أ.د. عدنان القطان باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
أسند الملك فيصل الاول تأليف الوزارة الى نوري السعيد، فألفها الأخير يوم 23 آذار 1930. وأعلن السعيد في كتاب رفعه الى الملك أن أهم المسائل التي ستعالجها وزارته هي المعاهدة الجديدة. إذ ستبدأ وزارته بالمفاوضات مع بريطانيا لعقد المعاهدة على أساس الإستقلال التام وتوطيد الصداقة بين العراق وبريطانيا.
وفعلا بدأت المفاوضات العراقية – البريطانية لعقد المعاهدة في 2 نيسان 1930 واستغرقت حوالي ثلاثة أشهر منتهية بإتفاق الطرفين العراقي والبريطاني على صيغة معاهدة جديدة في 30 حزيران 1930 نشر نصها في الصحف العراقية يوم 19 تموز 1930. ونصت المعاهدة على عقد حلف أمده 25 عاما بين العراق وبريطانيا، وبالمقابل تعهدت بريطانيا بتأييد دخول العراق الى عصبة الأمم سنة 1932 مع اعلان استقلال وانتهاء مسؤوليات الإنتداب البريطاني فيه بدءا من دخول العصبة.
وتضمنت المعاهدة وملاحقها الشروط القاسية الرئيسية التالية:
أولا: السياسة الخارجية:
وافق الطرفان على إجراء مشاورات تامة وصريحة في جميع شؤون السياسة الخارجية مما قد يكون له مساس بمصالحها المشتركة. ويتعهد كل منهما بأن لا يتخذ سياسة تتنافى مع التحالف أو قد تخلق المصاعب للفريق الآخر.
ثانيا: الدفاع:
تعهدت بريطانيا بأن تدافع عن العراق في حالة وقوع حرب على أن يقدم العراق لبريطانيا في الأراضي العراقية جميع ما في وسعه ان يقدمه من التسهيلات والمساعدات ومن ذلك استخدام السكك الحديد والأنهر والموانئ والمطارات ووسائل المواصلات.
ثالثا: القواعد وحق المرور:
تعهد العراق بأن يؤجر لبريطانيا مواقع للقواعد الجوية بالقرب من البصرة وغربي الفرات، وخوّل بريطانيا بإبقاء قواتها في هذه المواقع إضافة الى مواقع أخرى في الهنيدي والموصل خلال فترة الإنتقال التي لن تزيد خمس سنوات. كما حصلت بريطانيا على حق مرور جيوشها عبر الأراضي العراقية.
رابعا: الحصانات:
تتمتع القوات البريطانية في العراق بالإعفاء من الضرائب وسلطة القوانين المحلية.
خامسا: تدريب الجيش العراقي:
لبريطانيا الحق التام في إرسال المدربين العسكريين الى العراق أو تدريب الضباط العراقيين في معاهدها وتزويد العراق بالأسلحة والمعدات على أن لا تختلف في الطراز عن تلك التي تستعملها بريطانيا.
سادسا: التمثيل الدبلوماسي:
تقرر أن يستبدل بالمندوب السامي سفير يتمتع بمركز الأقدمية الدائم بين الممثلين الأجانب.
لقد واجهت هذه المعاهدة كبقية المعاهدات السابقة الإنتقاد والرفض الشديدين من الحركة الوطنية والشعب العراقي، على اعتبار أنها قيدت العراق بشروط تناقض ” الإستقلال التام”، وأن بريطانيا احتفظت بموجبها بإمتيازات ومصالح عديدة تعارض كرامة البلاد.
دافع نوري السعيد (رئيس الوزراء) عن المعاهدة ورد على آراء المعارضة. وإثر ذلك قامت حكومة نوري السعيد بحل مجلس النواب تمهيدا لانتخاب مجلس جديد يعهد إليه أمر التصديق على المعاهدة. كما شكل السعيد حزبا برلمانيا هو (حزب العهد العراقي) لإسناده في مجلس النواب لتمرير المعاهدة، كما أصبحت له جريدة باسم (صدى العهد) ناطقة بلسانه.
