الحكومة تتهرب من مسؤولياتها تجاه الشباب بتشريع قانون الخدمة:
إن طرح قانون الخدمة الإلزامية يأتي في ظروف اقتصادية صعبة يمر بها العراق نتيجة انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، و”جائحة كوفيد19″، مما يعني أننا أمام استهلاك مالي واقتصادي غير مبرر في هذا الظرف العصيب، كونه يأتي في ظل ظروف ومشاكل وتحديات مالية متعسرة وصلت الى عدم قدرة الحكومة على تأمين الرواتب الشهرية لموظفي الدولة، وهذا يجعلنا نقول بأن الحكومة تحاول التهرب من مسؤوليتها تجاه شعبها الذي يعاني من نقص الخدمات على كافة المستويات(ماء- كهرباء- صحة-تعليم)، كما إنها تتهرب من مسؤوليتها تجاه شبابها العاطل الذي يبحث عن فرصة عمل، والذي خرج منتفضاً للمطالبة بحقوقه المسلوبة.
إن طرح هذا القانون في هذا التوقيت هو لأن الطبقة السياسية الحاكمة ترى بأن الشباب أصبح يشكل خطراً عليها وهو خارج السيطرة الحكومية والميليشياوية، بعد أن فشلوا في ترويضيه والسيطرة عليه في المظاهرات التي انطلقت منذ تشرين عام2019، رغم التنكيل، والقتل، والاغتيالات، والاعتقالات، التي مورست عليه، علماً إن تنفيذ هذا القانون يتطلب من الحكومة توفير موارد مالية كبيرة لتغطية التدريب، والتسليح، والتجهيز، والرواتب، ومستلزمات بناء البنى التحتية، واللوجستية اللازمة لبناء وأنشاء مراكز التدريب، ومعسكرات الإيواء، وبناء دوائر للتجنيد في كل محافظة وقضاء، وتهيئة الملابس، والتجهيزات، والارزاق اللازمة لذلك، وتشير التسريبات بأن وزارة المالية ووزارة الدفاع قد خصصت مبالغ مالية تقدر بـ(150)مليار دينار عراقي تكفي لمصاريف(10)ألف شباب يشملهم هذا القانون في تناقض وتخبط واضح في السياسية الاقتصادية للحكومة.
تحديات ومعوقات تشريع قانون خدمة العلم:
إن هذا القانون الذي أثار جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي في تقديري سيواجه برفض شعبي كبير، كما أنه سيرحل الى الحكومة والبرلمان القادم، كما إن تشريع هذا القانون سيواجه بالكثير من التعقيدات والمعوقات والتحديات ولن يقر بسهولة، خصوصاً في ظل وجود الأحزاب الطائفية المتسلطة مالم يصب القانون في مصالحها ويزيد من سطوتها وسيطرتها على الواقع العراقي الذي باتت تحكمه مراكز قوى متعددة تمتلك السلاح والقوة والمال، يضاف الى ذلك نقول هل تستطيع الحكومة ألزام الشباب بالالتحاق الى الخدمة العسكرية؟، في ظل انهيار الوضع الصحي، وتسيس القضاء، وعدم احترام القانون؟، وهل سيطبق القانون على جميع العراقيين دون تمييز؟، خصوصاً وإن الحكومة ضعيفة وغير قادرة على أنفاذ القانون على الجميع، أم أنه سيطبق بصورة عرجاء؟، كما يحصل الأن في تطبيق قوانين الدولة التي تطبق على فئة معينة دون أخرى، خصوصاً مع وجود ميليشيات تعمل خارج القانون والدولة.
