المقدمة:
يبدو بأن إرتباك الوضع السياسي في العراق ألقى بظلاله على الوضع الأمني الداخلي بشكل مباشر بعد الأنتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر الماضي، خصوصاً بعد أن أظهرت النتائج الأولية لهذه الأنتخابات فوز الكتلة الصدرية بـ(73)مقعد من مجموع(329)مقعد، كما أدت هذه الأنتخابات الى خسارة كبيرة للقوى والميليشيات التابعة لإيران والتي ترفض هذه النتائج وتطالب بأعادة العد والفرز لجميع المراكز الأنتخابية، ودفعت أتباعها للاعتصام بالقرب من المنطقة الخضراء بل وهددت بأقتحامها، كما طالبت بأعادة الانتخابات، وتقديم رئيس وأعضاء مفوضية الانتخابات للمحاكمة بسبب المخالفات القانونية التي أرتكبوها، كما طعنوا ببعثة الأمم المتحدة “ينامي” وأتهموها بالتدخل لتغير نتائج الأنتخابات لحساب أطراف محلية، وصعدوا عسكرياً بدعوة مقاتلي الحشد الشعبي الى الألتحاق بمعسكراتهم، وجميع هذه التطورات تعطي دلالة واضحة على ضعف الحكومة، وعدم قدرتها على تنفيذ القانون على الجميع، بل توحي بوجود دولة موازية هي من تتحكم بالوضع الداخلي العراقي، خصوصاً وإن هذه الإجراءات التي دعت اليها قوى الإطار التنسيقي هي مخالفة للدستور، والقانون الانتخابي، الأمر الذي أنعكس على تدهور الوضع الأمني في العراق، بعد أن حولت الميليشيات نشاطها ومعركتها الى مدينة المقدادية في محافظة ديالى، حيث أثار الهجوم الذي شنته الميليشيات المسلحة على قرية نهر الأمام حالة من التوتر والأحتقان.

ملخص عن الحادث:
لقد أدت التجاذبات السياسية بعد ظهور النتائج الأولوية للانتخابات البرلمانية الى تدهور الوضع الأمني في العراق وخاصة في مدينة بغداد، ومحافظة ديالى التي كلما خبت فيها الفتنة الطائفية حتى عادت لتتجدد مرة أخرى على يد الميليشيات، وهاهي تطل علينا بمجزرة كبيرة راح ضحيتها الكثير من الأبرياء من أهالي منطقة المقدادية، حيث تعرضت قرية “الهواشة” التابعة لمدينة “الرشاد” الى عملية خطف لثلاثة أشخاص من القرية التي تسكنها عشيرة “بني تميم”، من قبل تنظيم الدولة الذي طالب ذوي المخطوفين بفدية لأطلاق سراحهم، وحدد لهم التنظيم المكان الذي يجري فيه التسليم، وفي ليلة26تشرين الأول/أكتوبر الماضي وأثناء ذهاب ذوي المخطوفين لتسلم أبنائهم نصب لهم التنظيم كميناً محكماً وفتح النار عليهم مما أدى الى مقتل عدد من الأهالي، وبعد سماع القرية لصوت الرصاص توجه الكثير من الأهالي الى ذلك المكان مما جعلهم يتعرضون أيضاً الى نيران مباشرة أدت الى مقتل عدد أخر منهم، مما دفع الميليشيات المسلحة الطائفية من قرية الهواشة الى القيام بهجمات طائفية أنتقامية طالت العديد من القرى السنية في المنطقة، وقد تركز هجومهم العنيف على قرية “نهر الأمام” وقرية “العامرية” و”الميثاق الأولى” و”الميثاق الثانية” وقرية “أل عمرية” وبعض قرى “شهربان” حيث بلغ عدد العوائل المهجرة من هذه المناطق الى أكثر من (349)عائلة، حيث شهدت هذه القرى موجات نزوح جماعية للأهالي بعد أن تعرضت قراهم الى عمليات حرق وتخريب للكثير من المنازل، والبساتين، والمؤسسات التعليمية، والخدمية، بل وصلت الى الاستيلاء على أغنامهم وممتلكاتهم، بحيث لم يتمكن المهجرين حتى من إخراج مستمسكاتهم، بل وصلت عمليات الحرق الى جامع القرية، وجميع هذه الأعمال تجري على مرأى ومسمع القوات الأمنية التي تواجدت بشكل كثيف، ولكنها لم تتدخل لتمنع أو توقف هذه الهجمات، بل تدخلت وساهمت بنقل الأهالي الى خارج المنطقة حسب رواية الأهالي، بعد أن أبلغوهم بعدم قدرتهم على تأمين الحماية لهم، الأمر الذي يثير الكثير من علامات الاستفهام حول الحادث.

التحليل:
إن هذه المسرحية التي تم تنفيذها في مدينة المقدادية في محافظة ديالى من قبل الميليشيات التابعة لإيران هي جزء من مخطط التطهير العرقي والتغير الديمغرافي الذي بدأ في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام2003، ولا زال مستمراً الى يومنا هذا بتخطيط وأشرف إيراني مباشر، حيث نفذت الميليشيات المسلحة التابعة لإيران الكثير من تفاصيل هذا المخطط الطائفي الذي أستهدف مناطق سنية محددة بعينها، وخاصة المناطق التي تسمى الحزام الذي يحيط بمدينة بغداد، كما أستهدف مخطط التغير الديمغرافي بعض المناطق المختلطة في ديالى، وكركوك، والموصل، والانبار، وصلاح الدين، والتي أصبحت تحت رحمة الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون والتي تعمل بغطاء سياسي وأمني وقانوني من حكومة المنطقة الخضراء وخاصة بعد عام2014، وما يجري في مدينة “المقدادية” من تهجير وقتل وتخريب هو استنساخ لتجربة “جرف الصخر” و”العوجة” و”عزيز بلد” ويثرب” وغيرها من المناطق الأخرى التي منع الأهالي من العودة أليها.
