د. فارس الخطاب
في عام 2004 م قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، الانسحاب من قطاع، غزة وتفكيك 17 مستوطنة هي كل المستوطنات المزروعة هناك بعد الفشل الأمني الذريع والعجز عن إخماد جذوة المقاومة فيها والتي كانت وما زالت، حماس، رأس حربتها. غزة التي قال عنها رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين ” أتمنى أن أصحو ذات صباح فأجد غزة قد غرقت في البحر”. ولإن دخول غزة عسكرياً يعني الكثير من الخسائر البشرية في صفوف الجيش الإسرائيلي، فقد كان قرار شارون، المثقل بتبعات إنتفاضة الأقصى، هو الانسحاب والمضي قُدماً في عزل غزة بسياج كبير عازل.
في العاشر من مايو/ آيار 2005م، استضاف منتدى جوزيف وألما جيلدنهورن للشرق الأوسط مؤتمراً حول صنع السلام الفلسطيني – الإسرائيلي ضم مسؤولين حكوميين سابقين من إسرائيل والأردن ومصر وإسرائيل وفلسطينيون لبحث المشاكل والإمكانيات الدبلوماسية الممكنة لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي.
ووصف آرون ديفيد ميلر، الباحث في السياسات العامة بمركز ويلسون المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين المباحثات بين الطرفين أنه: “لا توجد ثقة بين الطرفين ولا توجد مفاوضات فعالة، ولا توجد مبادئ حكم مقبولة من كلا الجانبين، ولا يوجد طرف ثالث مستعد للاستجابة للأزمات أو الفرص”. ورغم أن الفلسطينيون سعوا إلى التوصل إلى حل تفاوضي، كان الطرف الآخر ذو طروحات أحادية النظرة والمطالب، وفي نهاية هذا المؤتمر إتفق المشاركون فيه على أن النتيجة المرغوبة هي وجود دولتين، إسرائيل وفلسطين، تتعايشان في سلام وأمن.
فريق العمل الأمريكي المعني بفلسطين، الذي استضاف المؤتمر قال “لا يمكننا أن نقول إننا متفائلون بشأن آفاق السلام، ولكن يجب علينا أن نفعل ما في وسعنا لتجنب ذلك”. الكارثة التي يبدو أنها تلوح في الأفق.”
عقِب انسحاب إسرائيل من قِطاع غزة في سبتمبر عام 2005م ، انتخب الشعب الفلسطيني في القطاع في يناير / كانون الثاني ، حماس ، لتدير شؤونه ، فيما انتخبت في الجانب الإسرائيلي – وبعد شهرين من ذلك – حكومة متشددة قادها حزب “كاديما” برئاسة أيهود أولمرت، الذي سعى لجعل(غزة) سجن كبير ، في محاولة منه لمعاقبة أهل غزة على خيارهم الإنتخابي ، وللضغط أيضاً على الأوضاع الاقتصادية المعقدة والصعبة جداً التي يعيشها سكان القطاع البالغ عددهم حينها بحدود المليون ونصف المليون نسمة ، يشكل العاطلون عن العمل أكثر من 60 في المائة. وقد وصف
سفير المملكة العربية السعودية لدى الولايات المتحدة حينها، الأمير تركي الفيصل، حالة أهل غزة ” بمثابة جرح مفتوح تؤذيه باستمرار أعمال الإرهاب غير المبررة، والقمع المؤلم، والعداء العميق الجذور”.
الجانب الإسرائيلي، كان، وما زال، يرى في، حماس، طرفاً لا يمكن التفاوض معه، لذلك هي لا تبدي استعداداً لذلك ، فهذا هو زلمان شوفال، الذي شغل منصب سفير إسرائيل مرتين لدى الولايات المتحدة يعبر عن ذلك بالقول: “عندما تنص المادة 6 من ميثاق (حماس) على أن المنظمة تسعى جاهدة لرفع راية (الله) على كل شبر من فلسطين فينبغي أن يُنظر إلى هذا على أنه خطاب متطرف غريب ، وقد قامت حماس بإعمال إرهابية إستهدفت إسرائيليين ، كما فشلت محاولات التفاوض معهم لذلك كان الانسحاب من غزة وعزلها بسياج أمني”.
حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، منذ تأسيسها عام 1987م تستمد مصداقيتها من نضالها الميداني وأعمالها الخيرية. وهي تدافع عن هجماتها العسكرية ضد الأهداف الإسرائيلية باعتبارها وسيلة لتحقيق التكافؤ مع عدو يتفوق عسكرياً بشكل كامل، وبالإضافة إلى نشاطها العملياتي فإن شعبيتها لدى الفلسطينيين أتت من خلال الأعمال الخيرية في النواحي الطبية والتعليمية، والإعانة الاجتماعية، والتموينية، وغيرها ، وقد كان من الأجدر ، لو لم تكن حكومات الاحتلال المتعاقبة تنظر إلى القضية الفلسطينية بمنظار استعماري إستيطاني، أن تتعامل مع حركة حماس كونها الفصيل الأقوى شعبياً وعلى الأرض ، ذو عمق عقائدي لا يقبل المساومة ، وأن تجعل قاعدة مفاوضاتها معها كونها النسب لصنع السلام بعد فشل كل محاولاتها في القضاء عليها أو تحييدها .
إسرائيل توهمت، وما زالت ، أن معاهدات “السلام” التي وقعتها مع بعض الدول العربية هي جواز مرور لجعل وضعها الاستعماري طبيعياً وسط الكيان العربي الممتد من المحيط الأطلسي إلى بحر العرب ، لكنها ، لم تدرك ، أن هذه المعاهدات كانت مع حكومات وليس مع الشعب العربي فيها ، وأن وجودها، سيبقى متناقضاً مع الطبيعة الكونية لهذه المنطقة، وقد أقر بذلك رئيس الوزراء الأسبق أريل شارون حيث قال “اعترف العرب بقوتنا ولكنهم لم يعترفوا بحقنا في الوجود” ، نعم لقد كان على القيادات الإسرائيلية أن تفهم بإن الاستيلاء على الأراضي وصنع السلام لا يسيران معًا، بل هي ومن خلال التوسع المستمر في المستوطنات، أظهرت أنها تفضل الأرض على السلام ، أنها غير مهتمة بوجود شريك فلسطيني قوي للسلام وهي بذلك ترفض قبول حماس كشريك في المفاوضات، معتبرةً – وبغطاء أمريكي وغربي – أن حركة حماس منظمة إرهابية ، وليس منظمة تحرير تكفل لها الشرائع والقوانين الوضعية سلوك أي سبيل لتحرير أرضها وشعبها ، كما هو حال الجيش الشعبي الفيتنامي، وحزب المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا، وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وغيرها.
آفي شاليم الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية في كلية سانت أنتوني في أكسفورد مؤلف كتاب “إسرائيل وفلسطين: إعادة تقييم ومراجعات وتفنيد الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي”، يرى أن “ما ترفض إسرائيل القيام به هو القبول بأن، حماس تمثل كتلة جادة من الفلسطينيين، وأنه لا يمكن التوصل إلى أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين يستثني حماس. لذا فإن الشيء المعقول الذي يتعين على إسرائيل أن تفعله وعلى القوى الأوروبية الأخرى أن تفعله هو الاعتراف بحماس والتفاوض معها من أجل التوصل إلى تسوية سياسية للصراع” مؤكداً أن “هذا صراع سياسي بين الجانبين، لكن إسرائيل تستخدم فقط القوة العسكرية الغاشمة لقمع الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، ولا شيء سوى القوة العسكرية الغاشمة”. ويؤكد شاليم خلال مقابلة مع موقع The Wire أجريت معه يوم 25 إكتوبر 2023م أن “ما نشهده اليوم، يوما بعد يوم، في غزة هو أن إسرائيل تتجه نحو التطهير العرقي للسكان والإبادة الجماعية، وأن الغرب يتحمل أيضًا جزءًا من المسؤولية عن الحاضر والماضي، بسبب دعمه الهائل لإسرائيل، وإمداده بالأسلحة، وحمايته الدبلوماسية لإسرائيل”.
