الباحث: حسين صالح السبعاوي

منذ أن احتلت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام ٢٠٠٣ وهي تروج كذبة الديمقراطية والتعددية والشراكة السياسية في العراق بينما في حقيقة الأمر قد أنشأت نظاما سياسيا طائفيا لا تختلف عن النظام الإيراني الذي أقصى جميع مكونات الشعب الإيراني من المشاركة السياسية والشراكة في اتخاذ القرارات المصيرية والمشاركة في الحكم.

من سخرية الكلام أن تتكلم الولايات المتحدة أنها جاءت إلى العراق من أجل تأسيس نظام ديمقراطي، في حين أنشأت أسوء نظام عرفه العراقيون منذ الآلاف السنين نظاما طائفيا يحمل من الكره والغل ما يدمر العراق بكامله إضافة إلى أنه نظام فاسد ومفسد في نفس الوقت وإقصائي لجميع من يختلف معه، نظام لا يؤمن بالديموقراطية ولا بالتعددية السياسية بل لا يؤمن حتى بالشراكة الوطنية التي يجب تحققها مهما كان نظام الحكم دكتاتوريا وقمعيا، لأن الشراكة الوطنية يعني حق المواطنة الذي هو ليس منّة من الأنظمة السياسية، ولكي نقف على حقيقة النظام في العراق الطائفي الحاكم لابد من ذكر أهم ممارساته في إدارة الدولة:
١- رغم وجود عشرات أو مئات الأحزاب السياسية إلا أن جميع هذه الأحزاب إما طائفية أو قبلت على نفسها أن تكون “كمبارس” إذا صح التعبير داعمة ومؤيدة للنظام السياسي الثيوقراطي الذي أقصى الجميع من منطلق ديني طائفي.

٢- غياب التوازن في مؤسسات الدولة وخاصة المؤسسات الأمنية بحيث تجد بعض المؤسسات مغلقة بالكامل للون طائفي واحد، أما بقية المؤسسات فلا تقل نسبة الطائفية فيها عن ٨٠% في حين أن العراق بلد متعدد المكونات.

٣- تجري عملية التسقيط لبقية المكونات العراقية على قدم وساق منذ وصول هذه الفئة إلى السلطة سواء من خلال الاستهداف المباشر أو تسليط قنواتهم الإعلامية الطائفية لتبدأ بسب الرموز الدينية وشيطنتها أو اتهامها بشتى أنواع التهم، بل لم يسلم منهم حتى الصحابة (رضي الله عنهم) ولا حتى أزواج الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم).

٤- إستخدام المناسبات الدينية لأغراض سياسية وتجييش الأتباع ضد المكونات الأخرى وكأن العراق ليس فيه مذاهب وأديان أخرى، مع استخدام كافة موارد الدولة للمناسابات الدينية التي تخصهم إضافة للتحريض على باقي المكونات العراقية من خلال هذه المناسابات.

5- عملية التهجير والتغيير الديموغرافي الذي بدأت منذ وصول هؤلاء الطائفيين إلى السلطة لم يحدث مثلها في جميع بلدان العالم بحيث يهجر المواطن من مدينته التي ولد وترعرع فيها بسبب مذهبه أو معتقده، بل أحيانا بسبب اسمه فقط.

إن حقيقة النظام السياسي الحاكم اليوم في العراق ما هو إلا نسخة من النظام الإيراني الذي وصل إلى السلطة بدعم غربي وأمريكي من أجل تدمير المنطقة، أما ما يقال عن التعددية والشراكة السياسية ما هي إلا كذبة لا يصدقها أبسط مواطن عراقي، علما أن هذا النظام لا يمثل المكون الشيعي العربي العلوي العراقي الذي تعايش مع بقية أبناء المكونات العراقية بكل ود واحترام وخير دليل على ما نقول ما يعانيه اليوم المعارضين الشيعة لهذا النظام المستنسخ إيرانيا بكل ما تعنيه الكلمة من إقصاء وتهميش وأحيانا بالتهديد والوعيد وما مجزرة الزركة في مدينة النجف عام ٢٠٠٧ إلا دليلا على معاناة أبناء المكون الشيعي نفسه من النظام الولائي الحاكم، كذلك ما يطلق عليهم أتباع المرجع الديني “الصرخي” كيف هدمت مساجدهم وزج بهم في السجون، إضافة للمجازر التي ارتكبت ضد شباب ثورة تشرين عام ٢٠١٩ الذي أغلبهم ينتمي إلى مناطق الوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية.

