أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

المؤتمر الإسلامي العام بالقدس الشريف عام ١٩٣١م:

نشأت فكرة عقد المؤتمر العام بمناسبة ارسال لجنة البراق الدولية للتحقيق في قضية حائط البراق، والبراق حائط يحد المسجد الأقصى من جهة الغرب وله قيمة كبيرة عند المسلمين، وبعد الحرب العالمية الأولى أخذ اليهود يسعون لتثبيت حقوق واسعة لهم في هذا المكان، فقاموا باستفزاز المسلمين حول هذا الحائط مما أدى إلى وقوع مصادمات دموية بين العرب واليهود وتطورت المصادمات وأدت إلى قيام العرب في ٢٣ آب ١٩٢٩م، بانتفاضة ضد اليهود عمت جميع المدن الفلسطينية.

أقرت لجنة البراق الدولية للتحقيق في قضية حائط البراق ملكية المسلمين للحائط وحق تصرفهم فيه، وعلى أثر هذا الإقرار المؤتمر دعا مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني إلى عقد مؤتمر إسلامي بهدف إثارة اهتمام الرأي العام الإسلامي العالمي بقضية فلسطين وعُقد في القدس سنة 1931.

شارك العراق في هذا المؤتمر بوفد مكون من شخصيات معروفة بينهم شخصيتان موصليتان هما (سعيد الحاج ثابت ومحمد حبيب العبيدي)، عقد المؤتمر في ٧ كانون الأول ١٩٣١م واستمر لغاية ١٧ منه وعقدت سبعة عشر جلسة، واختير مفتي فلسطين (محمد أمين الحسيني) لرئاسة المؤتمر.

ساهم (سعيد الحاج ثابت) بدور فاعل في المؤتمر من خلال ما أبداه من آراء سديدة تجاه القضية الفلسطينية، ففي جلسة المؤتمر السابعة المنعقدة في١١كانون الأول، أشار (سعيد الحاج ثابت) إلى الأكاذيب التي يروجها الصهاينة عن المؤتمر وعن القضية الفلسطينية وذكر في معرض الاستدلال ما اختلقوه من انسحاب الوفد العراقي من المؤتمر وطلب العمل على قطع هذه المفتريات قائلاً:
“إن أعداء المؤتمر من الصهاينة يدسون ويكيدون له ويكذبون على المؤتمر، وأعتقد أن السكوت على تهمهم وأكاذيبهم يضر بسمعة المؤتمر”. كما طالب (سعيد الحاج ثابت) في الجلسة المنعقدة في ١٦ كانون الأول ١٩٣١م، مناصرة الشقيقة فلسطين في جهادها ضد الصهيونية وضرورة الدعم المادي والمعنوي لها، واتخذ المؤتمر قرارات عدة منها تأليف لجان في الأقطار العربية للدفاع عن فلسطين.

دعا (سعيد الحاج ثابت) عند العودة إلى العراق إلى تأليف فرع للمؤتمر الإسلامي تنفيذاً لقرارات المؤتمر، فقدم (الحاج ثابت) وعدد من رفاقه منهم: الحاج نعمان الأعظمي، ومحمد عبد الحسين آل كاشف الغطاء طلباً إلى وزارة الداخلية لتأسيس جمعية باسم “جمعية المؤتمر الإسلامي في العراق” ووافقت الوزارة المذكورة على الطلب في ١ نيسان ١٩٣٣م، وتألف النظام الأساسي للجمعية من سبعة فصول و (٢٢) مادة، تضمنت المادة الثانية على أن غاية الجمعية: “بث روح التعاون بين المسلمين على اختلاف مواطنيتهم وحماية المصالح وحماية المقدسات الإسلامية”.

عقدت الهيئة العامة لجمعية المؤتمر الإسلامي العام اجتماعها الأول في ٥ مايس ١٩٣٣م، وانتخبت هيئة إدارية من بين أعضائها التي فاز فيها فضلاً عن سعيد الحاج ثابت كلاً من: نعمان الأعظمي، حسن رضا، إبراهيم الواعظ، محمد بهجت الاثري، ماجد القره غولي، هاشم الآلوسي، عبد الحسين الازري، كمال الدين الطائي، وتم انتخاب سعيد الحاج ثابت (أميناً للسر).

