أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

وزارة التموين:
نتيجة لاستمرار موجة الاحتجاجات والتظاهرات والمصادمات بين الأهالي، استحدثت الحكومة في ١/ مايس /١٩٤٤م، وزارة التموين للسيطرة على الشؤون الاقتصادية وتنظيم التموين وذلك بمحاربة التهريب والتنسيق مع مؤسسات وزارة الداخلية.

أسندت وزارة التموين إلى (أرشد العمري)، وجاء قانون التأسيس المرقم (١٦) في الأول من مايس ١٩٤٤ والمتضمن تأسيس وزارة باسم وزارة التموين تلحق بها الدوائر التي يقرر مجلس الوزراء ربطها بها، كما جاء في مادته الثانية أن يكون (وزير التموين) عضواً في لجنة التموين العليا، ومنح رئيس الوزراء صلاحية تخويل الوزراء بالقيام برئاسة لجنة التموين العليا، عند غيابه أو انشغاله عن حضور اجتماع اللجنة، وكانت الغاية من تأسيسها الحيلولة دون تبعثر دوائر التموين وتنظيم أمورها وفق سياسة موحدة، واستناداً إلى المادة الأولى من القانون المذكور، وافق مجلس الوزراء في ١٢ حزيران ١٩٤٤م على ربط مديرية الأموال المستوردة العامة والنقليات العامة والتجهيزات الهندسية العامة بوزارة التموين.

خطت وزارة التموين خطوة جيدة لمكافحة التهريب والضرب على أيدي المهربين، وكذلك اتجهت في تلك الفترة إلى تخفيف القيود السابقة، فأصبحت شؤون التجارة الداخلية والخارجية تدار وفق الأسس التالية:

اولاً: استمرار خضوع الاستيراد وفق نظام الإجازات، وقد أصدرت وزارة التموين البيان رقم (٢٨) لسنة ١٩٤٤، والذي حدد بموجبه كافة الأموال المستوردة براً بإجازة، كما قررت الوزارة منح إجازة مفتوحة لاستيراد كافة البضائع المنتجة والمصنوعة في سوريا وشرق الأردن ومصر وتركيا والسعودية والكويت بموجب البيان رقم (٢٩) لسنة ١٩٤٥.

ثانيـــاً: الاستمرار في سياسة تسعير بعض المواد الضرورية مثل المنسوجات القطنية الخام الأسمر والأبيض، الغزل القطني، كما تم تحديد أسعار النحاس والشيلمان والمواد الفولاذية الأخرى.

ثالثـــاً: التخفيف على قيود التصدير، حيث تم السماح بتصدير بعض السلع بإجازة مفتوحة، أهمها الصوف الخام، والدبس، والقطن العراقي، والجلود، كما قررت الحكومة السماح بتصدير الذكور من الأغنام والماعز إلى خارج العراق دون إجازة وسمحت أيضاً بتصدير السمك الجري.

رابعــاً: تحديد بيع المنسوجات القطنية والشاي بالإضافة إلى السكر في الأسواق المحلية ببطاقات غذائية تطبع لهذا الغرض.

نلحظ مما تقدم أن وزارة التموين استلمت مسؤوليات خطيرة وثقيلة في ظروف معقدة، ترتبت عليها عدة واجبات، وفي مقدمتها واجب تصدير المنتوجات العراقية الفائضة عن حاجة الاستهلاك المحلي، كذلك تسعير وضبط توزيع المواد الغذائية، كما كان من واجبها الإشراف على تنظيم الاستيراد بما يؤمن الحاجة المحلية، وعلى هذا الأساس قامت وزارة التموين بإصدار عدد كبير من البيانات لغرض معالجة مشكلة التموين والسيطرة على الأسعار. لذا نلاحظ أن شؤون التموين في هذه المرحلة شهدت حالة من الانتعاش والاستقرار النسبي نتيجة هبوط الأسعار وتوفر المواد المستوردة الغذائية منها والضرورية، استمرت لمدة أربعة أشهر تقريباً، إذ سرعان ما عاد الوضع إلى سابق عهده، فأصبحت هناك أزمة السكر بسبب عدم التزام شركة المملكة المتحدة بتوفير حاجات العراق من السكر، مما اضطرت الحكومة إلى إنقاص حصة السكر للفرد الواحد من كيلو واحد شهرياً إلى (٧٥٠) غرام شهرياً، وكان السكر الذي يوزع من النوع الرديء الممزوج بمواد غريبة (السكر الأحمر) لذا فإن هذه الوزارة لم تستطيع وقف تذمر الشعب منها، كما ازدادت شكاوي المواطنين نتيجة غلاء الأقمشة لا سيما من قبل أهالي الريف الذين كانوا لا يجدون ما يستر أجسادهم لعدم شمولهم بنظام البطاقات، لكن الحكومة لم تتمكن من وضع الحلول الناجحة لها، إذ ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية المتوفرة في العراق بمعدل ٨٠٠٪ وهذا لم يكن يتناسب مع القوة الشرائية للشعب.

من جانبها عانت شؤون الوزارة من الارتباك والفوضى الشيء الكثير فعلى سبيل المثال، شغل منصب الوزارة أربع وزراء خلال فترة أقل من ستة أشهر، إضافة إلى أن الوزارة لم تتمكن من ربط جميع المديريات بها حسبما جاء في الغاية من إنشائها، فمثلاً بقيت مديرية الحبوب تابعة لوزارة الداخلية، وهذا شكل عاملاً مضافاً في ارباك أعمالها. مما دفعت الحكومة بالاعتراف صراحة بفشلها في حل مشكلة التموين حسبما جاء في خطاب العرش في ٢ / كانون الأول / ١٩٤٤م، ونظراً لتقلص مهامها بسبب رفع قيود السيطرة والمراقبة على معظم مواد التموين، قررت الحكومة إلغاء أكثر من (٨٠) وظيفة، وطلبت من المتصرفيات تقليص عدد موظفي التموين والمستخدمين لديها إلى الثلث وإيقاف التعيينات الجديدة، على أثر ذلك قررت وزارة الداخلية إلغاء شرطة التموين بسبب تقلص أعمال التموين، ورفع السيطرة عن معظم مواد التموين وتم توزيع أفرادها على الشرطة المحلية في بغداد وباقي الألوية (المحافظات)، فضلاً عن الانتقادات التي وجهتها الصحافة المحلية للحكومة بضرورة إلغاء وزارة التموين لانتفاء الحاجة إليها، بسبب فشل الوزارة في إداء مهامها التموينية، وبالفعل ألغيت هذه الوزارة في ١١ تشرين الأول ١٩٤٨م.

في الحلقة القادمة سنوف نتطرق إلى أسباب فشل وزارة التموين في عملها.

مقال خاص براسام