طائفية حكومة الكاظمي: أستحقاق الحراك وليس خياره:
إن انسداد الافق السياسي، وفساد النظام السياسي، بسبب بنية النظام السياسي، جعل العراق يعاني من فوضى سياسية، وأمنية، واقتصادية، واجتماعية، وصحية كبيرة، الأمر الذي جعل من تشكيل حكومة بديلة لحكومة “عبد المهدي” الذي قدم استقالته في30تشرين الثاني/نوفمبر عام2019مهمة صعبة وعسيرة ومعقدة، لدخول العراق في فراغ دستوري، ثم جاء تنحي “توفيق علاوي” عن تشكيل الوزارة ليزيد الوضع سواءً، بعد إن فشل في نيل ثقة البرلمان، بسبب كثرة الخلافات بين الكتل السياسية، وخاصة الشيعية التي بدأت تتصارع على المصالح، والنفوذ، والتمثيل الوزاري في هذه الحكومة، بسبب التمسك بالمحاصصة الطائفية، وبسبب كثرة التدخلات الخارجية، خاصة بعد الزيارات التي قام بها “أسماعيل قاآني قائد فيلق القدس الجديد” ولقائه مع القادة السياسيين وقادة الميليشيات بعد أن أخفقت الاحزاب الشيعية في التوافق على مرشح جديد ضمن المهلة الدستورية، لذلك مما جعل الرئيس “برهم صالح” يعلن تكليف محافظ النجف السابق “عدنان الزرفي” بتشكيل الحكومة مما زاد الوضع تعقيداً بسبب الرفض الشيعي لتكليفه.
لقد أجبر “الزرفي” على التنازل عن تشكيل الحكومة، بسبب انقسام الشارع الشيعي، وضغط الميليشيات تابعة لإيران، حيث أصدرت ثمانية ميليشيات مسلحة بياناً رفضت فيه هذا التكليف، وهددت بتصعيد العمل المسلح ضد القوات الامريكية، ووصفت تكليفه بالمؤامرة الأمريكية، ونعتته “بالعميل “كما هددت ميليشيا “العصائب” بزعامة “قيس الخزعلي” بأن “تقلب عاليها سافلها” ، وإن تكليفه “يعرض السلم الأهلي للخطر ،ولا يمكن أن يسمح بتمريره”، كما تم تهديد الكتل السياسية التي ستصوت لحكومة الزرفي، حيث رفضت خمسة كتل شيعية هذا التكليف منها: تحالف الفتح، وائتلاف دولة القانون، وكتلة العقد الوطني، وكتلة النهج الوطني، معتبرين ذلك مخالف للدستور العراقي، في محاولة لإبقاء “عادل عبد المهدي” حيث فرضت الميليشيات ارادتها السياسية بقوة السلاح، وهنا نسأل أين الديمقراطية الامريكية؟، لماذا صمتت الدولة على هذه الميليشيات وهذه التهديدات؟، أنها طائفية النظام السياسي الحاكم، ورأينا كيف تعاملت الحكومة مع استفتاء كردستان واستخدام القوة في ذلك، ولكنها تصمت عن هذه الميليشيات التي تعمل خارج ارادة الدولة كونها شيعية.
وهنا لابد لنا أن نبين بأن الموقف الكردي الثابت من تشكيل الحكومة هو أنهم سيكونون مع من يعطي ويقدم أمتيازات أكثر، أو هم مع من يعيد الامتيازات التي فقتدها كردستان بعد الاستفتاء، أما السنة فقد فقدوا القدرة على التأثير، وأصبحوا تابعين للأجندة الخارجية الامريكية والإيرانية، الأمر الذي جعل الخيارات تنحصر وتتجه نحو التوافق على تسمية مدير المخابرات “مصطفى الكاظمي” رئيساً للوزراء، رغم أتهامه من قبل ميليشيات “حزب الله العراق” بأشتراكه وتورطه في مقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس “، ولكنها وافقت عليه بسبب الضغوطات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والصحية، بعد تفشى فيروس “كورونا” وتحول العراق الى بؤرة لهذا الفيروس الخطير، مع انهيار كامل للنظام الصحي، هذا أذا كان هناك نظام صحي، مع قلة الموارد، وتراجع أسعار النفط في الاسواق العالمية، علماً إن جميع المرشحين مرفوضين من الحراك الشعبي، لأنهم جزء من النظام السياسي الفاسد ومشروع الاحتلال.
