المقدمة:
لقد كان الحكم في أوكرانيا مستقر نوعاً ما لحد عام2014م، وكان الرئيس الاوكراني موالي لروسيا، ولكن انطلاق الاحتجاجات وتوسعها اطاحت بالرئيس الاوكراني القريب من الكرملين الأمر الذي هدد موسكو بخسارة نفوذها في هذا البلد المهم، مما دفعها الى اجتياح شبه جزيرة القرم والسيطرة عليها في عام2014م، وضمها الى روسيا بأعتبارها جزء من الأراضي الروسية، الأمر الذي جعل النظام السياسي الحاكم في اوكرانيا موالي لواشنطن ومعادي لروسيا، ومما ترتب على الوضع الجديد في أوكرانيا قيام بعض الانفصاليين في شرق اوكرانيا الى اعلان دولتين منفصلة عن روسيا وعن أوكرانيا واطلقوا عليها جمهورية أو أقليم “الدو نباس”، ولكن لم يتم الاعتراف بها من قبل الدول الأخرى، علما بأن أكثر من (39%)من سكانها من أصول روسية ويمكن لنا أن نقول بأنهم يميلون الى روسيا أكثر من الغرب، مما جعل روسيا تمنع أي عملية أجتياح لها وهم مدعمون بشكل أو بأخر من قبل موسكو.

ما هو اتفاق مينسك:
إن أعلان الانفصاليين الموالين لروسيا بعد استفتاء مثير للجدل عن انفصال منطقتي دونيتسك ولوهانسك وتأسيس جمهوريتين شعبيتين فيهما والتي تشكلان معاً أقليم “الدونباس” مما جعل الاعمال العسكرية تستمر بين اوكرانيا والانفصاليين في هذه الجمهورية حتى وصلت الخسائر بين الطرفين في الفترة الماضية الى أكثر من(14)ألف قتيل، الأمر الذي دفع بعض الدول الاوروبية الى التوسط لإيجاد حل سياسي شامل لهذه الازمة، وقد تم التوصل الى اتفاق مينسك(1)في عام2014م، بين ممثلي الحكومة الأوكرانية والانفصاليون برعاية روسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ولكنه فشل في وقف إطلاق النار، مما دفع الأطراف الى التوصل الى اتفاق جديد أطلق عليه مينسك(2)، والذي ينص على وقف اطلاق النار، واقامة منطقة عازلة، بتنفيذ هدنة في مدينة “الدونباس” شرق أوكرانيا اعتباراً من15 شباط عام2015م، بالأضافة الى سحب الاسلحة الثقيلة على طول خط الجبهة، وقد حضر هذه المفاوضات كل من المستشار الالمانية “مركيل”، والرئيس الاوكراني “بترو بوروشنكو”، والرئيس الفرنسي “فرانسو أولاند”، والرئيس الروسي “بوتين”، الذي أعلن مع الرئيس الأوكراني “بترو” بأن مجموعة الاتصال بشأن أوكرانيا والتي تتكون من ممثلين من روسيا وأوكرانيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وقد وقعت اتفاق بهذا الشأن مع الانفصاليين بشرق أوكرانيا، وذلك بعد أن تم التوصل الى اتفاق في مدينة مينسك عاصمة روسيا البيضاء، بهدف أنهاء الحرب بإقليم “الدونباس” غير إن الاتفاقية لم تصمد بعد تجدد إطلاق النار والتوترات السياسية خصوصاً بعد أستعادة أوكرانيا العديد من المدن التي خرجت عن سيطرتها مرة أخرى الى سلطتها مما جعل التهديد مباشر لإقليم “الدونباس”