ومن المفيد الإشارة الى أن عبدالجبار الجومرد (كان طالبا بمعهد الحقوق بدمشق في حينه) كتب قصيدة صور فيها إستنكاره وتذمره من الوضع السياسي القائم آنذاك، كما شكى همه الى بغداد التي عشعش فيها – على حد قوله – “المنافقون والجهلة” بروح تاريخية ووطنية. بل نراه يستحضر الماضي ويتأسى على العهد الذي كانت فيه بغداد على أيام المنصور والرشيد، وكيف غدا حالها في وقته ولم تؤد واجباتها نحوهما. صور الجومرد كذلك في قصيدته التي منها:
لا يبيت الشريف إلا طريدا وفي دياجيك والأبي الجواد
لو رآكِ المنصور أعرض حز نا وقال الرشيد ما لا يعاد
كما هجا الشاعر حكومة نوري السعيد التي وقعت معاهدة 1930 بين العراق وبريطانيا. ونلمح في جرأة الشاعر وشجاعته في التنديد بتلك المعاهدة التي قيدت استقلال العراق بقيود ثقيلة ومما جاء في هجوه:
محى الله في أرض العراق عصابة لها عمل ناء عن الحق ناكس
حكومة سراق تبيع بلادها كما باع مسروق الودائع حارس
يقولون في بغداد مجلس أمة ألا منيت بالخزي تلك المجالس
مجالس شر الناس فيها ممثل لخيرهم والعيد للحر سائس
عرضت حكومة “نوري السعيد” المعاهدة على مجلس النواب بجلسته المنعقدة في 16 تشرين الثاني 1930 لمناقشتها واقرارها. ومما يلحظ ان النواب اختلفوا بين مؤيدين وأكثريتهم من حزبه الذي أسسه – العهد العراقي – ومعارضين وكانوا قلة. وقد أشاد المؤيدون للمعاهدة وعددوا فوائدها للعراق واعتبروها “جيدة وفيها نفع للبلاد” وأنه طالما “أن العراق كان ضعيفا فعليهم القبول بالمعاهدة” و” عندما نصبح أقوياء فبإمكاننا أن نمزق المعاهدة”.
في حين قام النواب المعارضون بتحليل مواد المعاهدة وتدقيقها وبيان أوجه مخاطرها وبينوا من خلال أحاديثهم أن هذه ” المعاهدة بل وجميع المعاهدات التي عقدت قبلها … كلها مضرة ومجحفة في حقوق العراق وأن الإستقلال الذي ننشده لا يلتئم وهذه المعاهدة لأنها على طرفي نقيض”. وكانت هذه أحاديث النواب المعارضين، وهم كلا من: ياسين الهاشمي وصادق البصام ورشيد عالي الكيلاني وبهجت زينل وإبراهيم عطارباشي.
ورد جمال بابان (وزير العدلية) في حكومة نوري السعيد القائمة على معارضي المعاهدة بقوله: “… هل تريدون معاهدة يكون فيها للعراق الحقوق وما على بريطانيا سوى الإلتزامات؟ إنه أمر مستحيل”.
وعند التصويت على لائحة قانون المعاهدة، صادق مجلس النواب عليها بأغلبية (69) صوتا من مجموع عدد النواب البالغ عددهم (88) نائبا.
كما عرض نوري السعيد (رئيس الوزراء) لائحة قانون المعاهدة على مجلس الأعيان للتصديق عليها وطلب السعيد الإستعجال بالمذاكرة، فاعترض عليه العين مولود باشا مخلص مبينا أن المعاهدة تعيق مقدرات الأمة وطلب احالتها الى اللجنة لتقدم تقريرا عنها.