من كان يعتقد بأن مجيء “الكاظمي” كرئيس وزراء قد يغير من المشهد العراقي شيء فهو واهم، لأنه محكوم بنظام سياسي فاشل، مبني على المحاصصة الطائفية، والتوافقات السياسية، كما إن حكومة “الكاظمي” لن تخرج عن السياقات المتبعة في تشكيل الحكومات السابقة، أي توافق إيراني-أمريكي، والغريب هو موافقة الميليشيات على تمرير حكومته بعد أن أتهمته بالعميل الأمريكي، والتورط بقتل “سليماني” و”المهندس”، كما أننا لن نعقل بأن إيران والميليشيات وافقت على تشكيل حكومة معادية لها، وستعمل على تقليص وقصقصت نفوذها في العراق، وستعمل على حصر السلاح بيد الدولة، وفرض القانون وهيبة الدولة، التي طالما نادى وتغنى بها “الكاظمي”، وهنا أود الاشارة الى تفاهمات وتوافقات الامريكية- الايرانية في ذلك الأمر ، الذي جعل الجميع يوافق على تمرير حكومة الكاظمي، ومن يراقب المعوقات أمام تشكيل حكومة الكاظمي سيجدها قليلة ولا تكاد تذكر، ولا يوجد تهديد باستخدام السلاح ضدها، كما إن تم تمرير الكابينة الوزارية جاء بكل سلاسة، عدا سبعة وزارات هي الخارجية، والنفط، والهجرة والمهجرين، والثقافة، والنقل، والعدل، والتجارة، حيث تم تمريرهما فيما بعد، ضمن وقت قياسي وهذا غير مسبوق في العراق.
لقد أطلاق الكاظمي الكثير من الوعود، التي يمكن أن نقول عنها هي مطاليب وطنية لاستعادة الدولة من العصابات التي سيطرت عليها، وبنفس الوقت هي لامتصاص غضب الشارع المنتفض، ولكن الواقع يقول بأن نتائج هذه الإجراءات كانت طائفية بامتياز، فمن الوعود التي اطلاقها حصر السلاح المنفلت بيد الدولة ، وتقديم قتلة المتظاهرين للمحاكم، وفرض القانون وهيبة الدولة، وإيقاف إطلاق صواريخ الكاتيوشا ضد القوات الامريكية وسفارتها في بغداد، ومحاربة الفساد والمفسدين وتقديمهم للعدالة، وإن يكون العراق بلد ذو سيادة، ولكنه لم يفي بهذه الوعود، بل إن الكثير من الإجراءات كانت تداعياتها سلبية و واضحة على المشهد العراقي، فمثلا قيامه بأغلاق مقر ميليشيا “ثأر الله” في البصرة، والتي شكلت خطوة جيدة لولا أنه تراجع عنها بعد أن قامت الميليشيات بفتح المقر عنوة وبقوة السلاح وبدون موافقة الحكومة.
