أ. د. عدنان القطان : باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
لقد اتسمت الدعاية الانتخابية بالمباشرة والوضوح والجرأة المشوبة أحيانا بلكنة التهكم والنقد اللاذع والمزج بين المثالية والواقعية المعبر عنها بمنطق شبيه بالوعظ والإرشاد والمبالغة في بعض الوقت بالطرح والمخاطبة. وبهذا بدأت وكأنها تخاطب جمهورا من الناخبين تشكل فيه الأمية نسبة ظاهرة وله وعيه السياسي المحدود بنمط الديمقراطية البرلمانية وأولياتها، ولعل ذلك يعود الى حداثة مفهوم الدعاية الانتخابية والمرتبط وقتئذ بطريقة التعبير عنها، لذا كان لابد وأن تواجه هذه الدعاية بعض المتاعب في التطبيق.
اتصفت الدعاية الانتخابية بمظهرها العام وكأنها كانت منبرا حرا للكلمة ولحرية التعبير في الرأي والمعتقد، ولقد استغلت الأحزاب السياسية وخاصة العلنية منها هذه الفرصة وحولت نشاطها الانتخابي الدعائي الى ساحة مكشوفة لنشر أفكاره. هذا وقد ساهم ذلك الى حد ما في تطور وانضاج قانون الانتخابات وتحويل الانتخابات من غير مباشرة الى مباشرة، كما ان اثارة مسائل التمسك بالصيغ الدستورية وضرورة احترامها والدعوة الى الانتخابات المنزهة عن الغرض والتدخل، والضوابط الحكومية الصارمة ازاء الدعاية الانتخابية، ومن ثم تكرارها في كل حملة انتخابية دعائية على وجه التقريب، كانت قد قادت أخيرا الى فقدان الثقة والمواجهة الساخنة في بعض الأحيان بين الحكومة والمعارضة، بل قادت الاثنين الى مفترق الطريق.
رأت السلطات الحكومية في إجراءاتها إزاء هذه المسائل بأنها منطقية ومرهونة بالوقت وبسلامة الانتخابات، في حين رأت فيها المعارضة نقائص دستورية منافية للديمقراطية ولحرية الانتخابات والدعاية الانتخابية.
وبغض النظر عما قيل في أساليب الدعاية الانتخابية في هذا العهد من مدح أو قدح، فهي تبقى في تقديرنا مرتبطة بظروفها التاريخية المحددة لزمن معين، ومظهرا متواضعا من مظاهر الديمقراطية.
أما عن التجربة النيابية في العراق خلال العهد الملكي ( ١٩٢٥ – ١٩٥٨)، فيمكن أن نقول :
أظهرت التجربة النيابية العثمانية ]مجلس المبعوثان العثماني[ (١٨٧٦ – ١٩١٤م) وعيا ديمقراطيا أوليا جسده العراقيون من خلال مطالبهم اللاحقة بالأخذ بالصيغ الدستورية والديمقراطية انموذجا لحكم البلاد.
وقد ظهر ذلك واضحا في ما سجله نواب العراق في مطلع نشأة الدولة العراقية الحديثة خلال مناقشاتهم في اجتماعات المجلس التأسيسي العراقي عام ١٩٢٤، من ضرورة ترسيخ هذه المفاهيم السياسية الجديدة، على الرغم من الاختلاف في مستويات الثقافة والوعي، من حيث ان هؤلاء كانوا من مختلف فئات المجتمع، الا انهم ساهموا جميعا في اثراء الحياة السياسية والنيابية.
استبشر العراقيون خيرا عند إقرار القانون الأساسي (الدستور) وقانون انتخابات مجلس النواب من قبل المجلس التأسيسي، مما سيؤدي حسب اعتقادهم الى قيام حياة (دستورية نيابية سليمة).
