أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

لعب كبار التجار اليهود دوراً مقيتاً في انتفاضة مايس ١٩٤١م، وذلك بمساندتهم الإنكليز ضد الانتفاضة، ونظراً للتحالف الطبيعي بين الإنكليز واليهود، فعندما عزمت بريطانيا إنزال قواتها بها، عمد كبار موظفي اليهود في السكك إلى عرقلة وصول القوات العراقية إلى البصرة، ، وذلك بتأخير تأمين قاطرات الشحن وعندما احتدم القتال بين القوات البريطانية والقوات العراقية قام اليهود بفتح أبواب مساكنهم للبريطانيين لاستخدامها كمتاريس هجومية ضد القوات العراقية، وعمدوا كذلك في تلك الفترة الحرجة إلى غلق محالهم التجارية والكف عن عقد الصفقات التجارية والتبادل بحجة الخوف على أموالهم، فأحدث ذلك اضطراباً في حركة الأسواق التجارية وفقدان الحاجات الضرورية وارتفاع أسعارها فاستاء الشعب من تواطئهم مع الأجنبي وضمر لهم الضغينة بسبب مواقفهم، خاصة بعد اخفاق الانتفاضة أظهر اليهود مباهج الفرح والرضى إلى ما آلت إليه الانتفاضة، مما أساء إلى مشاعر الوطنيين وجعلهم ينفرون منهم، فكانت حادثة الفرهود المشهورة التي هي حوادث السلب والنهب التي تعرضت لها المتاجر والمخازن التي كان يمتلكها اليهود في الأول والثاني من حزيران ١٩٤١م، حيث كان سببها الرئيسي احتكار التجار اليهود للبضائع والسلع التموينية والضرورية ورفع أسعارها لدرجة تسببوا معها بأزمة حقيقية في السوق، وجعلوا الفقراء ومتوسطي الحال يعانون من الجوع والحرمان من جراء الشحة وغلاء الأسعار.

من الوسائل الأخرى التي اعتمدها اليهود في تعاملهم هي الغش والرشوة والتي أفسدوا بها أخلاق بعض رجال الدولة والموظفين، فكانوا يعمدون بحيلهم إلى استيراد البضائع المغشوشة التي لا تتطابق مع المواصفات المشروطة في إجازات الاستيراد ويحاولون تمريرها بأساليبهم الملتوية إلى داخل الأسواق العراقية وتحقيق الأرباح الفاحشة من جراء ذلك على حساب مصلحة المستهلك العراقي.

وبسبب ازدياد نشاطهم في هذه الفترة انتشرت عملية التهريب (الحنطة والرز ودهن السمن والأغنام) إلى فلسطين، فكانت شركة (سبنسر) – وهي شركة تجارية صهيونية تأسست في فلسطين – تقوم بشراء الحنطة من الأسواق العراقية وتعمل على طحنها في مطاحن عراقية (الفلوجة – بغداد) بحجة تموين العاملين لديهم في العراق لكنها في الحقيقة كانت تعمل على تهريب الطحين إلى الصهاينة في فلسطين، فقد كان (حاييم ناثانئيل) – أحد ملوك المال اليهودي في العراق- يهيمن على معظم شؤون النقل البري ما بين العراق – فلسطين – سورية – إيران، من خلال عمله كمتعهد للنقل يعاونه وكلاؤه في كل من (حيفا وبيروت والبصرة) وكان يعمل على تهريب العوائل والرجال اليهود إلى فلسطين بشتى الأساليب والطرق، كما تمكن من تهريب اعداد كبيرة جداً من الأغنام والأبقار والمواد الغذائية.

وعلى الرغم من قصر المدة لبقاء حكومة الدفاع الوطني فإنها استطاعت أن تحقق نوعاً من التوازن وتوفير المواد المتيسرة من مواد التموينية الضرورية رغم الحصار المفروض عليها، كما قامت حكومة الدفاع الوطني بالاتفاق مع ألمانيا لتقدم قرضاً لها بمبلغ قدره (مليوني باون إسترليني) لغرض تأمينه كغطاء نقدي جديد لإصدار العملة العراقية غير أن العراق لم يحصل الا على (٢٠) عشرين ألف باون إسترليني ذهب.

الاحتلال البريطاني الثاني للعراق وتفاقم مشكلة التموين

أدى سقوط حكومة الدفاع الوطني إلى عودة العراق تحت ظل الاحتلال البريطاني الثاني وتسخير إمكاناته الاستراتيجية والاقتصادية لخدمة المصالح الاستعمارية البريطانية، وغدت بريطانيا المرجع الأول في الرأي والاستشارة وفي تشكيل وتغيير الوزارات على وفق رغباتها، مما أدى إلى عودة الارتباك في حركة النشاط التجاري من حيث فقدان المواد التموينية الرئيسية كالسكر والشاي والحبوب من الأسواق التجارية وارتفاع أسعارها الفاحش بحيث تعذر على الفقراء ومتوسطي الحال الحصول على تلك المواد وازداد ضيقهم الاقتصادي بتزايد دخول الأعداد الكبيرة من القوات البريطانية والأجنبية التي كانت سبباً رئيسياً في نقص مواد التموين وارتفاع أسعارها.