بتاريخ18أيار/مايو عام2020 تم اقتحام قناة(mbc)عراق في وسط بغداد، بعد عرضها لبرنامج يتحدث عن تفجير السفارة العراقية في لبنان، واتهام أحد قادة الميليشيات بالتفجير، مما أدى الى اقتحام مبنى القناة من قبل محتجون غاضبون كما جاء في بيان وزارة الداخلية العراقية، وهنا نقول بأن من قام بالاقتحام هو تابعين للحشد الشعبي، لذا لا تحاولوا اللعب بالمسميات لإخفاء الحقائق، وهنا نسأل أين القانون وهيبة الدولة؟، وأين شعارات حصر السلاح بيد الدولة؟، وأين العمل على انهاء الميليشيات التي تعمل خارج اطار الحكومة، ومتى ستقدم الحكومة قتلة المتظاهرين للعدالة؟، وهنا نذكر بجلسة البرلمان العراقي في أذار/مارس عام2011، عندما طالب الجعفري بتعليق جلسة البرلمان على خلفية الأحداث في البحرين، ودخول قوات عسكرية لقمع المتظاهرين بالقوة، وطالب الحكومة بإعلان الحداد لمدة ثلاثة أيام على سفك الدماء، ولكننا لم نسمع له صوته عندما قتلت الميليشيات أبناء المكون السني والشيعي! المنتفضين على السياسات الطائفية للأحزاب والميليشيات الحاكمة.
إن طائفية حكومة الكاظمي كانت واضحة بالتعامل مع خلية “البوعيثة” بمنطقة “الدورة”، عندما اعتقلت قوات من جهاز مكافحة الارهاب مجموعة مسلحة تعود للميليشيات المسلحة مؤلفة من(14)، شخص من بينهم ايراني الجنسية، مع مصادرة ثلاثة منصات لأطلاق الصواريخ “الكاتيوشا، كانت معدة للإطلاق على أهداف أجنبية وعراقية، مع اسلحة خفيفة كاتمة للصوت، وأجهزة اتصال، وأجهزة ملاحة، مما دفع الميليشيات المسلحة الى القيام بردة فعل قوية، حيث تحركت بعجلات حكومية ونزلت الى الشارع بدون موافقات رسمية، لتطويق مقرات حكومية تابعة لجهاز مكافحة الارهاب في “الجادرية” و”المنطقة الخضراء” مهددين باقتحامها، مالم يتم اطلاق سراحهم، واصفين هذه العملية بعربون عمالة يقدمه الكاظمي الى واشنطن، مما خلق حالة من الفوضى في المشهد العراقي، مما يؤكد زيف الادعاء بأن ميليشيات الحشد الشعبي هي جزء من القوات المسلحة، حيث اضطرت الحكومة الى التراجع وتحويل ملفهم للقضاء ليتم اطلاق سراحهم بعد ذلك، علماً بأن من يريد حصر السلاح واستعادة سيادة الدولة كان يجب عليه أن يحاسب الجهات التي تقف خلف هذه المجموعة المسلحة .
يبدو بأن القضاء الحكومي غير مقتنع بالأدلة التي تم تقديمها، أو أنها لم تكن كافية لإدانة المجموعة المسلحة التابعة “لكتائب حزب الله”، أو التابعة لإيران، فقواعد الاطلاق، والصواريخ، والبطاريات، والاسلحة الكاتمة، وأجهزة الملاحة، ووجود شخص ايراني غير كافي للإدانة، كما إن تبعيتهم وارتباطاتهم الخارجية بإيران، جميعها لا تدينهم حسب القضاء العراقي، كما إن استعراضهم بالأسلحة، ومحاصرة مقرات ودوائر حكومية، مدنية، وعسكرية، واطلاق التهديدات لا تدينهم أيضاً، كما أنه لا تمثل الاعتداء على سيادة الدولة في حكومة الكاظمي، وجميع هذه التجاوزات لا تعتبر أدلة تدين هذه المجموعة، ومسألة فيها نظر في القضاء العراقي النزيه، لذا فحكومة الكاظمي بدأت تفهم، كما فهم القضاء العراقي بأن ميليشيا “كتائب حزب الله العراق” خارج القانون العراقي وفوق الدولة، ولو كانت هذه المجموعة سنية لتم اعدامهم في موقع الاطلاق، وطبقت عليهم المادة(4)،إرهاب، فهل هناك طائفية أكثر من هذه؟ و هل هناك تسيس القضاء أكثر من ذلك؟.

