نظير الكندوري

في خضم الدعوات المتصاعدة إلى العصيان المدني في العراق، والتي أطلقتها نخبة من الناشطين والمناضلين العراقيين المعارضين للنظام العراقي الحالي، تتبادر إلى أذهان كثيرٍ من العراقيين التواقين لإحداث تغيير حقيقي في العراق، أسئلة عديدة لفهم ما هو العصيان المدني، وما مدى نجاعته في إزاحة النظام الحالي، والآلية التي يعمل بها. في هذا المقال، سيتم تسليط الضوء على مفهوم العصيان المدني، والإجابة على الأسئلة التي تدور في أذهان البعض حول آلياته وتطبيقاته.

ما أهمية العصيان المدني للحالة العراقية؟
كما يعلم الجميع، إن العصيان المدني هو أحد الأساليب النضالية التي تتخذها الشعوب، حينما تعجز عن إحداث التغيير السياسي المطلوب وفق الآليات الديمقراطية المعروفة، كالمشاركة في الانتخابات أو الخروج للتظاهر، وبالتالي فهو الأسلوب السلمي الأخير الذي تتخذه الشعوب، قبل أن تجنح لفرض التغيير السياسي بالقوة، وهذا يعني أن العصيان المدني هو الضمانة الأخيرة دون انزلاق البلد في أتون حرب أهلية تطحن البلد والشعب، ولا يخرجان منها إلا بعد دفع خسائر كبيرة في الأرواح والبنية التحتية، وعلى هذا فأسلوب العصيان المدني يحتاج من الجماهير إلى إجماعٍ عليه، وإصرارٍ على الاستمرار فيه، حتى الوصول إلى تحقيق أهدافه، ويقتضي هذا من النخب الواعية، توحيد خطابها وتوحيد مطالبها، حتى لا تتشتت جهودها. وهذا الأمر لا يمكن أن يتم، إلا بعد أن يمنح الشعب العراقي، ثقته للجان المنظمة للعصيان، والاستجابة لمقرراتها، وبخلافه فإن العصيان لن يصل إلى مرحلة تحقيق الأهداف، وسوف تحدث فوضى تُفشل الوصول إلى تحقيق الأهداف.

ما هي أهداف وآليات العصيان المدني العراقي؟
في الحالة العراقية، يهدف العصيان المدني، إلى تحقيق جملة من الأهداف العامة يمكن تلخيصها بإسقاط النظام السياسي الحالي الفاسد، وإقامة نظام ديمقراطي جديد بديلًا عنه، والعمل على حل الميليشيات الساندة لهذا النظام، وتجريم أي جماعة تحمل السلاح غير مؤسسات الدولة الأمنية، والعمل على تحرير العراق من الاحتلال الإيراني، وتنظيف البلد من كل الذيول التابعة له.
أما آليات العصيان التي يجب العمل بها فهي العمل بجد، من قبل القائمين على إدارة العصيان، لإيصال صوت العراقيين إلى المجتمع الدولي، وتعريفهم بحقيقة أن الشعب العراقي لا يعترف بالنظام السياسي الحالي، ويعتبرونه فاقدا للشرعية، وذلك من خلال استغلال كافة الوسائل الإعلامية والقنوات الدبلوماسية، ومن ثم البناء على هذا بالعمل على سحب شرعية النظام الحالي، وسحب الاعتراف الدولي به كممثل عن الشعب، وحث المجتمع الدولي على التعامل مع نخبة نظيفة منتقاة من المجتمع العراقي بشكل مؤقت، يقودون المرحلة الانتقالية لغاية تشكيل المؤسسات الديمقراطية لإدارة مرحلة ما بعد سقوط النظام. ومن أجل هذا، من الضروري أن يتم فرز عناصر سياسية منذ الآن، من منظمي حركة العصيان، للتواصل مع العالم، وتوصيل رسالة الشعب العراقي والضغط عليهم لسحب اعترافهم بهذا النظام والطعن بشرعيته.

كيف يتم الضغط على المجتمع الدولي؟
إن الأساليب التي يمكن للشعب العراقي الضغط بها على المجتمع الدولي عديدة ومتنوعة، لكن الضغط على أسواق النفط العالمية، واحداث حالة الارباك فيها من خلال تفعيل إضرابات القطاع النفطي، شركات وعاملين، وقطع الطرق المؤدية للآبار النفطية ومنصات التحميل والتصدير، وقطع الطرق على شاحنات نقل النفط، وغيرها من الاساليب التي تؤدي إلى وقف كامل لتصدير النفط العراقي للعالم يعتبر أهم أسلوب وأكثره نفعًا، وهذه الفعالية، سوف تجعل العديد من دول العالم، وبالأخص الدول المستهلكة للنفط، تلتفت إلى ما يحصل في العراق وتبدي تعاطفها ومساعدتها للشعب المنتفض، لأن ذلك سوف يمس بمصالحها ويمس اقتصاداتها، وهذه الدول لا يحركها سوى مصالحها، وموضوع النفط هو موضوع حساس لعدد كبير من دول العالم. أما عن تأثير قطع تصدير النفط على النظام العراقي، فالجميع يعلم بأن هذا النظام، ما هو إلا عبارة عن عصابات تبيع النفط لتقوم بالاستفادة منه في إدامة نظامهم وإدامة فسادهم، وسوف لن يستطيع النظام الصمود حتى لمدة أسابيع بعد قطع تصدير النفط.