مارست الجمعية نشاطاتها وفعالياتها، وكانت باكورة أعمالها الاحتفاء بوفد المؤتمر الإسلامي العام برئاسة الحاج محمد أمين الحسيني (رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين) وألى (سعيد الحاج ثابت) كلمة مرحبا بالوفد وأشار إلى ما تعانيه فلسطين من نكبات من جراء تسلط الصهيونية، كما دعا العراقيين إلى جمع التبرعات اللازمة لإنشاء الجامعة الإسلامية في فلسطين، ثم أعقبه مفتي فلسطين (محمد أمين الحسيني) بخطبة حث فيها الأمة العربية على الاتحاد والنهضة، ودعا إلى دعم القضية الفلسطينية عن طريق جمع الإعانات والتبرعات من أجل إنشاء جامعة (المسجد الأقصى) وتم تأليف لجان فرعية في بغداد مهمتها جمع الإكتتابات والتبرعات.

أولى الموصليون اهتماماً كبيراً في التطورات الداخلية في فلسطين، فعلى أثر استيلاء الصهاينة على أراضي (وادي الحوارث) الواقعة في الساحل الغربي من قضاء طول كرم وهي عبارة عن أراضي زراعية خصبة تبلغ مساحتها (٤٠) ألف دونم، وكانت تملكه أسرة (سرسق) اللبنانية وتمكن الصندوق القومي اليهودي من شرائه من هذه الأسرة بمبالغ كبيرة.

أقدم الصهاينة على طرد أصحاب (وادي الحوارث) الأصليين عنوة، وشاركت الصحافة بالكتابة عن الموضوع، مطالبة الشعب العربي مساندة ومؤازرة أشقائه الفلسطينيين وقامت مظاهرات مساندة لفلسطين في الأقطار العربية.

ففي العاصمة بغداد قدم (سعيد الحاج ثابت) طلباً إلى وزارة الداخلية للموافقة لعقد اجتماع في جامع الحيدر خانة لمساندة القضية الفلسطينية وتقديم المساعدات إلى عرب وادي الحوارث فوافقت الوزارة على الطلب.

في يوم (١٤ تموز ١٩٣٣م) عقد الاجتماع في جامع الحيدر خانة حضرته جموع غفيرة من العراقيين فافتتح الاجتماع (سعيد الحاج ثابت) بكلمة بيّن فيها أن الغاية من الاجتماع هي تنبيه الناس إلى ما يحل بفلسطين الشقيقة من أمور خطيرة وما يعانيه العرب من فلسطين على أيدي المستعمرين الصهاينة وطالب بمقاطعة البضائع الصهيونية في العراق، وتأليف لجان بجمع التبرعات، وألقى المحامي الموصلي محمد يونس السبعاوي كلمة شرح فيها قصة (وادي الحوارث) التي تسببت عملية رهن الأرض في ضياعه، ثم ربط هذا الحادث بالحالة السياسية في العراق وعد الذين عقدوا المعاهدة مع بريطانيا لا يختلفون عن ذلك الشيخ الجاهل الذي رهن أرض الوادي، وطالب العرب بإنقاذ فلسطين من براثن الصهيونية.

كما أقام الشباب الموصلي تجمعا جماهيريا في جامع النوري الكبير في الموصل لتدارس قضية فلسطين وحالها بعد حادثة (وادي الحوارث)، وألقى الشيخ عبد الله أفندي رئيس العلماء خطاباً أشار فيه إلى حالة البلاد العربية وما آلت إليه من تأخر وفتور في الهمة لاسيما اتجاه فلسطين، وأعقبه (الأستاذ عبد المنعم الفلاحي) الذي ألقى خطابا حماسياً استعرض فيه ما حل بفلسطين وأهلها، وكيف استولى الصهاينة على أرض وادي الحوارث. ثم ألقى (الأستاذ عبد الجبار الجومرد) قصيدة مثيرة تضامنا مع الشعب العربي الفلسطيني، اعتبرت في حينها من أنضج القصائد التي تناول فيها الأمة العربية في حاضرها وماضيها، مندداً بما صنعه الأعداء، وهو في البدء يثير السامع وينبهه على الإصغاء للشكوى ويشير بشجاعة إلى أهمية نطق (الحقيقة) دون مواربة:

من سامع فأبث شـكوى لم تـزل *** بين الضلوع دفينة الآمها
لن أخشى إن قلت الحقيقة نادماً *** أو لام فـيما قـلته لوامـها

ويتساءل (الجومرد) مستغرباً عن كيفية تعود الناس على الكلام دون الفعل، منتقداً ما تفعله الأحزاب والجرائد التي وصفها بـ (المأجورة) وقتئذٍ من إقتتال لغرض إلهاء الناس عن مجريات الأمور:

إنـا تـعـودنـا فـألسـن *** ثرثارة في الكذب بات غرامها
يتطاحنون لمقصد ومآرب *** ولـكـل نفـس غـايـة ومـرامـها
وهل ارتقت للمجد إلا أمة *** كثرت أفعالها وقل كلامها

ويعود (الجومرد) إلى فلسطين وما أصابها ويبين أن الجميع في البلوى سواء:

هذي فلسطين تسيل جروحها *** وكذا يئن عراقها وشامها
في كل يوم نكبة وكأنما *** خلقت موارد حسرة أيامها
كأن (محمد) في قبرها *** غضبى تتسائل (لم) وهي إسلامها؟

وفي تضمين قصيدته لروح الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) إشارة إلى القيم الروحية السامية التي حملتها الأمة للإنسانية وهو يتساءل عن الضراغم التي عرفتها الأمة وهل خلت من عرائنها أم مضت في أجلها إلى غير رجعة؟

كما أقام طلبة مدارس الثانوية بالموصل في يوم ٣ تشرين الثاني ١٩٣٣م مظاهرة سلمية طافت شوارع المدينة احتجاجا على حوادث فلسطين، وكان المتظاهرون يرفعون اللافتات وقد كتبت عليها شعارات من قبيل: (لبيك فلسطين .. فلتسقط الصهيونية)، وعلت أصواتهم (لبيك يا فلسطين).

وفي إطار موقف الجمعيات بادر فرع جمعية الشبان المسلمين بالموصل إلى رفع احتجاج شديد اللهجة على ما يحدث في فلسطين وأرسلوا نسخة منه إلى المندوب السامي في فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية العربية وحزب الإستقلال العربي الفلسطيني وإلى قناصل ومفوضي الدول الأجنبية مبينين أن سبب الاحتجاج هو كون سلب فلسطين من أهلها بجعلها وطناً قوميا لليهود أمراً مخالفا للقوانين الوضعية والشرائع السماوية.

وبلغت مواقف الموصليين في الدفاع عن فلسطين أوجها إبان الثورة الفلسطينية الكبرى بدايتها عام ١٩٣٣م وتوجت عام ١٩٣٦م، حيث قام بعض المثقفين الموصليين منهم: محمد يونس السبعاوي، سعيد الحاج ثابت، محمد حبيب العبيدي، عبد الجبار الجومرد، عبد المنعم الفلاحي، بدور مهم في قيادة النضال ودعم القضية الفلسطينية – كما سنرى في الحلقة المقبلة-

المصادر المعتمدة:

– عباس عطية جبار، العراق والقضية الفلسطينية١٩٣٢ – ١٩٤٤م، مطبعة الجامعة، بغداد،١٩٨٣.

– عبد التواب أحمد سعيد، العراق والقضية الفلسطينية ١٩٣٦ – ١٩٤٧م، كلية الآداب، جامعة عين شمس، ١٩٧٨م.

– عادل حسن غنيم، تطور الحركة الفلسطينية (١٩١٧ – ١٩٣٦م)، (القاهرة، ١٩٧٤م).

– نوري أحمد عبد القادر، الموصل والحركة القومية العربية، ١٩٢٠ – ١٩٤١م، رسالة ماجستير، جامعة الموصل، كلية الآداب، ١٩٨٨م.