ومع ذلك فقد تبين لنا من خلال تعاملنا مع الاحداث في هذا الموضوع أن الحكومات المتعاقبة غالبا ما كانت تستخدم أساليب التزوير والضغط والاكراه، بغية ضمان عدم فوز بعض المرشحين لا سيما نواب الأحزاب المعارضة، وضمان فوز مرشحي هذه الحكومات، وهذا لا يعني ان جميع الأشخاص الذين كانت القوائم الانتخابية تضم أسمائهم من الموالين للسلطة.
ومما يظهر فقد كان للنواب دورهم الفعال في بناء السلطة التشريعية للبلاد، وقد أغنوا بآرائهم وتفكيرهم وتجاربهم الحياة النيابية العراقية.
كما نلحظ أن أكثرية النواب من خلال خطبهم ومداخلاتهم شفاها في مناقشة قضايا أساسية ومصيرية في تاريخ العراق المعاصر قد عبرت عن ذهنيتهم وأساليب تفكيرهم، فضلا عن ذلك فقد استطاعوا إيصال صوت الشعب الى السلطة استطاعوا ادخال بعض التعديلات الكثيرة على عدد من اللوائح القانونية المرسلة الى المجلس النيابي من الحكومة، وقد قاموا بتغيير بعض اللوائح تغييرا جذريا وجوهريا.
كما اختار بعض النواب طريق المعارضة أسلوبا لعملهم السياسي فعدوا من الشخصيات الوطنية المعارضة، فأرادوا خدمة وطنهم العراق من خلال المجلس النيابي وحددوا موقفهم من القضايا والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتردية، وارتفع صوتهم مدويا مدافعين عن الحريات العامة، فقد امتازوا بمواقفهم الجريئة والشجاعة في مواجهة السلطة أحيانا، وبأسلوب تميز بالصراحة والدقة أحيانا حيث كثيرا ما تكلموا بلكنة جريئة وامتازت بالنقد اللاذع في مطالبتهم الإصلاح. ومما يلحظ أن مواقف النواب اتسمت باندفاع وطني خالص ينم عن وطنية مجردة، سواء ما يتصل بالقضايا الداخلية أو القضايا والاحداث العربية. وقد إلتزم الأغلبية بتفعيل الطريق السياسي الإصلاحي في الحكم، حيث يتبين من آرائهم وطروحاتهم أنهم كانوا يجنحون الى الإصلاح والحرية (االليبرالية) أسلوبا مفصلا لديهم بالحكم.
ومع ذلك فقد تجلى دور النواب سواء كانوا في المعارضة أو من المؤيدين للحكومة، من خلال طروحاتهم ومساهماتهم ومطالبتهم برفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وبمنح الحريات العامة للشعب، بل مارس البعض منهم النقد الشديد لسياسة الحكومة على صعيدي السياسة الخارجية والداخلية.
ومهما يكن من أمر فإن الحياة البرلمانية في العهد الملكي، انتهت في نهجها واسلوبها مع انتهاء هذا العهد عند قيام ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ وإعلان النظام الجمهوري.
المصادر المعتمدة :
١ – محاضر جلسات مجلس النواب العراقي خلال العهد الملكي من الدورة الانتخابية الأولى (١٩٢٥) وحتى الدورة الانتخابية السادسة عشرة (١٩٥٨).
٢ – الحكومة العراقية، وزارة الداخلية، مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي العراقي، جزءان، (مطبعة دار السلام، بغداد، ١٩٢٤).
٣ – قانون انتخاب النواب، (مطبعة الحكومة، بغداد، ١٩٢٤).
٤ – القانون الأساسي العراقي مع تعديلاته، (مطبعة الحكومة، بغداد، ١٩٤٤).
٥ – قانون الانتخابات النيابية الجديد رقم (١١) لسنة ١٩٤٦، الموصل، ١٩٤٦).
٦ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، عشرة أجزاء، ط ٧، (بغداد ١٩٨٨).
٧ – عبد الرزاق الحسني، العراق في دور الاحتلال والانتداب، ج١، (صيدا ١٩٣٨).
٨ – نزار توفيق الحسو، الصراع على السلطة في العراق الملكي، دراسة تحليلية في الإدارة والسياسة، (بغداد، ١٩٤٨).
