الباحث: حسين صالح السبعاوي

من المعلوم أن من أهم أهداف العملية الانتخابية في أي نظام برلماني هو تشكيل حكومة جديدة وفق نتائج الانتخابات وعادة ما تكون الحكومة مختلفة عن سابقتها سواء في النهج أو الأداء إلا في العراق فإن الأمر مختلف تماما، فالحكومة لا تشكل على ضوء نتائج الانتخابات ولا قيمة للكتلة الفائزة فيها، فالانتخابات في واد وتشكيل الحكومة في واد آخر، وإن مجلس النواب هو الحلقة الأضعف في تشكيل الحكومة إذا ما قورنت بالعوامل المؤثرة الأخرى، بمعنى لا أغلبية سياسية حاكمة ولا أقلية سياسية معارضة، والمعمول به في العراق هو تشكيل (أغلبية) طائفية تحكم باسم الطائفة وتقصي كل من يخالفها في الدين والمذهب، وليس لها علاقة بالسياسة والحقوق والمواطنة، ولا محل لأي طرف معارض للحكومة داخل مجلس النواب، علما أن غياب المعارضة البرلمانية يؤدي إلى فقدان الرقابة على الأداء الحكومي كما لن تمرر أي تشريعات قانونية تخدم المواطن، وبهذا يفقد مجلس النواب قيمته الحقيقية الذي تشكل من أجلها وهي إصدار التشريعات القانونية والرقابة على الحكومة.