لقد تعرضت الكثير من المناطق السنية الى محاولات وضغوطات كبيرة للغير الديمغرافي شملت التهديد، والأعتقال، والقتل أحياناً، وعرض مبالغ خيالية لغرض البيع، وخاصة مناطق “جرف الصخر” و”الطارمية” و”سامراء” هذا بالإضافة الى ما قامت به حكومة الكاظمي من عمليات تغير ديمغرافي للاستيلاء على الكثير من الأراضي بحجة الأستثمار والبناء، خصوصاً بعد طرحت مشروع “الرفيل” لبناء العاصمة الإدارية الجديدة في المنطقة المحيطة بمطار بغداد الدولي(الرضوانية)بمساحة تقدر(106)ألف دونم، علماً بأن هذه المنطقة تقطنها عشائر سنية منذ مئات السنيين، كما إن هناك جدل حول المدينة الرياضية المزمع أنشائها في مدينة اليوسفية أو في البسماية، بالإضافة الى الجدل الحاصل حول مدينة النخيب وسيطرة الميليشيات عليها وضمها الى قيادة عمليات كربلاء بينما هي ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الأنبار، هذا بالإضافة الى إشكالية أستيلاء الأكراد على مناطق كثيرة في محافظة ديالى، والمناطق المحيطة بمدينة كركوك، ومناطق سهل نينوى، وهذا يعني تهجير العشائر السنية التي تقطن هذه المناطق، علماً بأن الكثير منها منع من العودة الى مناطقهم، مما يجعلنا نقول بأن هناك مخطط يستهدف أهل السنة في العراق من خلال الميليشيات المسلحة واستخدام القوة لأجراء ذلك، ومن خلال أستخدام السلطة والقانون لتنفيذ هذا المخطط.
قبل أن أخوض في تفاصيل التحليل الأمني والعسكري أقول من هو المسؤول عن الأمن وفرض القانون في منطقة المقدادية والقرى الأخرى؟، هل المدنيين والعشائر مسؤولة عن الأمن أم القوات الأمنية والعسكرية الماسكة للقاطع؟، الجواب: لا، المسؤول عن الأمن في هذه المدينة هي القوات الأمنية والعسكرية في المدينة، وهنا نقول لماذا يحمل المدنيين مسؤولية الخرق الأمني الذي يجري في هذه المناطق؟، ولماذا لا يحاسب القادة الأمنيين والعسكريين والقوات الأمنية على هذه الخروقات المتكررة؟، أم أنها فوق القانون والمحاسبة؟، كما أني أسال ألم تخضع جميع هذه العشائر السنية الى التدقيق الأمني من قبل الأجهزة الأمنية الموجودة في المحافظة بما فيها الأجهزة الأمنية التابعة للميليشيات قبل الموافقة على رجوعهم الى مناطقهم؟، الجواب نعم، أذن لماذا هذه الاتهامات بالإرهاب والتعاون مع تنظيم الدولة لهذه المناطق؟، وأين كنتم عن هذا التعاون قبل هذه الحادثة؟، ولماذا لم تتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعه ومحاسبة المتورطين؟،ولماذا هذا التنصل من المسؤولية بإلقاء التهم على الأخرين؟.
الأمر الأخر أننا نسأل ألم تكن هناك سيطرات أمنية تحيط بهذه المناطق؟، الجواب نعم، طيب أين كانت هذه السيطرات عن دخول التنظيم؟، وما هو واجبهم في ذلك؟، وكيف دخل تنظيم الدولة الى هذه المناطق ونفذ الكمين وأستخدم الهاونات وقطع الرؤوس وخرج دون أن يعترض طريقه أحد؟، أين الاستخبارات؟، أين الطائرات المسيرة؟، يضاف الى ذلك ألم تكن هناك كاميرات موجودة وموزعة في مداخل ومخارج المدن والقرى والسيطرات لتصوير الداخل والخارج منها؟، الجواب نعم، أذن لماذا تعطلت وأطفأت الكاميرات في يوم تنفيذ الحادث ومن يقف وراء ذلك؟، أم إن الأمر أكبر من ذلك!، وهو إن الأجهزة والقيادات الأمنية متواطئة مع القتلة والمجرمين في هذه الميليشيات لتنفيذ هذا المخطط الذي يهدف الى تهجير هذه العشائر وأخلاء هذه المنطقة من المكون السني، والدليل على ذلك الصمت الحكومي والإجراءات الهزيلة التي قامت بها حكومة تصريف الأعمال لتدارك الموقف، وكأنها تبحث عن جهة ضعيفة غير قادرة على الدفاع عن نفسها لتكون هي الضحية وتتحمل تبعات هذه الجرائم والخروقات!، علماً بأن اللواء(24)حشد شعبي التابع لميليشيا بدر هو المسؤول عن هذه المنطقة وهو من يتحمل الخرق الأمني هناك.