آفي شاليم يفند كل إدعاءات الحركة الصهيونية بحقها في أرض فلسطين فيقول “استندت المطالبة الصهيونية بفلسطين إلى أسس ضعيفة للغاية وتشويه للواقع في فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر. كان هناك شعار صهيوني ذكي جداً: وطن بلا شعب لشعب بلا وطن، كان الشعار يعني ضمناً أن اليهود شعب بلا وطن، وهو كذلك، ولكنه يعني أيضًا أن فلسطين ليس لها شعب، ولم تكن مأهولة، ولكن هذا لم يكن صحيحًا؛ لقد كان هناك مجتمع عربي جيد التكوين في فلسطين لعدة قرون. كما أن المطالبة الصهيونية بفلسطين لم تكن مقنعة للغاية لأن الصهيونية كانت حركة علمانية، لكنها استحضرت أيضًا الوعد الإلهي لليهود بأرض الموعد، لذلك، كان الصهاينة علمانيين، ولم يؤمنوا بالله، ومع ذلك فقد حولوا الله إلى وكيل أرض وعدهم بقطعة الأرض هذه” ، ويضيف في دحضه للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين ” كان صاحب رؤية الدولة اليهودية هو ثيودور هرتزل، وهو يهودي من فيينا، الذي كتب كتيبًا يوضح فكرته عن دولة يهودية في فلسطين، واجتمع حاخامات فيينا معًا، وجمعوا بعض المال، وأرسلوا اثنين من أعضائهم إلى فلسطين للتحقق من ذلك، أي من فكرة هرتزل، وأرسل الحاخامان برقية من داخل فلسطين نصها ( يقال إن العروس جميلة لكنها متزوجة بالفعل من رجل آخر) بمعنى آخر، فلسطين جميلة، ولكن كان هناك بالفعل أناس آخرون يعيشون هناك”.
يضع الكثير من اليهود المتدينين ونخب من الأساتذة والباحثين غير المتصهينين، سبب فشل معاهدات السلام مع الفلسطينيين على كاهل بنيامين نتنياهو وحزب الليكود الإسرائيلي وبخاصة اتفاقيات أوسلو ، ويحملون نتنياهو عندما كان زعيما للمعارضة ما نتج عن حملة التحريض التي قادها ضد حكومة إسحاق رابين والتي انتهت بـاغتياله وبمجرد انتخابه بفارق يكاد لا يذكر(1) بالمائة، عام 1996م عمل على تقويض وتخريب اتفاقيات أوسلو وإعادة السيطرة الإسرائيلية على الأرض وبناء عشرات المستوطنات خاصة في الضفة الغربية أعقبها احتلال قطاع غزة ثم حصاره من جميع الجهات وبسطت القوات الإسرائيلية سيطرتها على القدس ليعلنها نتنياهو عاصمة للكيان الصهيوني ، بما يعني أنه أنهى فعلياً كل مضامين والتزامات اتفاقيات أوسلو.
وبالعودة إلى أستاذ العلاقات الدولية في كلية سانت أنتوني في أكسفورد، آفي شاليم ، الذي يرى أن العدوان الإسرائيلي الحالي على أهل غزة يشكل “جريمة حرب، كما كان في عامي 2008 و2009، ومن ثم كان هناك تقرير غولدستون – 575 صفحة – يتناول 33 حلقة، ويفصل ليس حلقة واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاث، بل سلسلة كاملة من الهجمات الإسرائيلية جرائم حرب، ولم يكن على إسرائيل أن تدفع أي ثمن لارتكابها جرائم الحرب تلك في عامي 2008 و2009، أو في أي من الهجمات الخمس اللاحقة على غزة. إذن إسرائيل مجرمة حرب، وهي ترتكب جرائم حرب بشكل متكرر في غزة ولا تعاني من أي عواقب”.
إن ما يمكن أن يكون توصيفه حين ينظر العالم بعين القانون الدولي لبربرية رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو أنه “مجرم حرب” أصدر أوامره بدمٍ بارد لقتل أكثر من 15 ألف فلسطيني من سكان غزة معظمهم من الأطفال والنساء، هذا المسؤول الصهيوني الذي ربط مسيرته السياسية والمهنية بطريق الحرب واللاسلم ، والذي قال أمام الجمعية العامة التي تضم 193 دولة “لا يمكننا تحقيق السلام من خلال قرارات الامم المتحدة” ، في إشارة ومن البيت الذي صدرت منه قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن السلام الإسرائيلي يعني بناء المزيد من المستوطنات داخل الضفة الغربية وعلى غلاف غزة ، وأن السلام الذي يعنيها هو المزيد من معاهدات التطبيع مع الحكومات العربية لتكريس عمليات عزل الشعوب العربية عن بعضها البعض ، وتغليظ عمليات خنق شعبنا العربي صاحب الأرض في فلسطين المحتلة .
مقال خاص براسام