تم تكليف جميل المدفعي بتأليف وزارة في ٢ حزيران ١٩٤١ – ٢٧ تشرين الأول ١٩٤١، وكان التأليف يسير ضمن تخطيط ورغبة الحكومة البريطانية، أبدت حكومة المدفعي استعدادها لتنفيذ رغبات بريطانيا ومصالحها، وقد شهدت أوضاع التموين في هذه الفترة ارتفاعاً متزايداً في أسعار السكر حيث وصل سعر الكيلو الواحد منه إلى أكثر من دينار، وزاد من هذا الارتفاع الإجراءات التي اتخذتها حكومة جميل المدفعي ضمن معالجتها لمشكلة التموين، حيث قامت بإلغاء القيود الخاصة التي كانت قد فرضتها حكومة الدفاع الوطني على التصرفات بالمخزون من السكر وبيعه بأسعار مناسبة، فكان لهذا الاجراء أثر سلبي في ارتفاع أسعار السكر بشكل فاحش، وإلى فقدانه من الأسواق، ما أدى بالنتيجة إلى المضاربة بأسعاره واحتكاره من قبل اليهود، وشكلت حكومة المدفعي فضلاً عن ذلك لجنة تموين جديدة برئاسة نصرت الفارسي (وزير الاقتصاد) وعضوية كل من أمين العاصمة ومدير الواردات العام ومفتش الكمارك والمكوس العام ومدير المصرف الزراعي والصناعي ومدير الاقتصاد ومدير الميرة والتموين في وزارة الدفاع ورئيس غرفة تجارة بغداد والتاجر عبد الهادي الجلبي، حيث قامت اللجنة بإلغاء القيود الخاصة التي كانت قد فرضتها حكومة الدفاع الوطني على التصرف بالمخزون من السكر وبيعة بأسعار مناسبة.
كما قامت هذه اللجنة بإرجاع الدينار العراقي إلى حظيرة الجنيه الإسترليني التي أدت إلى توقف التحويل الخارجي وإلى شل الحركة التجارية في بغداد.

وعندما كلف نوري السعيد بتأليف حكومته السابعة (٨ تشرين الأول ١٩٤٢ – ٢٥ كانون الأول ١٩٤٣م) اتخذت إجراءات مختلفة للسيطرة على شؤون التموين، لكنها لم تستطع أن تقاوم الغلاء المتحكم في الأسواق وتزايد مشتريات القوات البريطانية من المواد التموينية الضرورية مع استمرار تزايد النقص في المخزون من المواد التموينية، بسبب تزايد صعوبات الشحن في ظل ظروف الحرب، وأصبح الكثير من عوائل الفقراء تبيت (تنام) على الجوع هي وأطفالها، وازدادت نسبة الوفيات نتيجة قلة التغذية ومساوئها، في حين عاش المحتكرون والمتلاعبون بأسعار التموين – وهم عبارة عن عصبة من اليهود يشاركهم لفيف من المتنفذين من الفئة الحاكمة والمتمولة الذين لا يشكون من مصاعب التموين – عيشة رغيدة فكانت الحنطة والرز والسمن وحتى الخضروات والفواكه تنقل إليهم.

ومن الجدير بالذكر ازدياد تذمر الشعب من مزاحمة القوات البريطانية لقوته اليومي، وأصبح شديد الحساسية إزاء المشتريات الفردية المتزايدة للقوات البريطانية والأمريكية والبولندية من المواد الغذائية لا سيما الرز والشعير واللحوم الطازجة.

وعلى ما يبدو إن اليهود عملوا على تفتيت المجتمع العراقي في الجانبين السياسي والاجتماعي فضلاً عن تخريبهم الجانب الاقتصادي، فكان كبار تجارهم يخزنون المواد التموينية وشبابهم يخزنون الأسلحة والمتفجرات في البيوت والمعابد اليهودية بعد انخراطهم بالمنظمات الصهيونية وبمساندة ودعم الإنكليز.

المصادر المعتمدة:

١ – خلدون ناجي معروف، الأقلية اليهودية في العراق ١٩٢١ – ١٩٥٤م، ج١، (بغداد، ١٩٧٥م).

٢ – محمد مهدي كبة، مذكراتي في صميم الاحداث ١٩١٨ – ١٩٥٨م، (بيروت، ١٩٦٥م).

٣ – عامر حسك، احداث البصرة في ثورة مايس ١٩٤١، (بغداد، ب.ت).

٤ – غالب عبد الرزاق، قالت الأيام، ١٩٢٠ – ١٩٥٨، (بغداد، ١٩٦٥م).

٥ – إسماعيل أحمد ياغي، حركة رشيد عالي الكيلاني، (بيروت، ١٩٧٤م).

٦ – فيتريزغروبا، رجال ومراكز قوى في بلاد الشرق، ترجمة فاروق الحريري، (بغداد، ١٩٧٩م).

٧ – محمود الدرة، الحرب العراقية – البريطانية ١٩٤١م، (بيروت، ١٩٦٩م).

٨ – علي محمود الشيخ علي، مذكرات وتعليقات، ج١، (بغداد، ١٩٦٦م).

٩ – جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق ١٩٤١ – ١٩٥٨م.

١٠ – عبد ارزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج٦، ط٧، (بغداد، ١٩٨٨م).

١١ – عبد الرزاق الحسني، الاسرار الخفية في حركة السنة١٩٤١م التحررية (صيدا، ١٩٤١م).

١٢ – صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة في العراق، (دمشق، ١٩٥٦).

مقال خاص براسام