التطورات التي أثارت حفيظة روسيا في هذا التوقيت:
إن التطور الخطير الذي أثار حفيظة روسيا في هذا التوقيت هو إن اوكرانيا تنوي الانضمام لحلف الناتو، الأمر الذي تعتبره موسكو تهديد مباشر للآمن القومي الروسي، وخط أحمر لا يمكن أن تسمح لأحد بتجاوزه مهما كانت التداعيات، لأنها تعتبر أوكرانيا من ضمن الفضاء الجغرافي الروسي، وانضمامها لحلف الناتو سيجعل الصواريخ الأمريكية النووية على الحدود الروسية، وهذا له حساباته في حال المواجهة العسكرية بين الدوليتين من ناحية التوقيت، وطبيعة الوصول الى الأهداف، وإمكانية التصدي لمواجهة الصواريخ القادمة، الأمر الذي دفع روسيا للتصعيد العسكري على الجبهة الأوكرانية لمنع هذا الأمر، فقامت بحشد قواتها العسكرية التي وصل الى أكثر من(100)ألف مقاتل، وهو مستمر طوال الفترة الماضية حيث وصلت أرتال كبيرة من الدبابات، والاليات، ومنظومات الصواريخ الى الجبهة الأوكرانية، الأمر الذي أثار حفيظة واشنطن التي حذرت موسكو من أعتماد الخيار العسكري لحل الآزمة الأوكرانية.
كما إن هناك أمر أخر أثار حفيظة روسيا هو أزدياد الاستفزازات الامريكية لروسيا خلال هذه الفترة التي تتمثل بوصول أدارة بايدن للبيت الأبيض، وكذلك التصرفات التي تقوم بها بعض دول حلف الناتو ومنها: بأن هناك تدريبات وحركة لسفن حربية وطائرات مقاتلة الى أوكرانيا، وهناك مناورات أمريكية بحرية في البحر الاسود تثير حفيظة موسكو، كما إن هناك اقتراب لقاذفتين أستراتيجية نووية أمريكية من الحدود الروسية، وهناك بناء لبنى تحتية وقواعد لحلف الناتو منها قاعدتين عسكرية بريطانية في اوكرانيا، بالأضافة الى إن هناك تطويق لروسيا من خلال بولندة ورومانيا وأوكرانيا وجميع هذه الاستفزازات يجب أن تتوقف في نظر موسكو، ثم جاءت التصريحات الأمريكية والاوكرانية التي تقول بأن من حق كييف أن تدخل الى أي منطقة تابعة لأوكرانيا بما فيها إقليم “الدونباس” مما جعل روسيا تصعد بشكل غير مسبوق، خصوصاً وإن هناك اتهامات روسية لأوكرانيا بنقل نصف جيشها(125)ألف مقاتل الى الشرق، بينما تقول أوكرانيا أنه “دعاية مغرضة للتغطية على خطط روسيا الخاصة”.

محاولات لخفض التصعيد العسكري:
لقد أتفقت الولايات الإدارة الأمريكية مع الكرملين على أجراء دائرة تلفزيونية بين الرئيس الروسي بوتين والرئيس الأمريكي بايدن وفريقهم الرئاسي لخفض التوتر وحل القضية سياسياً، وقد تمخض عن الدائرة تبادل المخاوف والتهديدات بين الجانبين ومنها تهديدات أمريكية بفرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على روسيا في حال استخدمت القوة وشنت الحرب ضد أوكرانيا، أي لا وجود للخيار العسكري المباشر لمواجهة موسكو، ولكنها بنفس الوقت لوحت بأنه يمكن أن يكون هناك دعم عسكري غير مباشر من خلال تقديم الدعم اللوجستي والاستخباري، بينما طلبت موسكو في هذه الدائرة التلفزيونية تقديم ضمانات أمنية لتهدئة المخاوف الروسية ووقف التصعيد العسكري، وقدمت في ذلك مقترحات وأليات للتوصل الى تفاهم وحل شامل للتصعيد، ومنها ضمانات بعدم توسع حلف الناتو شرقاً مما يعني عدم انضمام اوكرانيا الى حلف الناتو، وكما طالبت بالتوقف عن تسليح أوكرانيا بأسلحة تخل بتوازن القوى في المنطقة، كما إن روسيا ترى بأنه يجب العودة الى اتفاق مينسك لعام2015م وإجراء استفتاء حول الدونباس بالبقاء أو الانفصال عن أوكرانيا بينما ترى واشنطن بأن من حق أوكرانيا إن تدخل الى أي منطقة ضمن إراضيها بما فيها إقليم الدونباس .

