هكذا تزول الأمم.. يسير العراق ولبنان بنفس الطريق الذي سلكته اليمن وسوريا. حيث تتعرض العناصر الأساسية لقيام الدولة للتفكيك، في حين أن من هم في مواقع النفوذ إما غير قادرين أو غير راغبين في العمل. إن الوضع الكارثي الذي يواجه هذه الدول يجعل الأمور بسيطة للغاية: إما أن تكون هناك دولا ديمقراطية ذات سيادة، أو أن هناك فوضى ميليشاوية.
إن اغتيال المفكر والناشط لقمان سليم هو تذكير مأساوي جاء في الوقت المناسب بما تبدو عليه هذه الفوضى شبه العسكرية. يعرف اللبنانيون والعراقيون جيدًا معنى الاستيقاظ كل صباح على جثث ملقاة على جوانب الطرق تملؤها ثقوب الرصاص. قالت والدة لقمان سليم في جنازته: “الأسلحة لا تخدم البلد، إنها لم تخدمني، لقد كلفتني ابني”.
كذلك فإن سعد الحريري يفهم ما يعنيه ذلك، بعد أن شهد اغتيال والده قبل 16 عامًا بالضبط بقنبلة ضخمة زرعها عناصر حزب الله وعناصر سورية، قال الحريري مؤخرا وبعد أربعة أشهر من تكليفه برئاسة الوزراء: “إنه لم يتم إحراز أي تقدم نحو تشكيل الحكومة”. فهو يعلم أن الحكومة التكنوقراطية الفعالة هي الطريق الوحيد لخلاص لبنان، لكن تم إهدار الكثير من الوقت أصلا في متابعة محادثات غير مجدية مع الأحزاب التي لا تنوي تشكيل حكومة، إلا وفق شروطها فقط.
يعود أصل الزواج الاضطراري بين الأطراف التي عرقلت هذه الصفقة – حسن نصر الله وميشال عون وجبران باسيل – إلى الضرورة في ظل كره متبادل. لقد دفعت العقوبات الأمريكية باسيل إلى التعانق مع نصرالله، على الرغم من أن عون وباسيل شاهدا قاعدة الدعم المسيحي للتيار الوطني الحر تتبخر وسط اشمئزاز من تمسكهم بوكيل إيراني يجر أمتهم نحو الانهيار والصراع. باسيل المرفوض على نطاق واسع هو انتهازي ساخر قد يبيع روحه للشيطان للفوز بالرئاسة. كما ان حزب الله يعرف بأنهم لا يستطيعون الوثوق به، لكنهم بحاجة إليه ليحافظ على قبضتهم الخانقة على الدولة. هؤلاء القادة يتحملون المسؤولية الجماعية عن دفع لبنان إلى الهاوية.
وهناك مؤشر آخر يظهر في كيفية قيام طهران بجر لبنان إلى فلكها، حيث وصف خبراء صفقة للبنان لاستلام 500 ألف طن من زيت الوقود من العراق بأنها خدعة سخيفة لإيران لتهريب النفط في انتهاك واضح للعقوبات. قال وزير الطاقة في لبنان ريمون غاجر: “إن الوقود الثقيل العراقي لا يتناسب مع احتياجات لبنان المحددة، لكن يمكن لشركة عراقية أن ترتب مقايضة”. ولا يتطلب الأمر سوى القليل من الخيال لتخمين أي دولة مجاورة سيتبادل معها العراق النفط. إن سيطرة حزب الله على الموانئ اللبنانية تمهد الطريق لتصدير كميات أكبر من النفط الإيراني.
في العراق أيضًا، قُتل عشرات النشطاء والصحفيين على أيدي الميليشيات المدعومة من إيران. وظهرت المزيد من الأدلة على أن هشام الهاشمي، مستشار رئيس الوزراء العراقي لمكافحة الارهاب، قد اغتيل من قبل كتائب حزب الله بسبب تحقيقاته حول عمليات هذه الميليشيات العميلة. “لقد طوقوا جهود رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لكبح جماحهم”، مما يدل على أنهم سلطات الأمر الواقع في معظم أنحاء البلاد. ويظهر هذا بشكل واضح في المحافظات الواقعة على طول الحدود الشرقية والغربية للعراق، حيث يشرفون على التجارة المربحة في البضائع المشروعة وغير المشروعة المستوردة من إيران.