إن تشكيل (حكومة) في العراق بعد عام 2003 مبني على مجموعة عوامل تصب في مصلحة طرف دون، ومن أبرز هذه العوامل:
١- المحاصصة الطائفية : إن المحاصصة السياسية هي غير المحاصصة الطائفية، لأن الأولى هي استحقاق انتخابي والثانية استحقاق طائفي، وعادة ما تكون الثانية على حساب الكفاءة والمهنية بينما الأولى هي تعكس نتائج الانتخابات ومطالب الناخبين، ولهذا لو فرضنا أن أحد المكونات لم يشارك في الانتخابات مطلقا فإنه سوف يأخذ ما خصص له في الحكومة من وزارات ومناصب سيادية، لكن في العراق المكون الشيعي هو المهيمن على بقية المكونات وهو من يختار ممثليهم في الحكومة ولا يمكن أن يختار أحدا إلا أن يكون خادما لمشروعهم الطائفي، وهذا الذي رأيناه عبر السنوات الماضية من العملية السياسية في العراق.
٢- العامل الخارجي : رغم إجراء الانتخابات البرلمانية ورغم وجود كتلة أو حزب فائز إلا أن تشكيل الحكومة في العراق لا يعكس نتائج الانتخابات بسبب العامل الخارجي المهيمن على العراق وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فلا يمكن تشكيل حكومة أو اختيار رئيسا للوزراء ما لم توافق عليه أمريكا وإيران، وهذا الذي حصل في ثلاثة انتخابات أجريت في العراق منذ ٢٠١٠ عندما فازت القائمة العراقية بزعامة أياد علاوي ولم يسمح لها بتشكيل الحكومة ثم في ٢٠١٤ عندما فاز المالكي وفي ٢٠١٨ عندما فازت قائمة سائرون لم يستطع أحد من الفائزين تشكيل حكومة بسبب عدم التوافق الأمريكي والإيراني على شخصية رئيس الوزراء، وكذلك سيكون تشكيل الحكومة المقبلة كما تشكلت الحكومات السابقة .
٣- تشكيل حكومة لكل الفائزين : في العراق يعتبر تشكيل الحكومة هو الكعكة الكبيرة للأحزاب والكتل السياسية ولا يهمهم من المشاركة في الانتخابات إلا الوصول لمجلس النواب ومن ثم الحصول على حصة في تشكيل الحكومة بغض النظر عن من هو رئيس الوزراء وما هو برنامج حكومته، فتجد من يدعي أنه إسلامي مثلا يشترك في حكومة رئيس وزرائها شيوعي وبرنامج حكومته وفق نظرية ماركس أو أي نظرية شيوعية، وتجد الشيوعي يشارك في أي حكومة حتى لو كان رئيس وزرائها طائفي وبرنامج حكومته طائفي مقيت، لذلك تجد الكابينة الوزارية خليط من المتناقضين والمتقاطعين فكريا وسلوكيا، لكنهم متفقون جميعا على الفساد، وهذا هو القاسم الوحيد المشترك بينهم.
٤- العامل الديني : رغم أن النظام في العراق هو نظام برلماني إلا أنه في حقيقة الأمر هو نظام طائفي ديني ثيوقراطي، وعندما تضع المرجعية الشيعية خطاً احمراً على أي شخصية ولا تسمح لها بتولي منصب حكومي وخاصة منصب رئاسة الوزراء فلا يمكن لتلك الشخصية أن تتولى المنصب حتى لو حصلت على جميع أصوات الناخبين وحققت فوزا ساحقا وأصبحت تمثل الأغلبية البرلمانية، فالعامل الديني هو أحد العوامل الرئيسية في تشكيل الحكومة بغض النظر عمن هو الفائز ومن هو الخاسر، وقد لاحظنا ذلك في تشكيل الحكومات السابقة، وهذه حقيقة لا ينكرها عاقل وصاحب بصيرة في الشأن العراقي .
وهناك عوامل جانبية أخرى في تشكيل الحكومة مثل عامل القوة، لأنه هناك أحزاب لها أذرع مسلحة تستخدمها في حال لم تحصل على وزارة، كذلك الصفقات السياسية وبيع وشراء الوزارات بين المرشحين للحكومة وبين رؤساء أحزابهم وكتلهم السياسية، فلا يمكن أن يكون وزيرا في الحكومة ما لم يحصل رئيس الكتلة على حصة من ميزانية الوزارة، إذاً الفساد هو الركن الخامس في تشكيل الحكومة والتي سوف يدفع ثمنه الشعب العراقي من موارده العامة.
إذا كانت هذه العوامل الأربعة أعلاه هي عوامل رئيسية في تشكيل الحكومة فهل يلام المواطن العراقي إذا قاطع الانتخابات وجلس في بيته؟ لاسيما أن تشكيل الحكومة هو الركن الأساس من إجراء الانتخابات – كما قلنا – والذي من خلاله يخرج الناخب العراقي إلى الانتخابات متأملا أن تأتي حكومة جديدة لتقدم له الخدمات والوظائف وتهتم بالأمن والإقتصاد الذي هو على تماس مباشر مع هذه المطالب.
إن العملية السياسية في العراق والانتخابية منها لا يمكن أن تحقق مطالب الشعب الذي يصبو إليها بل هي عملية إستنساخ لما قبلها من حكومات، وبهذا يبقى المواطن العراقي في دوامة، كلما جاءت حكومة إن لم تكن أسوء ممن قبلها ستكون كسابقتها.
إن العلاج الحقيقي للشعب العراقي هو الشروع في عملية سياسية جديدة يتنافس فيها عدد محدود من الأحزاب الوطنية لا مئات الأحزاب التي أغلبها ذات بعد طائفي وعرقي وقبلي، ولا يعرف المواطن ما هي مشاريعها ولا يعرف من أين تمول ولمن ولائها السياسي، ولكن عندما تكون الأحزاب وطنية وبعدد محدود ومشاريعهم تصب في خدمة المواطن والحفاظ على سيادة البلد آنذاك سوف تكون المشاركة واسعة في الانتخابات ويعرف المواطن من ينتخب، ثم يعرف ما بعد الانتخابات من سيشكل الحكومة ومن سيكون في المعارضة، وسوف تعرف الأحزاب بأن الشعب هو صاحب التفويض الحقيقي لها وإنها إن لم تكن أمينة على التفويض وبمستوى المسؤولية سوف يعاقبها الشعب ويسحب التفويض منها في أقرب انتخابات قادمة.

مقال خاص براسام