سيظل اسم دونالد رامسفيلد مرتبطًا إلى الأبد بأكبر إخفاق عسكري في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، والمتمثل في غزو العراق عام 2003 بحثًا عن أسلحة دمار شامل وهمية، بالإضافة إلى الاستخدام المكثف لسياسة التعذيب التي ألحقت الضرر بسمعة أمريكا منذ ذلك الحين.
رامسفيلد لن يُتذكر فقط كصاحب قرار سياسي وهو وزير دفاع أمريكي، بل جهوده أيضًا للتستر على حقائق مزعجة لا توافق روايته التي طرحها للرأي العام. فالوثائق التي انتشرت ما بعد فترة الغزو، أظهرت أن رامسفيلد كان يعلم تمامًا حجم الثغرات الهائلة في المعلومات الاستخبارية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل العراقية، إلا أنه ظل متشبثًا بكل الأكاذيب التي قدمها للعلن، ويعتبرها حقائق مؤكدة.
كما قلل رامسفيلد من حجم التمرد المتزايد ضد الاحتلال الأمريكي للعراق بعد سقوط صدام حسين، حيث عبر عن لامبالاته بشأن انهيار القانون والنظام في بغداد آنذاك قائلًا: “هذه الأمور تحصل”. قرارات ظلت تطارده حتى نهاية حياته. كذلك فقد أدى تجاهله تحذيرات لا تناسب سياسته الخاصة، إلى نفور عدد من الجنرالات والرتب العسكرية. حيث كان يقول: ” إن العراق لا يشكل أي تهديد خطير، ما أدى لرؤيتنا للجيش الأمريكي يقود سيارات همر المدرعة الخفيفة بعد عام فقط من الغزو”.
وفي نوفمبر / تشرين الثاني 2006، اتخذت صحيفة “آرمي تايمز” خطوة غير عادية بالدعوة إلى استقالة رامسفيلد. حيث ذكر المقال الافتتاحي للصحيفة، أن رامسفيلد فقد مصداقيته كقائد بالزي العسكري أمام القوات العسكرية والكونغرس والشعب بشكل عام. استراتيجيته فشلت، وقدرته على القيادة باتت معرضة للخطر، وعلى الرغم من أن اللوم على الإخفاقات الأمريكية في العراق يقع على عاتق وزير الخارجية، إلا أن القوات العسكرية تتحمل العبء الأكبر.
حينما عين جورج بوش رامسفليد وزيرًا للدفاع عام 2001، كان الجميع يعتقد أنه – رفقة زميله المخضرم من إدارة جيرالد فورد، ديك تشيني – سيكون لهما تأثير معتدل على رئيس قاس ومتطرف إيديولوجيا.
وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، برز رامسفيلد وتشيني رفقة نائب رامسفيلد بول وولفويتز، كدعاة حرب جذريين مدفوعين بالخوف من أسوأ السيناريوهات، رغم ضعف هذا الاحتمال في الواقع.
رامسفيلد اشتهر بتأملاته الفلسفية حول التمييز بين “المعروف، المجهول المعروف، والمجهول المجهول”. ما لم يذكر كان تقريبًا كل المعلومات الاستخبارية لأسلحة الدمار الشامل العراقية، التي دمجها بين الفئتين الثانية والثالثة.
وفي سبتمبر 2002، قال مدير المخابرات لهيئة الأركان المشتركة، “إنهم كافحوا من أجل تقدير المجهول، حيث أصبح نسبة معرفة كل الجوانب المختلفة من برنامجهم مابين 0 إلى 75%”. رامسفيلد في تعليق ألحقه بهذا التقرير قال “إن هذا أمر كبير”. لكنه لم يمنحه أي تردد بشأن مزاعمه المتكررة. ففي يناير 2003، أعلن أن صدام يملك مخزونًا كبيرًا مفقودًا من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، بما في ذلك غاز إكس، وغاز السارين، وغاز الخردل، والجمرة الخبيثة، والتسمم الغذائي، وربما حتى الجدري. مضيفًا: “إنه يملك برنامجًا نشطًا لامتلاك وتطوير أسلحة نارية”.

كل هذه المزاعم قابلها فشل ذريع لأجهزة المخابرات الأمريكية في التوصل لتقارير تؤكد ذلك، ما جعل رامسفيلد يمر بفترة إحباط أطلق خلالها آلية لجمع معلومات استخباراتية موازية في البنتاغون تأثرت بشدة بالمنفيين العراقيين بقيادة أحمد الجلبي.
هؤلاء المنفيون بدورهم لعبوا دورًا في إقناع رامسفيلد وولفويتز وتشيني بأن القوات الأمريكية مُرحب بها كقائدة حقبة التحرير لما بعد سقوط صدام حسين، ووضع الأساس لتأسيس الديموقراطية العراقية. رامسفيلد كان متحمسًا للغاية بشأن الصراع في العراق، حيث اعترف في نوفمبر / تشرين الثاني 2002، بأنه لا يعرف ما إذا كانت الحرب على العراق ستستغرق خمسة أيام، أو خمسة أسابيع أو خمسة أشهر. وأضاف قائلًا: “بالتأكيد لن يستمر الأمر أكثر من ذلك”.
وقد بدأ رامسفيلد بكل ثقة باستخدام “أساليب الاستجواب المعززة”، والتي أصبحت معروفة حاليًا باشتمالها على سياسات التعذيب. وفي إحدى كتاباته في مذكراته أواخر عام 2002، تساءل قائلًا: لماذا يقتصر الوقوف القصري على أربع ساعات فقط، بينما هو يقف في مكتبه لمدة تصل من ثماني إلى عشر ساعات؟
إرث آخر تركه رامسفيلد وقد أثقل كاهل الولايات المتحدة لعقدين من الزمن، خليج غوانتانامو. الذي احتج به سابقًا قائلًا “إنه المكان الأقل سوءًا” لاحتجاز الإرهابيين المشتبه بهم وأسرى الحرب بعيدًا عن متناول الحماية القانونية الأمريكية. وقد سعت الإدارات المتعاقبة على حكم الولايات المتحدة إلى إغلاق معسكر الاعتقال الذي أصبح مصدر إحراج وعقبة أمام تحقيق العدالة لضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وقد أدى استخدام التعذيب في هذا المعتقل إلى تشويه الأدلة، مما حال دون بدء محاكمة المتهمين الرئيسيين.
وفي مذكراته، اعترف رامسفيلد “على مضض” ببعض أخطائه بشأن تحديده لبعض مواقع أسلحة الدمار الشاملة العراقية، قائلًا “إنه متفاجئ ومضطرب” لمعرفة حقيقة المدى الذي ذهب إليه المحققون الأمريكيون في تحقيقاتهم. واصفًا انتهاكات سجن أبو غريب في بغداد بأنها (الأحلك في حياته المهنية داخل البنتاغون).
رامسفيلد تحدث عن هذه الانتهاكات كمواطن بدلًا من كونها نتائج حتمية لسياساته، ومن غير المرجح أن يتسامح التاريخ مع أخطائه.

جوليان بورغر / ذا غارديان
ترجمة وتحرير: راسام