٩ – فاضل حسين، الفكر السياسي في العراق المعاصر ١٩١٤-١٩٥٨ ، (الكويت،١٩٨٤).
١٠ – جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق ١٩٤١ – ١٩٥٣، (النجف، ١٩٧٦).
١١ – عبد الرحمن البزاز، العراق من الاحتلال الى الاستقلال، ط٢١، (القاهرة، ١٩٦٢).
١٢ – محمد مظفر الادهمي، المجلس التأسيسي العراقي، جزءان، (بغداد ١٩٨٩).
١٣ – فائز عزيز أسعد، انحراف النظام البرلماني في العراق، (بغداد ١٩٧٥).
١٤ – فائق بطي، صحافة الأحزاب وتاريخ الحركة الوطنية (بغداد، ١٩٦٩).
١٥ – مجيد خدوري ومتي عقراوي، مؤسسات العراق الدستورية والإدارية، (بغداد، ١٩٦٩).
١٦ – عادل غفوري خليل، أحزاب المعارضة العلنية ١٩٤٦ – ١٩٥٤ (بغداد، ١٩٨٠).
١٧ – فاروق صالح العمر، المعاهدات العراقية البريطانية وأثرها في السياسة الداخلية ١٩٢٢ – ١٩٤٨ (بغداد، ١٩٧٧).
١٨ – محمد طاهر العمري، تاريخ مقدرات العراق السياسية، ج٣، (بغداد، ١٩٣٥).
١٩ – عبد المنعم الغلامي، اسرار الكفاح الوطني في الموصل ١٩٠٨ – ١٩٢٥، ج١، (بغداد،١٩٥٨).
٢٠ – عبد الجبار عبد مصطفى، تجربة العمل الجبهوي في العراق ١٩٢١ – ١٩٥٨، (بغداد، ١٩٧٨).
٢١ – ستيفن همسلي لونكريك، أربعة قرون في تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر خياط، ط٤، (بغداد، ١٩٦٨).
٢٢ – باقر أمين الورد، اعلام العراق الحديث، قاموس تراجم ١٨٦٩ – ١٩٦٩، ج١، (بغداد، ١٩٧٨).
٢٣ – عباس عطية جبار، الحياة البرلمانية في العراق، ١٩٣٢-١٩٣٩ رسالة ماجستير (جامعة بغداد، كلية الآداب،١٩٧٢).
٢٤ – عبد الزهرة مكطوف الجوراني، الحياة البرلمانية في العراق ١٩٣٩ – ١٩٤٥، رسالة ماجستير، (جامعة بغداد، كلية الآداب، ١٩٨٣).
٢٥ – رياض عبود رزوقي، انتخابات حزيران ١٩٥٤، رسالة ماجستير، (جامعة بغداد، كلية القانون والسياسة، ١٩٨٥).
٢٦ – عبد الكريم ياسين رمضان، الحياة النيابية في العراق ١٩٥٣ – ١٩٥٨، رسالة ماجستير، (جامعة بغداد، كلية الآداب، ١٩٨٧).
٢٧ – إبراهيم عبد القادر أحمد، النشاط السياسي المشترك لحزبي الاستقلال الوطني والديمقراطي في العراق ١٩٥٢ – ١٩٥٩، رسالة ماجستير (معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد، ١٩٥٨).
٢٨ – عصمت برهان الدين عبد القادر، دور النواب العرب في مجلس المبعوثان العثماني ١٩٠٨-١٩١٤، رسالة ماجستير جامعة الموصل، كلية الآداب، ١٩٨٨).
٢٩ – توفيق السويدي، مذكراتي، نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية (بيروت، ١٩٦٩).
٣٠ – خليل كنه، العراق أمسه وغده، (بيروت،١٩٦٦).
٣١ – ناجي شوكت، سيرة وذكريات ثمانين عاما، حزيران، (بغداد، ١٩٩٠).