أما عن مشاركة البعض من باقي المكونات العراقية في العملية السياسية فهم مجرد ديكور لتحسين صورة هذا النظام الطائفي وإضفاء الشرعية عليه بحجة تواجدهم في الحكومة والبرلمان بينما هم أعرف بحقيقة هذا النظام كيف جاء، وكيف وصل إلى السلطة، وكيف يدير الدولة ومنهجه الطائفي الذي لا يعرف التعددية ولا يعرف الشراكة السياسية في إدارة الدولة وأن جل إهتمام النظام هو كيفية إلغاء الآخرين أو سحقهم واعتبار هذا العمل نصرا له وهدف سام قد تحقق له.

منذ ٢٠ عاما والمشاركون في العملية السياسية من باقي المكونات يطالبون بإقرار قانون العفو العام، وعودة المهجرين والنازحين، ولم يتحقق شيء رغم كل الوعود التي يعدون بها قبل تشكيل أي حكومة لكنهم ينكثون بوعودهم، أما التوازن في مؤسسات الدولة فأصبح من الماضي الذي لا يجرؤ أحد أن يطرحه اليوم في التحالفات السياسية.

لماذا جاءت أمريكا بهذا النوع من النظام لحكم العراق؟
أمريكا تدرك بأن العراق بلد متعدد ومتنوع عرقيا ومذهبيا وبتأسيس نظام طائفي إقصائي يكفي لتفكيك العراق وتمزيقه إلى كانتونات من غير أن تبذل أي جهد، كما أنها أدركت بأن هذه الجماعات المتعطشة للسلطة ونهب المال العام مستعدة لفعل أي شيء، والتنازل عن كل شيء من أجل تحقيق مآربها من هنا بدأ التوافق والتخادم بينهما.

كيف تتعامل السلطة مع باق المكونات من أجل إلغاء هويتها الدينية والوطنية؟
تستخدم السلطة عدة أساليب من أجل إلغاء الآخرين أهمها ضرب رموز المكونات العراقية الأخرى سواء بالتصفية الجسدية أو بالاعتقال حتى تفرغ الساحة من أي رمز ديني ووطني يطالب بالحقوق، كذلك تستخدم أسلوب التشهير والتسقيط من خلال الماكنة الإعلامية الكبيرة التي تديرها إضافة لما يسمى بالذباب الإلكتروني الذي وظفتهم من أجل هذه الغايات، وهناك أسلوب آخر هو التوريط في ملفات الفساد واغرائهم بالمال من أجل التنازل عن أي حقوق وهذا عادة ما يحصل مع المشاركين بالعملية السياسية وقد شاهدنا كيف أصبح من كان لا يملك شيئا قبل المشاركة صار يملك المليارات إضافة إلى الشركات والعقارات كل هذا من أجل اسكاته عن حقوق المكونات العراقية وإذا ما حاولت هذه الشخصيات التحدث عن الظلم الذي يجري تبرز له ملفات الفساد ويهدد بها من أجل اسكاته أو الزج به في السجن تحت ذريعة محاربة الفساد، أما آخر الأساليب التي تمارسها السلطة هو تغيير الهوية وخاصة للشباب والمراهقين من خلال زجهم في دورات دينية طائفية لغرض غسل ادمغتهم ومن ثم استخدامهم ضمن مشروعها الطائفي وعادة ما تقوم إيران بمثل هذا الدور من خلال السفر إليها ومن خلال السياحة الدينية.

في النهاية لا يصلح لحكم العراق أي نظام سياسي يعتمد على الطائفية والمذهبية والعرقية في إدارة الدولة بسبب تنوع العراق المذهبي والعرقي والديني، فلا بد للعراق من حاكم عادل رشيد يحترم جميع المكونات ويجعل القانون فوق الجميع بغض النظر عن انتمائه المذهبي أو العرقي أو الديني.

مقال خاص براسام