الباحث : حسين صالح السبعاوي

بدأت وعود المرشحين للانتخابات العراقية (المزمع إجراءها في العاشر من تشرين الأول ٢٠٢١) بسقف عالي لا يقبله عقل ولا منطق، فمنهم من وعد بإعادة أهالي جرف الصخر إلى مناطقهم، ولا يستطيع لا هو ولا أي مسؤول حكومي الدخول إلى هذه المنطقة بما فيهم رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، وآخر يعد بإطلاق سراح السجناء، وآخر يعد بإعادة المغيبين إلى أهلهم وذويهم، وآخر يعد ببناء المدينة وفق تصاميم حديثة تكون أحدث من التصاميم التي بنيت عليها مدينة دبي، فكل مرشح يعد بما يحلو له من وعود، وكأن الطائفية السياسية الحاكمة في العراق قد إنتهت، أو كأن هذه الإنتخابات هي الأولى التي تجرى في العراق ولم يسبقها إنتخابات!!، أين وعودهم السابقة التي وعدوا بها ناخبيهم؟ وما الفرق بين المرشح الحالي والمرشح السابق؟ ألم يعد الجميع بوعود ولم يتحقق منها شيء ؟
هنا لا بد من وضع النقاط على الحروف، ونتساءل لماذا لم يتحقق أي وعد من وعود المرشحين ولماذا يعجزون بمجرد وصولهم إلى مجلس النواب أو عندما يكونون أعضاءً في الحكومة؟ لأنه :
١- إن العملية السياسية الطائفية التي أسسها المحتل الأمريكي ويرعاها المحتل الإيراني لا تصلح للمجتمع العراقي ولا يمكن أن ينتج عنها حكومة وطنية خارج التقسيم الطائفي المعمول به بعيدا عن المصالح الأمريكية والإيرانية .
٢- الفساد المستشري في الدولة العراقية والمنتشر في كافة مفاصل الدولة لا يسمح بالبناء والتنمية، فبمجرد وصول المرشح إلى مجلس النواب تجده ينظم إلى مجموعة الفساد ويكون جزءً منها وبالتالي لا يستطيع الإيفاء بوعوده مع ناخبيه والواقع يشهد على ذلك .
٣- عجز الدولة ومؤسساتها في مواجهة المليشيات والجماعات المسلحة، فكيف يستطيع النائب البرلماني أن يعيد أهالي جرف الصخر وبقية المهجرين إلى مناطقهم في الوقت الذي تكون فيه الدولة بكل مؤسساتها عاجزة عن الدخول إلى المنطقة المهجر أهلها؟ وكذا المغيبين والمعتقلين والمخفيين كل هؤلاء ملفاتهم مرتبطة بإيران وحلفائها في العراق .
٤- التزوير والمال السياسي الفاسد هما الوسائل المعتمدة في كل إنتخابات تجرى في العراق منذ ٢٠٠٣ وإلى الآن، فكيف سينتج لنا مثل هذا النوع من الإنتخابات مجلسا يمثل إرادة الشعب، وكيف لنزيه أن يصل إلى المجلس في مثل هذه الإنتخابات؟
أعتقد جازما أن جميع وعود المرشحين ستذهب في مهب الريح وأن المواطن العراقي على يقين بأن هذه الإنتخابات لن تختلف عن سابقاتها، وأن الطائفية السياسية والمليشيات والفساد باق ولن يتغير شيء، بل إن هذه الإنتخابات ما هي إلا إضفاء الشرعية على مرحلة جديدة من التهجير القسري والتغيير الديمغرافي والفساد، ومزيد من الانتهاك لحقوق الإنسان.
إن إساليب المرشحين في دعاياتهم الإنتخابية ما هي إلا استخفاف بعقول الناخبين، وإلا كيف للطائفي أن يتحول فجأة إلى وطني وهو من مؤسسي الطائفية السياسية في البلاد؟ وكيف لمسؤول فاسد ثبت عليه الفساد في الدورات السابقة أن يتكلم الآن عن النزاهة وحفظ المال العام؟ وكيف نصدّق من أسس المليشيات وأطلق يدها على الشعب أن يدعو لبناء مؤسسات أمنية رصينة ومهنية تحترم حقوق الإنسان وتدافع عن العراق من أي عدو خارجي !؟
علينا أن ندرك بأن أمريكا لا تريد للعراق ديمقراطية حقيقية وإنما هدفها تمزيق العراق وتحويله إلى كانتونات يتصارع عليها مجموعة من القتلة والفاسدين ليسهل عليها تدميره ونهب خيراته، وإن أي إنتخابات تنتج حكومة وطنية تحفظ سيادة العراق من الاعتداء عليه وتحفظ موارده وتساوي بين أبناء الشعب سوف تنقلب عليها أمريكا قبل غيرها .
أمام هذا المشهد الأمني والسياسي في العراق، والمليشيات تصول وتجول في وسط العاصمة بغداد مستعرضة بكافة أسلحتها المتوسطة و الثقيلة والتي بها مرة تحاصر المنطقة الخضراء – التي يتواجد فيها كافة مقرات الحكومة والبرلمان – ومرة تهدد وتتوعد القائد العام للقوات المسلحه ووزير الدفاع أمام الشعب ولا يجرؤ أحد بالرد عليها، ومرة تخطف من تريد خطفه وتقتل من يرفع صوته ولا تبالي، فكيف تجرى إنتخابات في مثل هذا البلد؟ ومن أين تأتي نزاهتها وما هي الضمانات؟!، ومهما ستكون خروقات وانتهاكات وفوضى السلاح فإن الإنتخابات سوف تجرى، وتبارك بها أمريكا وإيران وممثل الأمم المتحدة، وسيشيدون بها على أنها كانت إنتخابات حرة ونزيهة من وجهة نظرهم كباقي الإنتخابات التي حدثت في السابق، وسوف يتخلى الفائزون من النواب عن وعودهم التي وعدوا بها المواطنين، ومهما يكن الفائز فلن يستطيع أن يشكل حكومته بدون رضا إيران عليها، وهذا الذي حصل في إنتخابات ٢٠١٠ عندما فازت القائمة العراقية بزعامة أياد علاوي ولم تسمح له إيران بتشكيل الحكومة، وهذا ما صرح به رئيس القائمة العراقية عندما قال: “إن إيران هي من منعتني من تشكيل الحكومة” وهو نفسه القائل بأن ” مشكلة أهالي جرف الصخر وقرار عودتهم هو بيد إيران وليس بيد العراقيين”.
لسنا ضد الديمقراطية ولسنا ضد انتخابات حرة ونزيهة ولكن لا يلدغ المرء من جحرٍ مرتين فكيف بمن يلدغ كل يوم؟
إن كل الشواهد تقول بأن هذه الإنتخابات لن تغير من الواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب العراقي أي شيء وما هي إلا امتداد لما سبقتها من إنتخابات، وأن أمريكا وإيران لن ترضيا إلا أن يتصدر نتائجها من هم تبع لهم ليرعى مصالحهم وينفذ أجنداتهم المدمرة للعراق.
لست بالخب ولا الخب يخدعني .

مقال خاص براسام