شكوك بجدوى العصيان المدني والرد عليها
تنتاب بعض النخب الوطنية والناشطين في ثورة تشرين، أسئلة استفهامية حول جدوى العصيان المدني وأهميته، ومدى تفاعل العراقيين معه، فمنهم من يقول إن العصيان المدني معناه الإضراب، والصحيح هو أن الإضراب هو جزء بسيط من العصيان المدني، ذلك لأن العصيان المدني أشمل من الإضراب، فالإضراب غالبا ما ينفذ من قبل العمال أو النقابات المهنية، لغرض زيادة الأجور أو تحسين ظروف العمل أو تقليل ساعاته، بينما العصيان المدني، هو فعالية جماهيرية تشارك فيها كل شرائح المجتمع، وله أهداف سياسية، وبالتالي فالشعب العراقي يبتغي من عصيانه المدني، إسقاط النظام واستبداله بنظام آخر لا يكون مثله، مع ذلك، نعتقد أن من الجيد أن يشتمل العصيان المدني في العراق على فعاليات إضرابية في مختلف القطاعات، سواء الصناعية أو الزراعية أو الطلابية، مع أننا لا نظن أنها ستكون مؤثرة على النظام، بسبب وضع البلد المتدهور من الناحية الصناعية والزراعية لدرجة إن العراق يستورد جميع الأشياء من أصغرها لأكبرها، على عكس الحالة في الدول الصناعية والزراعية الكبرى التي من الممكن أن ينهار اقتصادها بسبب الإضرابات العمالية أو الفلاحية.
أما الحديث عن عدم تفاعل الموظفين الحكوميين مع العصيان المدني، وأنهم سيستمرون بالدوام، فنقول إن العصيان المدني لا يستهدف بالأساس طبقة موظفي الدولة – رغم أن مشاركتهم ستكون مفيدة -، إنما يستهدف القطاعات الأخرى، مثل أسواق الجملة الكبرى، وقطع الشوارع الرئيسية، والأهم من ذلك كله، هو تعطيل عمل الشركات النفطية التي تقوم باستخراج النفط وتصديره، أما من يخشى فقدان وظيفته وانقطاع راتبه إذا استجابوا للعصيان، فمن الممكن تخليصهم من هذا الإحراج، بقطع الطرق المؤدية للدوائر الحكومية، وبالتالي فإن تغيبهم عن الدوام لن يكون بسبٍ منهم، وإنما بسبب قطع الطرق.
ويتحدث البعض الآخر عن احجام باقي مكونات الشعب العراقي مثل العرب السنَّة والكرد من المشاركة في العصيان المدني، فنقول إن هذا الكلام غير صحيح، لأن مُدن السنَّة هي أولى المدن العراقية التي نظمت المظاهرات والاعتصامات في عام 2013، وشارك كثير من شبابهم في تظاهرات تشرين، ونعتقد إن الظروف الأمنية الحالية التي تعاني منها مدن السنَّة، ربما ستقلل مشاركتهم في البداية، لكن إذا ما انطلقت شرارة العصيان وانتشرت، فمن المؤكد أن مناطق السنة ستشهد مشاركة واسعة. وفيما يخص مدن إقليم كردستان، فقد شهدت مدنها مظاهرات عديدة ضد الأحزاب الكردية الحاكمة، لأنهم يعانون من نفس المشاكل التي يعاني باقي أفراد الشعب العراقي، فعلى اللجان المنظمة للعصيان المدني، تكثيف خطابها الوطني الموجه للكرد، وتعظيم مشاعر الانتماء العراقي على الانتماءات القومية، حتى تكون لهم مشاركة فاعلة في العصيان.
والبعض يتساءل عن غياب المشروع الجامع الذي يوحد العراقيين عليه، والذي سيكون الخطوة التالية لما بعد نجاح العصيان، وهذا الأمر قد تم توضيحه بشكل جيد، وهو أن اللجنة المنظمة للعصيان المدني والمتشكلة من مختلف التيارات السياسية، تتعامل مع موضوع العصيان بحيادية كاملة، وتهدف لإسقاط النظام وتأسيس نظام ديمقراطي جديد، حينها سيكون لكل أحزاب وحركات المعارضة العراقية، الحق في التنافس الشريف عبر انتخابات نزيهة، يفوز فيها من يحوز على ثقة الجماهير، ليشغل محله في البرلمان، أو يقوم بتشكيل الحكومة كما يحدث في كل دول العالم المتحضر اليوم.
إن من المهم أن يعي الشعب العراقي، أن سر نجاح العصيان في الوصول إلى أهدافه، هو إصرارهم بالاستمرار عليه، والمطاولة فيه، ومن ينتصر، هو الأطول نفسا في المطاولة، وليكن بعلم العراقيين، إن العصيان المدني إذا ما تم تطبيقه بشكل صحيح، سيجعل النظام العراقي في حالة شلل، غير قادر على الإيفاء بالتزاماته الدولية، خاصة مع دول الجوار، عند قطع الطرق الدولية التي من خلالها يُصدر النفط بالشاحنات إلى دولٍ كالأردن ولبنان وسوريا وتركيا وحتى إيران، ومن الضروري، أن تكون إحدى مفردات العصيان المدني المهمة هي مقاطعة البضائع الإيرانية بشكل كامل، فهذا الأمر سوف يؤثر على اقتصاد دولة الاحتلال، وسيؤثر على الأحزاب والمليشيات المرتبطة بها، أما من ناحية معاناة أسر وعوائل العراقيين فمن المهم تشكيل لجان محلية ومناطقية تنسق فيما بين بعضها البعض لتخفيف الآثار السلبية عليهم، وتفعيل التكافل الاجتماعي بينهم، حتى نصل إلى اليوم المشهود الذي نرى فيه العراق حرًا يتمتع فيه المواطن العراقي بالكرامة والحرية.

مقال خاص براسام