شاهو القره داغي
يحتل العراق صدارة القوائم الدولية فيما يتعلق بأعداد المغيبين والمفقودين بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ووفقاً لمعلومات المرصد العراقي لحقوق الإنسان فإن “أكثر من ١١ ألف عائلة عراقية أبلغت عن أفراد فيها فقدوا واختفوا خلال السنوات الثمانية الماضية” وكانت أكثر البلاغات تتعلق بالفترة بين عامي (٢٠١٧ – ٢٠٢٢) “، ويتضح من خلال المعلومات الصحفية أن أعداد المغيبين ليست أعدادا قطعية بل هي تقريبية، حيث يتواجد الآلاف من العوائل التي فقدت أبناءها خلال المعارك والصراعات ولم تنجح في إبلاغ الجهات الرسمية عن أبنائها المغيبين، إضافة إلى غياب الجهد الحكومي لإجراء إحصاء دقيق ومعرفة أعداد المغيبين الذين يقدرون بعشرات الآلاف اختفوا خلال السنوات الماضية.
تصر عوائل المغيبين في العراق على مطالبة السلطات الرسمية والجهات الدولية بالتعاون للكشف عن مصير أبنائهم، وتنتظر الكثير من العوائل حتى اليوم عودة أبنائهم الذين فقدوا أثناء وبعد انتهاء المعارك ضد تنظيم داعش، وعلى الرغم من تعهد حكومات بغداد بمعالجة هذا الملف، إلا أنها عجزت عن الكشف عن مصير المغيبين واقتصرت على منح بعض الوعود والتعهدات التي كانت تهدف بالأساس لامتصاص غضب الشارع العراقي وتأجيل المشكلة إلى الحكومات القادمة.
في أغسطس عام 2020 أكد رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي أن ممارسات غير قانونية تمارس ضد العراقيين، وتعهد بمتابعة ملف المغيبين قسراً بصورة جدية، جاء ذلك خلال لقائه بعدد من ذوي المغيبين من محافظتي صلاح الدين والأنبار ومدينة الصدر في بغداد، وذكر الكاظمي حينها أنّ ” الكثير من الممارسات غير قانونية بل هي ذات طبيعة إجرامية كنا نعتقد أنها قد ولّت مع زوال النظام السابق، لكنها ما تزال تمارس، وهي مرفوضة مهما كانت أسبابها والجهة التي اقترفتها، وهي تمارس تارة لأسباب طائفية ونزاعات عبثية، وتارة أخرى بسبب عصف سياسي تتسبب بتغييب شباب ما زالت عوائلهم بانتظارهم “، موضحاً أنّ ملف المغيبين قسراً يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان.
كان لدى الكاظمي صورة واضحة عن حجم الكارثة ومعرفة عن مخاطر تأجيل هذه الملفات المهمة والشائكة وضرورة التعامل معها بصورة سريعة، وعلى الرغم من تجاوبه ظاهريا مع ذوي المغيبين وإطلاقه تصريحات متضامنة معهم، إلا أن حكومته فشلت في الاستجابة لمطالب ذوي المغيبين نتيجة لوجود أطراف قوية توفر حصانة للأطراف المتورطة بارتكاب تلك الجرائم، ونجحت في عرقلة الجهود الحكومية لمتابعة هذا الملف بصورة جدية، ما دفع حكومة الكاظمي إلى تأجيل هذا الملف إلى الحكومة الجديدة دون مراعاة لمشاعر الأهالي.
ومع انتظار ذوي المغيبين أداء الحكومة الجديدة بخصوص قضيتهم الإنسانية والتي تحولت إلى أداة للمتاجرة السياسية أيضا، جاءت تصريحات رئيس البرلمان محمد الحلبوسي لتشكل صدمة لأهالي المغيبين والمنظمات الحقوقية الداخلية والخارجية، حيث قال الحلبوسي في لقاء تلفزيوني: “يجب أن نُصارح الناس بحقيقتهم (ويقصد المغيبين)، ونغيّر اسمهم أولاً إلى المغدورين وليس المغيبين: مغدورين فارقوا الحياة”، وقال الحلبوسي أيضا:” يجب على الدولة إنصاف ذويهم وشمول عوائلهم بقانون ضحايا الإرهاب، وبالتعويض، أما الاستمرار بتضليل عوائلهم منذ 2014 ولغاية الآن، فغير صحيح… غُيّبوا وتمّ اغتيالهم في تلك الفترة”، وأضاف: “لأكون أكثر جرأة مع الناس الذين خسروا ذويهم وأبناءهم… لا ينبغي أن يُستخدم الملف للقدح السياسي ومنح أهلهم أملاً بعودتهم، فهذا غير صحيح”.
تعتبر تصريحات رئيس البرلمان بخصوص مصير المغيبين أول اعتراف رسمي على مستوى عال بإنهاء هذا الملف وتصفية المغيبين على يد الميليشيات الطائفية الموالية لإيران، والتي تحتفل اليوم بالانتصار على داعش وتريد أن تنسب الإنجازات الأمنية لنفسها، بينما تورطت في الحقيقة بارتكاب العديد من الجرائم ومنها تصفية الآلاف من المواطنين والمدنيين الذين ينتظر ذويهم عودتهم حتى اليوم.
من المستغرب أن يقتصر موقف رئيس البرلمان على هذه التصريحات ومطالبة الحكومة بتعويض ذوي الضحايا، وخاصة أن الأمر يتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ومخالفات واضحة للقوانين المحلية والدولية، إضافة إلى تسويق هذه الزعامات لنفسها على أنها تمثل مكونا كاملاً وتقدم نفسها كزعامات سنيّة تدافع عن حقوق المحافظات المنكوبة والمدمرة، إلا أن حرص هذه الزعامات والقيادات على المناصب والمكاسب والامتيازات حوّلهم إلى شخصيات فاقدة للتأثير وأصبح واجبهم يقتصر على إصدار البيانات واطلاق وعود وتعهدات لا تُنفذ، والدخول في مناكفات وصراعات داخلية وعدم التجرؤ على الدفاع عن حقوق الآلاف من ذوي الضحايا، وخاصة إذا كان الخصم من الفصائل والجماعات المسلحة التي تمتلك حصانة شرعية وقانونية وتمارس نشاطاتها الغير قانونية دون أي اكتراث للدولة ومؤسساتها القضائية والأمنية.
وبغض النظر عن مدى صحة ودقة تصريحات رئيس البرلمان وأسباب الكشف عن هذه المعلومات في الوقت الحالي، إلا أنه رفع الستار عن مصير العراقيين في ظل المنظومة السياسية الحالية التي فشلت في حماية حياة العراقيين، حيث بات المواطن بين مغيّب ومغدور على يد جهات مسلحة ترفع شعار حماية الأرض والعرض بينما تمارس في الواقع تجاوزات وانتهاكات إنسانية وقانونية في كل بقعة جغرافية تصلها.
مقال خاص براسام