التصعيد العسكري لحلف الناتو:
لقد قابلت الولايات المتحدة الامريكية الحشد العسكري الروسي بحشد عسكري لقوات الناتو في أوكرانيا بعد أن قالت واشنطن بأنها مستعدة للخيار العسكري أذا اختارت روسيا التصعيد وشنت الحرب على اوكرانيا، حيث تشير المعلومات الاستخبارية بأن هناك أربع كتائب عسكرية تابعة للناتو وصلت الى الحدود الاوكرانية، وهذا الحشد جاء بناءً على الأفكار التي اقترحتها القيادات العسكرية الأمريكية مؤخراً وكجزء من رد الفعل الأمريكي لاستيعاب الحشد والتصعيد العسكري الروسي، والدليل على ذلك بأن الحشد الروسي أستمر لفترة طويلة من الزمن بينما كانت واشنطن ترقب ذلك الحشد ولكنها لم ترد عليه عسكرياً ألا في وقت متأخر جداً، أذن هي محاولة للردع وليس للمواجهة العسكرية، وهو يعكس حقيقة القرار والتوجه الامريكي الذي يميل الى الخيار الدبلوماسي كخيار استراتيجي لحل النزاع وليس الخيار العسكري الذي تلوح به.

حقائق مهمة:
أوكرانيا اليوم ليس أوكرانيا عام2014م، فقد حصلت على دعم عسكري كبير من قبل الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية، وقد تمثل هذا الدعم بالحصول على اسلحة دفاعية متطورة، حيث حصلت كييف على دعم عسكري مباشر وغير مباشر بعيد المدى، ومنها الحصول على(650) مليون دولار كمساعدات عسكرية وأسلحة دفاعية، وكان أخراها وصول(80)طن من الاسلحة والاعتدة المختلفة الى أوكرانيا في شهر يناير/كانون الثاني الماضي.
لقد كان هناك تصعيد سياسي أمريكي-بريطاني يتمثل بسحب الرعايا والدبلوماسيين الأمريكان والبريطانيين من أوكرانيا تحسبا لاحتمال التصعيد الروسي كونها لا تزال تعاني مما جرى من اشكالات سابقة على غرار ما جرى في مدينة بنغازي بليبيا وكذلك في فوضى الانسحاب من أفغانستان، وهي اشارات واضحة الى احتمال شن الحرب ضد أوكرانيا، وقد يكون فخ من قبل الدول الغربية لموسكو بالدخول الى أوكرانيا على غرار تدخلها في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي.
الولايات المتحدة لديها وضع اقتصادي صعب وهي تعاني داخلياً من ذلك، كما إن هناك انقسام داخلي حول التصعيد العسكري في اوكرانيا، علماً بأن التوتر بين امريكا وروسيا هو جديد بينما التوتر بين الصين وامريكا هو امتداد للإدارة الامريكية السابقة(إدارة ترامب)، والسؤال فهل تستطيع واشنطن ان تدخل في صراع اقتصادي وعسكري مع دوليتين عظمى تتمثل بالصين وروسيا في وقت واحد؟، وهذا ما يجعلني أستبعد الخيار العسكري المباشر لمواجهة روسيا في أوكرانيا، علماً بأن واشنطن ترى بأنها غير ملزمة باتفاق مينسك (2) الذي جرى في عام 2015 ، وتدعو روسيا بالعودة اليه لحل الازمة، كما إن إدارة بايدن ترى بأن هذا التصعيد العسكري وضع كلاً من روسيا والصين أصبحت في مواجهة واشنطن كعدو له أولوية متقدمة، ناهيك عن الصراع الاقتصادي القائم بينهما.