الباحث: حسين صالح السبعاوي

من المحتمل أن تجرى في ١٠ تشرين الأول المقبل الانتخابات البرلمانية في العراق وهي الإنتخابات السادسة بعد الاحتلال الأمريكي سنة ٢٠٠٣، وهناك شبه إجماع من قبل المراقبين والمتابعين للشأن العراقي بأن هذه الانتخابات ستكون كسابقتها من الانتخابات الخمسة الماضية التي قاطعها أغلب الشعب العراقي بسبب عدم نزاهتها وغياب الأجندة الوطنية لدى الأحزاب المشاركة فيها، إضافة لمشاركة المليشيات المسلحة فيها والتي تهدد الناخب العراقي وإلزامه بانتخاب جهة معينة دون أخرى، إضافة لاستخدام المال السياسي الفاسد في شراء الأصوات أو تسقيط المنافسين.
ورغم الماكنة الإعلامية الحزبية التي تبث ليل نهار وتدعو المواطن العراقي للمشاركة إلا أنها سوف تواجه نفس المقاطعة ولن يشارك في التصويت سوى الجمهور الحزبي ومن يستطيع المرشح شراء صوته، وكالعادة تبدأ ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة جينين بلا سخارت بالإشادة في نزاهة الانتخابات وتبارك نتائجها! لا سيما وأن الأمم المتحدة نفسها لم تعترض على أي انتخابات أجريت في العراق بما فيها إنتخابات سنة ٢٠١٨ والتي احرقت خلالها حتى صناديق الاقتراع وكانت مزورة بامتياز وباعتراف كيانات سياسية شاركت فيها.
إن دور الأمم المتحدة المشبوه والمنحاز للسلطة والعملية السياسية عموما على حساب الشعب العراقي أفقدها المصداقية كطرف دولي محايد يعمل على نصرة الشعوب المستضعفة والمغلوب على أمرها.
إن الإفلاس السياسي لدى القوى والأحزاب المرشحة للانتخابات جعلها تتخبط في دعايتها الانتخابية وبدأت تمارس أقذر الأساليب فيما بينها من شتائم وتسقيط وفضح فساد بعضهم البعض، وأقصى ما ركز عليه المرشح العراقي في برنامجه الانتخابي – إن وجد – هو العزف على الوتر الطائفي والعرقي والمذهبي والقبلي متخليا عن الهوية الوطنية الجامعة للوصول إلى قبة البرلمان، كما نجد أن المرشح يعد الجمهور بكل ما يريد وهو يعلم بأنه عاجز عن الوفاء بوعده لهم حتى لو أصبح رئيسا للوزراء وليس نائبا في البرلمان لكن وجه المرشح النيابي لا يتمعر من الكذب حتى لو افتضح أمره لأنه بالأصل هو يريد الوصول للمال العام من خلال هذا الترشح حتى يبدأ بالسرقة والنهب .
إن السبب الرئيس في استمرار هذه المهزلة هو الاحتلال الأمريكي والإيراني فهم وضعوا قواعد العملية السياسية وأسسوا لها بحيث لا يمكن لأي كيان يحمل مشروع وطني وحريص على وحدة العراق من المشاركة فيها، وحتى لو سمح له بالمشاركة فسوف يستهدف ويتم تسقيطه تحت ذرائع شتى وبتهم جاهزة، بينما سمحوا لكل فاسد يعمل على تدمير العراق وتمزيقه بالمشاركة والفوز حتى لو بالتزوير، لأن الإحتلال حريص على وصول الفاسدين إلى سدة الحكم، لأن أمثال هؤلاء سيكونون في خدمته ويعملون تحت أجندته.
إن السبب في غياب المشروع الوطني لدى المرشحين هو الولاء الخارجي لهم فمنهم من ولاءه لإيران والآخر ولاءه لأمريكا وهما من يمليان عليه ما يريدون ويوجهونه كما يشاؤون حسب ما تقتضيه مصالحهم، وبالتأكيد مصالحهم متقاطعة مع المصلحة الوطنية للعراق فيهرب إلى الطائفة والعرق والقبيلة وما إلى ذلك من هويات فرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة للعراقيين.
بدأ الداعمون للعملية السياسية في العراق يطلقون تصريحاتهم الغريبة والتي لا يقبلها عقل ولا منطق مثل تصريح ممثل الإتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل أثناء زيارته للعراق في ٦ أيلول حيث قال: ” إن هذه الانتخابات مهمة ومصيرية”! وكأنه يريد تزكيتها مسبقا وقبل إجراءها وهو يعلم جيدا بأن جميع الانتخابات السابقة كانت مزورة سواء بسبب المال أو السلاح المنفلت، ألم يتساءل المسؤولون الغربيون يا ترى: كيف لوجوه وأحزاب نفسها متحكمة في السلطة ستشارك في الانتخابات القادمة؟ إذن أين المصيرية فيها، وكيف من كان هو المشكلة يصبح اليوم هو الحل؟
إن اعتماد السياسة الغربية اتجاه المنطقة على المصالح فقط وتخليها عن المبادئ والقيم الإنسانية التي أنشأت أنظمتهم السياسية عليها لا يمكن أن تدوم لأن الشعوب أصبحت تدرك هذه الازدواجية الغربية في التعامل وأنها الداعم الرئيسي للطائفية في العراق والأنظمة الديكتاتورية في المنطقة على حساب حرية الشعوب واستقلال دولهم من الهيمنة الغربية والأمريكية.
إن أكبر دليل على الإفلاس السياسي لدى القوى والأحزاب العراقية هو غياب الثنائية الحزبية في التنافس الانتخابي كما هو موجود في دول العالم مثل بريطانيا وأمريكا وغيرهما من الدول التي يتنافس في انتخاباتها حزبان رئيسيان يقدم كل حزب مشروعه السياسي للمواطن وعلى ضوء هذا المشروع يبدأ الناخب باختيار احدهما والفائز من الحزبين يشكل الحكومة والآخر – الخاسر – سيمثل المعارضة، أما في العراق فيشارك أكثر من 200 حزب وآلاف المرشحين الذي يطلق عليهم زورا بالمستقلين، وبعد الانتخابات يريد الجميع المشاركة في الحكومة مع غياب تام للكتلة الفائزة التي تستطيع تشكيل حكومة بمفردها ثم غياب تام للمعارضة البرلمانية التي تراقب أداء الحكومة على اعتبار المشاركة في الحكومة هو مكسب والعمل في المعارضة يحرمه من المشاركة في الكعكة، أليس هذا هو الإفلاس السياسي بعينه؟
إن الحل الحقيقي للعراق هو حكومة وطنية لمرحلة انتقالية تؤسس لمرحلة سياسية جديدة لا تسمح لأي حزب أو أي مرشح لديه ميول وولاء خارجي من المشاركة فيها كما تمنع كل من ساهم في تدمير العراق ونهب أمواله وخيراته من المشاركة في أي انتخابات، وأن تعتمد الأحزاب السياسية المشاركة مشاريع وطنية بعيدة عن الطائفية والعرقية والمناطقية والقبلية لكي تستطيع النهوض بالعراق وتنقذه مما وصل إليه من فساد وتدمير وتعيد إليه المهجرين والنازحين الذين يعانون من الغربة وشظف العيش.

مقال خاص براسام