الباحث : حسين صالح السبعاوي

دعا رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في الثامن من شهر آذار لهذا العام إلى حوار وطني يجتمع فيه العراقيون بكل أطيافهم من القوى السياسية المشاركة في الحكومة وقيادات انتفاضة تشرين وحتى القوى السياسية الرافضة للعملية السياسية… لكن هذه الدعوة قوبلت ببرود من قبل أغلب القوى السياسية بضمنها القوى الشيعية، فقد التزم الصمت كل من دولة القانون بزعامة نوري المالكي وكتلة الفتح بزعامة هادي العامري، أما قيادة التظاهرات فقد اشترطت للمشاركة في مثل هذا الحوار أن يحاسب قتلة المتظاهرين وفق القانون، أما بقية القوى السياسية التي لم تشترك بالعملية السياسية فاكتفت بعدم الرد على هذه الدعوات والسبب هو لعدم جديتها وأنها للاستهلاك المحلي فقط .
ولمعرفة الجدية من عدمها لمثل هذه الدعوات لا بد من تسليط الضوء على الدعوات التي سبقت هذه الدعوة ولم يكتب لها النجاح وذهبت أدراج الرياح، منها:
١- في تشرين الأول من عام ٢٠٠٦ دعا الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي البروفسور أكمل الدين إحسان أوغلو من مقر المنظمة في المملكة العربية السعودية القوى السنية والشيعية إلى كتابة (وثيقة شرف في مكة المكرمة) تهدف إلى تحريم الدم العراقي وإطلاق سراح المعتقلين والحفاظ على دور العبادة… وقد حضر في هذا اللقاء كل من رئيس الوقف السني مع جمع من العلماء ورئيس الوقف الشيعي مع مجموعة من العلماء الشيعة وكتبت هذه الوثيقة لكنها لم تغير شيئا على الأرض بل زادت الانتهاكات وتمزقت اللحمة الوطنية وكأن شيئا لم يكتب .
٢- في شهر كانون الأول ٢٠١١ دعا زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر إلى (ميثاق الشرف الوطني) وكان من أبرز بنوده الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز هيبة الدولة وحصر السلاح بيد الدولة، واستقلال القضاء، وحماية حقوق الإنسان… لكن أيضا لم يكتب لها النجاح وبقي الحال على ما هو عليه .
٣- في أيلول ٢٠١٣ في حكومة نوري المالكي دعا نائبي رئيس الجمهورية إياد علاوي وخضير الخزاعي إلى (مبادرة السلم الاجتماعي) وكذلك لم يتحقق شيء على الأرض، بل أَوغَلَ رئيس الوزراء المالكي بالقتل والاعتقالات العشوائية ضد المواطنيين خاصة ضد سكان المدن المنتفضة آنذاك ومجزرة قضاء الحويجة في كركوك شاهد واحد على ما نقول، وكذلك لم ينتج عن هذه الدعوة شيء يذكر.
٤- في شهر تموز ٢٠١٧ دعا الجنرال ستيفن تاونسند قائد قوات التحالف الدولي في العراق وسوريا إلى (مصالحة وطنية) واحترام حقوق المكون السني – التي سلبت عبر سنوات من قبل الحكومات المتعاقبة بعد ٢٠٠٣ – لكن هذا التصريح أثار حفيظة القوى السياسية الشيعية واعتبروه تدخلا في الشؤون الداخلية للعراق !!!

أمام كل هذه الدعوات المتكررة لم يتحقق شيء على الأرض، لوجود أجندة خفية وراء هذا الفشل المتكرر. ومن الجدير بالذكر أن الساحة العراقية ما بعد عام ٢٠٠٣ مرت بأزمات سياسية واجتماعية واقتصادية نتج عنها فرز طائفي وعرقي بين مكونات الشعب العراقي ووصلت إلى ذروتها من التمزق الذي يهدد مستقبلها وهويتها بحيث لا يمكن أن تقف أضراره عند مكون واحد فقط، فالجميع مهدد بمستقبل مظلم إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، ناهيك عن أن هذا الوضع السياسي الشاذ هو عقبة أساسية أمام بناء الدولة بمؤسسات رصينة تحمي المواطن وتخدمه، ويمكن أن نجمل الأسباب التي حالت دون تحقيق المصالحة الوطنية وأهدافها بما يلي :
١- غياب الإرادة السياسية الحقيقية للقوى الداعية للحوار الوطني بسبب تمسكها بالمصالح الشخصية والحزبية، وما هذه الدعوات إلا للاستهلاك المحلي والإعلامي.
٢- غياب المشروع الوطني لدى القوى الداعية لمثل هذه الحوارات، لهذا نجد أن مفعولها ينتهي بنهاية جلسات الحوار .
٣- عادة ما تطرح هذه الدعوات من قبل الحكومة وليس من قبل الدولة، وهناك فرق بين الحكومة والدولة، لأن الأولى هي جزء من الثانية، الدولة تعني رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان والقضاء والقوى السياسية والعشائر والمرجعيات الدينية لكافة المذاهب والأديان والأكاديميين ومراكز الدراسات وجميع أصحاب القرار وصنّاعه، ومن خلال جميع هؤلاء تتم الدعوة إلى حوار وطني دون شروط مسبقة، بهذه الحالة تكون هناك شرعية لهذا الحوار ولا تعطى الفرصة لأي جهة تحاول إفشال الحوار .
٤- غياب الإشراف الأممي والدولي على مثل هذه المؤتمرات ورعايتها حتى تكون داعم حقيقي له .
٥- على جميع الأطراف أن تكون مستعدة لقبول مخرجات هذه الحوارات والمؤتمرات والاستعداد لتقديم تنازلات من أجل المصلحة الوطنية والسلم الأهلي. وهو ما لم يحصل خلال الحوارات التي أشرنا إليها أعلاه.

بغياب هذه النقاط أعلاه فإن جميع دعوات الحوار لن تكون إلا مناورة سياسية ودعاية انتخابية واستهلاك محلي وإعلامي لن يغير شيئا على الأرض، ومن الجدير بالذكر أنه كلما دعت الحكومة إلى حوار وطني بدأت القوى الطائفية ومليشياتها بالتصعيد من خطابها الطائفي، وتبدأ بتحريك دعاوي قضائية ضد المعارضين السياسيين لغرض إرسال رسائل سلبية للحكومة والقوى التي تريد المشاركة في الحوار ولسان حالها يقول “لا حوار ولا مصالحة ولا صوت يعلو على صوت الرصاص”، ثم إن الذي يدعو للحوار ألا يفترض به أن يبدأ بتهيئة الأجواء الأمنية والسياسية وتغيير الخطاب الإعلامي من التطرف إلى الاعتدال ومن تخوين الطرف الآخر إلى الاخوّة الوطنية؟ مع بعض الإجراءات على الأرض مثل إصدار العفو العام، وإيقاف مذكرات إلقاء القبض، ودعوة المهجرين بالعودة إلى الوطن. كيف يكون هناك حوار وطني وأكثر من ٤ ملايين مهجر وعشرات الآلاف في السجون ومئات المقابر الجماعية ومدن مدمرة ولا يوجد خطط لإعادة بنائها لحد الساعة.
إن كل ما يجري في العراق من إقصاء وتهميش متعمد لا يوحي بجدية الحوار الوطني وإن نتائجه سوف لن تختلف عن باقي الدعوات التي سبقت هذه الدعوة.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

مقال خاص براسام