قامت إيران، على طول المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، ببناء تحصينات ضخمة، والتي غالبًا ما تتعرض لمئات الغارات الجوية الصهيونية في سوريا. تعمل هذه التحصينات كقاعدة أمامية لضبط الحدود وفرض السيطرة على شرق سوريا، لا سيما لنقل الصواريخ والذخائر لتهديد أوسع منطقة. تم ذبح مئات الآلاف من السوريين لتأمين هيمنة وكلاء إيران. ولم يعد هناك كيان واضح على أنه سوريا، ببساطة هناك مجموعة من الدويلات التي يهيمن عليها وكلاء موالون لإيران وتركيا وغيرهما من أصحاب النفوذ.
شنت ميليشيا أخرى مدعومة من إيران، وهم الحوثيون، مؤخرا ضربات على مطار مدني سعودي في أبها، مما أدى إلى اشتعال النار في طائرة ركاب. ومن الواضح أن الهجوم كان يهدف إلى إيقاع قتلى. أصبحت هجمات الحوثيين ضد الأهداف المدنية في دول مجلس التعاون الخليجي معقدة بشكل متزايد، باستخدام الطائرات بدون طيار والصواريخ التي زودتها بهم إيران، إلى جانب الألغام والقوارب المحملة بالمتفجرات.
يسعى كل من حزب الله والقوات شبه العسكرية العراقية للسيطرة على البنى التحتية للدولة، إذا ما حققوا هذا الهدف فإن ذلك اليوم سيكون نهاية هذه الأمم كما نعرفها. في لبنان، لن يسمح الكيان الصهيوني أبدًا بتقوية دولة يحتكرها حزب الله على طول حدوده الشمالية.
كثيرا ما يتحدث جيش الكيان الصهيوني عن الوضع الحالي بأنه “حرب بين الحروب”. ان ضربات الكيان ضد القواعد المتحالفة مع إيران، والهجمات التخريبية والاغتيالات داخل إيران نفسها، والطلعات الجوية والمناوشات الحدودية، هي جهود الكيان الصهيوني لتأجيل حرب على مستوى المنطقة، والتي يعتقد جنرالاته أنها حتمية. ان التفكك الشامل للبنان والعراق، أو سيطرة المليشيات عليهما، لن يؤدي إلا إلى تقريب تلك الحرب .
على الرغم من أن المعارضة لإيران تتصاعد بغضب داخل المجتمعات الشيعية العربية، إلا أن المواطنين اليائسين غالبًا ما يكونون ممتنين لحزب الله وحلفائه لتوفير الرعاية والحماية. فهم يحبون حزب الله ويعتقدون أن حزب الله يحبهم أيضا. لكن إيران ليست حامية الإسلام الشيعي، ولا حامية لبنان والعراق وفلسطين.
كم مرة وقفت “المقاومة الإسلامية” وشاهدت مواطني غزة يقصفون ويقطعون إلى قطع صغيرة ؟
بعيدًا عن مقاومة الكيان الصهيوني، يبدو أن حزب الله مرعوب من الرد على الضربات الجوية التي ينفذها طيران الكيان الصهيوني. إذن ما هو الهدف من هذه “المقاومة الإسلامية”؟
ترى طهران أن الدول العربية الواقعة تحت سيطرتها هي ورقة تفاوض ودرع عسكري. إن زعماء الدين الإيرانيين سيبيعون هذه الدول أو يسمحون بتدميرها بسرعة إذا حقق ذلك مصالحهم. ينصّب كل من حزب الله وإيران نفسيهما على أنهما حماة لبنان والعراق، بينما هما في الحقيقة يضمنان الدمار الوشيك لهذه الدول.

عرب نيوز/ باريا الامودين
ترجمة وتحرير: راسام