تحدث عدد من الاعيان مبينين أسباب مخالفتهم للمعاهدة. فقد أوضح العين مولود باشا مخلص اعتراضه على الحصانات الممنوحة للجيوش البريطانية داخل العراق وحصر شراء الأسلحة ومسألة التشاور بين الطرفين في السياسة الخارجية وتساءل: هل أن بريطانيا ستستشير العراق عند عقد معاهدة مع الصين أو اليابان، وأجاب بنفسه قائلا: ” هدف بريطانيا جعل العراق معزولا” مؤكدا أن خذه ” المعاهدة لا تختلف عن سابقاتها إلا بتمديد المدة. فبعد أن كانت لأربع سنوات أصبحت لخمس وعشرين سنة”. وأيد العين آصف أفندي الإنتقادات التي وجهت للمعاهدة “لكونها لا تضمن حقوق ورغبات العراق، وان ظاهرها الإستقلال وباطنها غيره” وأكد أنها ” مجحفة وأن رفضها واجب”. وأوضح العين محمد علي فاضل أن المعاهدة تحتوي على ” مواد لا تتفق مع الإستقلال”. من جانبه أعرب العين فخري الجميل عن اعتقاده بان ” الأمم الضعيفة لا تستفيد من عقد المعاهدات مع الأمم القوية ما لم تتوفر لديها كل أسباب القوة التي تجعل عقودها محترمة من الطرف الثاني”.
وعند التصويت على المعاهدة كانت نسبة المخالفين لمعاهدة 1930 في مجلس الأعيان كبيرة قياسا الى المخالفين للمعاهدات السابقة. فقد خالف هذه المعاهدة في التصويت كلا من الأعيان: آصف أفندي وعبداللطيف المنديل وفخري جميل ومحمد علي فاضل ومولود مخلص. بينما وافق عليها كلا من الاعيان: إبراهيم الحيدري وأحمد بك عثمان وسعيد افندي ورستم حيدر وعبدالله صافي بك وعداي الجريان وعلوان الياسري ومحمود حلمي الأسترابادي ومناحيم دانيال ونور الياسري ويوسف عمانوئيل. وعلى أساس عدد الطرفين تم قبول المعاهدة بالأكثرية.
قامت المعارضة بتأليف حزب سياسي بإسم (حزب الأخاء الوطني) الذي أجيز رسميا في 25 تشرين الأول 1930 وأصدرت جريدة ناطقة بإسم الحزب هي جريدة ” الأخاء الوطني” معتبرة المعاهدة:
- فاسدة وجائرة ويجب تعديلها.
- إن المجلس النيابي القائم يجب أن يحل لأنه لا يمثل البلاد.
- إن الوزارة التي تؤلف يجب أن تعمل على الأساسين الأول والثاني.
وبعد تصديق المعاهدة وتبادل الوثائق أبلغت بريطانيا عصبة الأمم عن رغبتها في إدخال العراق الى العصبة كدولة مستقلة. ومن جانبه قدم العراق التعهدات اللازمة الى اللجنة الدائمة للإنتدابات في 2 آيار 1932، وبناءا عليه أعلن مجلس العصبة قبول العراق نهائيا في 3 تشرين الأول 1932. وبذلك أصبح العراق دولة مستقلة. لكن على ما يظهر إن هذا الإستقلال كان شكليا أكثر منه عمليا وواقعيا.
يمكن الإستزادة أكثر بالإطلاع على المصادر التالية:
- عبدالرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج3، ط7، (بغداد، 1988)
- فاروق صالح العمر، المعاهدات العراقية – البريطانية 1922 – 1948، (بغداد، 1977).
- محاضر جلسات مجلس النواب، الدورة الانتخابية الثالثة، ( مطبعة الحكومة، بغداد، 1931).
- محاضر جلسات مجلس الأعيان لسنة 1930/1931، (مطبعة الحكومة، بغداد، 1932).
- عبدالرحمن البزاز، العراق من الاحتلال حتى الإستقلال، ط2، (القاهرة، 1962).
- عبدالرزاق أحمد النصيري، نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية حتى عام 1932، (بغداد، 1985).
- سامي عبدالحافظ القيسي، ياسين الهاشمي ودوره في السياسة العراقية 1922 – 1936، ج2، (بغداد، 1975).