الأمر الأخر أننا نسأل هل سيكون هذا القانون الذي سيشرع من قبل البرلمان ملزم لإقليم كردستان باعتباره اتحادياً ويشمل جميع المحافظات العراقية، أم إن الإقليم سيرفض أي قانون يؤثر سلباً على مصالح الإقليم العليا؟، يضاف الى ذلك هل ستوافق الميليشيات الطائفية على تمرير هذا القانون دون أن تفرض شروطها وتستثني مقاتليها من هذا القانون؟، أم إنها ستفرض شروطها بجعل الخدمة ضمن ميليشيات الحشد الشعبي مجزية لهم فيما يخص التجنيد الإلزامي، وهنا أود أن أجيب عن سؤال عن أقزام السنة في العملية السياسية ما هو موقفهم؟، فأقول :هؤلاء لا تهمهم سوى مصالحهم الشخصية والحزبية، أو بالأحرى أنهم لا يعرفون ماذا يعاني منه الشباب في المناطق السنية، كما أنهم تبع لأجندة خارجية، فهم لا يملكون أي مشروع سياسي يخص مناطقهم، وإنما لديهم مشاريع لمصالح شخصية وحزبية، بينما تعتبر الطبقة السياسية الشيعية الحاكمة تمرير هذا القانون فرصة للسيطرة على الشباب المنتفض ضدهم، لذا لا أعرف ما هي المصالح التي ستجنيها حكومة الكاظمي من تمرير هذا القانون في ظل هذا الوضع العراقي المزرى يمر به العراق؟.
يروج بعض السياسيين بأن هذا القانون سوف يحد من نفوذ الميليشيات وينمي سيطرت الدولة، ويعيد التوزان الى مؤسساتها، ويسهم في تماسك أبناء البلد، وهنا نسأل كيف يكون ذاك؟، والدولة تمتلك مليون منصف منتسب بين ضابط وجندي وهي غير قادرة على مواجهة الميليشيات التابعة لإيران، وكيف سيعيد الجندي المكلف بالخدمة الالزامية التوازن في دوائر الدولة؟، ولماذا لا يعاد التوزان في جميع دوائر الدولة الأخرى؟، لماذا الإصرار على إعادة التوزان في هذه الجزئية فقط، فهل هي انتقائية أم ماذا؟، وماذا سيضيف الجندي المكلف لمواجهة هذه الميليشيات؟، بالوقت الذي تخشى فيه القوات الأمنية والعسكرية من التصادم ومواجهة الحشد الولائي، وما جرى في محافظة الانبار من تهديد لنائب قائد عمليات الانبار من قبل ميليشيات الحشد الشعبي على أثر محاولة رفع صور الهالك سليماني وأبو مهدي المهندس من مدخل المحافظة، وهو دليل واضح على تغول وهيمنة الميليشيات على الوضع العراقي.
إن الكاظمي يريد أن يقول ويروج بأن العراق ستحل جميع مشاكله الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بإقرار هذا القانون، وهو يعلم بأن المؤسسة العسكرية والأمنية الحالية غير حيادية، وفي ترويجه لهذا القانون هو تسفيه واضح لحقيقة الوضع العراقي على جميع المستويات، خاصة وإن العملية السياسية لا يزال يحكمها مبدأ المحاصصة الطائفية الذي جاء به الاحتلال وباركته الطبقة السياسية الحاكمة التي جاءت معه والتي ينتمي اليها الكاظمي، الذي يعرف قبل غيره بأن الطائفية والميليشيات قد أخذت مأخذها في جميع مؤسسات الدولة العراقية حتى أصبحت هذه الوزارة لهذا الحزب، وتلك الوزارة لذاك الحزب، في تقاسم واضح للسلطة ولثروات البلد، ثم يأتي ليتكلم لنا الكاظمي عن تكريس القيم الوطنية من خلال هذا القانون، لذا نقول بأن العدالة والمساوة، وتوفير الخدمات، وتوفير فرص العمل، والموازنة بين الحقوق والواجبات، وحصر السلاح بيد الدولة، وأنهاء التميز العرقي والطائفي هي التي تحقق الوطنية وتزيد من تماسك أبناء البلد، وليس تشريع هذا القانون.
