبت أكبر ما يمكن إرساله من القوات المدرعة مع جهد جوي كبير لوقف التقدم الاسرائيلي، الذي تسبب بخسائر كبيرة لحقت بالجيش السوري، وخاصةً بالقوات المدرعة، والقوة الجوية، علماً بأن الجيش العراقي في هذا الوقت كان لا يمتلك ألا فرقتين مدرعة، هما: الفرقة المدرعة الثالثة والتي تسمى “قوات صلاح الدين”، و”الفرقة المدرعة السادسة” والتي تسمى” قوات سعد”، إضافة الى “اللواء المدرع العاشر” زائد كتيبة دبابات كانت قيد التشكيل، وكانت مجهزة بدبابات روسية حديثة نوع(تي62) ، بالإضافة الى كتيبة دبابات لكل فرقة مشاة، حيث تم تحريك فرقتين مدرعة، مع خمسة اسراب من الطائرات المقاتلة، مع بعض الألوية المشاة، والقوات الخاصة، وكتائب المدفعية، ومنظومات الدفاع الجوي، وساريا النقل والتصليح والانقاذ.

