أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
مشاكل التموين:
ساهم في مشاكل التموين سيطرة اليهود خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، سيطر اليهود على الوظائف الإدارية في القطاعات الاقتصادية في العراق، مثل قطاعات سكك الحديد ودوائر ميناء البصرة وكذلك الكمارك والمكوس، أما بالنسبة للتجارة فقد لعب اليهود دوراً سلبياً مقيتاً زاد في تعقيد مشاكل التموين، إذ تعاون اليهود مع بريطانيا في سبيل الاستئثار بتجارة الاستيرادات من خلال سيطرة الموظفين البريطانيين على مديرية المستوردات العامة التي كانت تمنح إجازات الاستيراد للتجار اليهود، ففسحوا لهم المجال بالسيطرة على التجارة والتلاعب بالأسعار، ومن الوسائل الأخرى التي اعتمدها اليهود في تعاملهم هي الغش والرشوة التي أفسدوا بها أخلاق بعض رجال الدولة والموظفين، مما أثقل العبء على كاهل الفئات الفقيرة.
أولى البضائع التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير هي (السكر)، فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الحكومة للسيطرة على عملية توزيعه، وضبط أسعاره، فقد اتخذت مديرية التموين قراراً بتوزيعه بنظام البطاقات، فأصدرت القرار المرقم رقم (٥) لسنة ١٩٤٢م، وقامت مديرية التموين بطبع بطاقات توزع بموجبها السكر على الأهالي، إذ قامت بإعطاء دفتر لكل صاحب أسرة، يسجل فيه اسمه ورقم داره، وعدد أفراد أسرته، وتعطى له بطاقة بكمية السكر التي خصصت له ولأسرته، ولم يقتصر ارتفاع الأسعار على السكر وحده، وإنما شمل مختلف المواد الغذائية، والمواد الإنشائية إذ ارتفعت أسعار المواد الإنشائية على أثر انقطاع استيراد الحديد من أوربا، تحول العراق إلى استيراد هذه المادة من الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي تسبب في ارتفاع أسعاره ارتفاعاً كبيراً، وهذا أدى بدوره إلى فتور الحركة العمرانية، كما ارتفعت أسعار السلع كالأقمشة والأحذية، أما الأقمشة فقد شهدت ارتفاعا فاحشاً في الأسعار، فاضطر الناس إلى ارتداء مادة الجنفاص (الكواني) وصارت أجساد الأطفال العارية منظراً مألوفا في المدن والقرى العراقية.
ونتيجة لتفاقم أزمة التموين وارتباك الأسعار، أعلن نوري السعيد في خطابه من دار الإذاعة في ٢٨ / تشرين الثاني م ١٩٤٣م عن خطة الحكومة وتدابيرها لمعالجة مشكلة التموين وحددها بما يلـــــي:
أولا: زيادة استيراد المواد إلى العراق قدر المستطاع.
ثانياً: مراقبة هذه المواد مراقبة دقيقة لتأمين بيعها بأسعار مناسبة.
واتخذت الحكومة العديد من الإجراءات والتدابير لتنظيم شؤون التموين على أسس جديدة، فقامت بتعيين العقيد (بي بيليس) البريطاني الجنسية مديراً عاما للأموال المستوردة ومشاوراً اقتصادياً للجنة التموين العليا، والذي قام بدوره باختيار مجموعة من الموظفين البريطانيين الذين لهم خبرة في شؤون العراق، كما قام بإجراءات عديدة كتحديد الأسعار وغيرها.
لم تستطع الإجراءات الحكومية من الوقوف بوجه تدهور شؤون التموين، فقد بقيت الأسواق تعاني من شحة البضائع والمواد وارتفاع أسعارها، كما أدى الموظفون المستخدمون البريطانيون دوراً كبيراً في تفاقم مشكلة التموين، إذ كانوا على سبيل المثال يأذنون باستيراد بضائع قد لا يستفيد منها العراق ولكنها كانت من مقتضيات مصلحة بريطانيا، وكما انهم لم يراعوا العدالة في توزيع إجازات الاستيراد على التجار، حيث أنهم كانوا يمنحون أغلبها إلى التجار اليهود.
كما كان لتزايد القوات البريطانية التي بلغ تعدادها عام ١٩٤٢م (١٠٠ ألف) جندي بريطاني، واعتمادها في تموينها على العراق، أدى إلى شحة البضائع الاستهلاكية، فضلاً عن التضخم النقدي بحيث ازدادت العملة المتداولة زيادة كبيرة نتيجة لازدياد رؤوس الأموال المستغلة في التجارة ونفقات القوات البريطانية في العراق.
وعانى الشعب من مسألة خطيرة أخرى وهي أزمة الخبز وكيفية الحصول عليه، وترجع أسباب أزمة الخبز إلى عوامل طبيعية أولها الجفاف غير الاعتيادي الذي أصاب المناطق الشمالية بصورة مباشرة نتيجة تعرضها لآفة الجراد وقلة سقوط الأمطار، فضلاً عن عمليات التهريب للحنطة والشعير خارج العراق بدعم عصابات ذوي النفوذ، فمثلاً كانت الحبوب تهرب إلى الصهاينة وتمدهم بما يحتاجون.
كان الناس في تلك الفترة يشتكون من نوعية الطحين بسبب تلاعب أصحاب المعامل بخلطه بمواد غريبة كسحالة الرز والشعير، لذا ضج الناس وفي مقدمتهم الموظفون إذ قاموا برفع شكاوى إلى الجهات المختصة، وقد تعقدت مشكلة الخبز بعد أن اقتصرت مديرية التموين على تجهيز المخابز وحدها بالطحين المخلوط، واكتفت بتوزيع الشعير على الأهالي، بحجة أن لديها فائض من الشعير تود تصريفه.
بلغ تدخل الحكومة في شؤون التجارة أقصى الحدود من دون إجازة وأوجبت على المنتجين تسجيل اسم وعنوان المشتري والكمية المباعة وتاريخ البيع، وتم حصر إجازات البيع بالمفرد للحبوب بمديريات التموين رؤساء أمانة العاصمة في بغداد والبلديات في الألوية الأخرى.
وهكذا كان لمشكلة التموين آثارا على عدم الاستقرار السياسي وحصول تذمر شعبي، أدى إلى وقوع مصادمات بين الأهالي والشرطة وتسببت في استقالة نوري السعيد (رئيس الوزراء) في الثالث من تشرين الأول ١٩٤٢م، إذ جاء في كتاب الاستقالة نشوء بعض الخلافات في وجهات النظر، حول بعض الأمور المهمة كقضايا التموين.
المصادر المعتمدة:
– جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق (١٩٤٥- ١٩٥٣م)، (بغداد، ١٩٧٣م).
– مظفر عبد الله الأمين، الأوضاع الاقتصادية في العراق خلال الحرب العالمية الثانية، دار المنظومة، مجلد (١٥) ، العدد (١) ١٩٨٣م.
– عبد الرحمن الجليلي، محاضرات في اقتصاديات العراق، (الجامعة العربية، معهد الدراسات العربية، ١٩٥٥م).