الوطنية لا تكرس بتشريع قانون الخدمة الإلزامي :
إن الذي يكرس الوطنية يا رئيس الوزراء ليس تشريع قانون الخدمة الإلزامية الذي جاء تحت تسمية خدمة العلم والذي سيشكل كابوساً مرعباً للشباب، وإنما يأتي من خلال استعادة السيادة، وفرض هيبة الدولة، وأنهاء المحاصصة الطائفية، وإزالة الفوارق الطبقية، وتطبيق العدالة، وسيادة القانون وتطبقه على الجميع، ومنع التدخلات الخارجية، وإخراج الجماعات المسلحة، والجيوش الأجنبية وخاصة الأمريكية والإيرانية من العراق، وإن لا يتحول رئيس الوزراء كساعي لنقل البريد بين واشنطن وطهران، كما إن الوطنية تأتي من خلال حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح الميليشيات المسلحة، ومنعها من ممارسة القتل، والاغتيال، والعمل خارج نطاق الدولة، وتنفيذ مطالب المتظاهرين، وخروج الميليشيات من المناطق السنية التي تسيطر عليها وترفض الخروج منها، وفتح تحقيق شامل حول ملف المغيبين، وتقديم قتلة المتظاهرين للعدالة، وفتح ملف الفساد المالي والإداري، وملف سقوط مدينة الموصل، وتوفير فرص عمل للشباب، والتسامح، وتحيقي التنمية، ونبذ التعصب، وتوفير الخدمات، والحياة الحرة الكريمة للشعب العراقي، وفرض الأمن والاستقرار، واجراء انتخابات نزيهة، والتداول السلمي للسلطة، وأنهاء التبعية، والولاء للخارج، واعتبار أي علاقات يترتب عليها تنفيذ أجندة خارجية هو عمالة وجاسوسية يعاقب عليها القانون، لا أن يتبجح الكثير من القيادات السياسية والمسلحة بتبعيتهم الى ايران، وسط صمت مطبق للسلطة التشريعية، والقضائية ، والتنفيذية، ثم بعد ذلك يحق لك الكلام عن الوطنية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه يا كاظمي.
الخاتمة:
ختاما نقول: بأننا نحن نؤيد تشريع هذا القانون الذي يعتبر واجب ديني ووطني، كونه يعمل على صقل الشباب وتهذيب شخصيتهم ومنحهم القوة، والصبر، والقدرة على التحمل، والثقة بالنفس، وتهيئتهم للدفاع عن دينهم وأوطانهم، ويبعدهم عن الانحرافات والسلوكيات الغير منضبطة، وقد يدفعهم الى للاهتمام بدراستهم لتفادي مسألة التجنيد القسري، ولكن رغم ذلك فأن المؤسسة العسكرية غير مؤهلة وغير قادرة على تحقيق هذه الأهداف التي تفتقر أليها أساساً، كونها بنيت على أسس خاطئة ويجب العمل على إصلاحها أولاً، كما إن هذا القانون لا يصلح لحكومة المنطقة الخضراء كونها حكومة أحتلال طائفية وليست حكومة وطنية يحكمها أبنائها، ولكي أكون دقيقاً في الوصف أقول: هي حكومة طائفية تسيطر عليها مجموعة من الميليشيات التابعة للخارج، وتحكمها إيران بالتوفق مع الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فأن إعادة الخدمة الإلزامية في ظل هذه الظروف هو لترسيخ لسيطرة وهيمنة الأحزاب الفاسدة والميليشيات الطائفية المسلحة التي تسيطر على الدولة العراقية، كما أننا نعارض هذا التشريع في ظل الاحتلالين الأمريكي والإيراني وأذنابهم الذين يريدون أن يجعلوا من الشباب العراقي محرقة لطموحاتهم السياسية، ومصالحهم الشخصية، وأهوائهم السياسية الطائفية، وأجندتهم الخارجية، لأن الكثير من القيادات السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة تصرح نهاراً جهاراً بأنها تدين بالولاء للولي الفقيه في ايران، أي أننا أمام ولاءات متعددة بارتباطات خارجية، ناهيك عن مراكز القوى المقسمة بين السيستاني، والصدر، والحكيم، والعامري، والمالكي، والحشد الولائي، والكرد رغم الانقسام الداخلي بين السليمانية وأربيل، ولن اتطرق الى السنة لأنهم تابعين وليس شركاء في القرار، وهذا يدفعنا للقول بأن العراق بحاجة الى حل المشاكل الداخلية المعقدة التي يعاني منها الشعب العراقي، علماً بأن سلبيات تشريع هذا القانون على المجتمع العراقي في هذه الظروف تفوق إيجابياته مما يزيد الوضع العراقي سواءً.

