نظير الكندوري
نادى العراقيون منذ الأيام الأولى لتظاهراتهم التشرينية عام 2019، بإجراء انتخابات مبكرة، بسبب ما شاب انتخابات عام 2018 من عمليات تزوير كبرى وعزوف شعبي منقطع النظير عن المشاركة فيها، واشترط العراقيون، أن يتم قبل ذلك، إجراءات حصر السلاح المليشياوي المنفلت، وتأمين العملية الانتخابية المبكرة من أي شيء يمكن أن يطعن بنزاهتها، لكن الذي حصل أن هذا النظام استغرق ما يقارب السنتين ليقرر اجراء انتخابات مبكرة، في تاريخ لا يسبق موعد اجرائها الطبيعي سوى ستة أشهر، مع تسويف لمطالب الجماهير في حل المليشيات وحصر سلاحها المنفلت، أو تقديم قتلة المتظاهرين للعدالة، ومن دون محاسبة الفاسدين، كما أراد المتظاهرون.
بل طالب النظام كافة العراقيين خوض الانتخابات جنبًا إلى جنب مع القتلة والفاسدين، ومن دون ضمانات بعدم تزوير الانتخابات كما هو الحال في كل مرة، وحتى من دون تفعيل قانون الانتخابات الذي يفرض على الأحزاب العراقية نشر مصادر تمويلها، وتجريم كل حزب يقوم بالتواصل مع دول الجوار وأخذ الدعم منهم.
إن أية مشاركة من التشرينيين والأحزاب المعارضة للنظام السياسي الحالي في الانتخابات، سيكون مصيرها الفشل، وستوفر مشاركتهم للنظام، مبررات جيدة للاستمرار بالحكم، كما ستوفر الشرعية لبقائه، وبقاء وضع العراق على ما هو عليه دون تغيير نحو الأفضل.

لماذا يرفض العراقيون المشاركة بالانتخابات؟
استنادًا إلى تلك الأسباب، واستنادًا لتاريخ هذا النظام في الفساد والعمالة والقتل، يرفض العراقيون اليوم المشاركة بالانتخابات “المبكرة” القادمة، لأنها بالإضافة للشكوك الكبيرة في نزاهتها، يُرجح إنها ستفرز نظامًا تُسيطر عليه المليشيات والجماعات المسلحة بشكل كبير، فهذه المليشيات التي تُسيطر على مساحات كبيرة من المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش، تمارس الترهيب ضد أهالي تلك المناطق لإجبارها على انتخابهم، وفي حال امتناعهم عن ذلك، تقوم تلك المليشيات بتهجيرهم من مدنهم وقراهم.
تشير التوقعات، أن المليشيات والجماعات المسلحة، سيحصلون في الانتخابات القادمة، على ما لا يقل عن 75مقعدا في البرلمان القادم، حيث قامت هذه المليشيات، بترشيح ما يزيد عن 300 مرشح تُمثل 20 فصيلًا مسلحًا منضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي، لخوض الانتخابات. متجاهلين في ذلك قانون الأحزاب الذي تعتمد عليه المفوضية في إجراءات التسجيل، والذي يمنع بشكل واضح، مشاركة أي حزب أو جهة سياسية بالانتخابات إذا كان لديها جناح مسلح، حيث اشترطت المادة الثامنة من الفصل الثالث من قانون الأحزاب، بأن لا يكون تأسيس الحزب أو التنظيم السياسي وعمله متخذاً شكل التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية، كما لا يجوز الارتباط بأي قوة مسلحة، وهذا يتوافق أيضًا مع المادتين (7) و(9) من الدستور العراقي.
أما إذا أضفنا هذه المقاعد البرلمانية المتوقعة للمليشيات، إلى المقاعد المحجوزة للأحزاب الشيعية سلفًا، فإننا أمام مشهد برلماني قادم، تُسيطر عليه أغلبية نيابية مُشكلة من الجماعات والأحزاب الموالية لإيران، وستفرز حكومة، هي أسوء من الحكومة الحالية أو الحكومات السابقة.
وبالتالي، كيف يمكن للعراقيين والوطنيين أن ينافسوا من يمتلك السلاح ويستخدمه للوصول إلى السلطة؟ في الوقت الذي لا يمتلك الوطنيون، لا سلطة ولا مال سياسي ولا جماعات مسلحة، الأمر الذي جعلهم يرفعون شعار “لا للانتخابات” تعبيرًا عن رفضهم لها وطعنًا بنزاهتها.

النظام الحالي يستمد شرعيته من المجتمع الدولي وليس من الشعب
الحقيقة المهمة الأخرى التي تفسر الواقع السياسي العراقي، هي أن النظام السياسي الحالي في العراق لا يستمد شرعيته من الانتخابات، بالرغم من ترويج أحزاب السلطة لهذه الكذبة الكبيرة. ففي هذا الشأن، نقل موقع “ميدل ايست آي” عن أحد مقربي فريق الكاظمي قوله، أن “النظام السياسي في العراق لم ولن يحصل على شرعيته من خلال الانتخابات، إنما يستمد شرعيته من المجتمع الدولي الذي منحها إياه”، مضيفًا إن “شرعية النظام ستكون مهددة، إذا ما وصلت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الى استنتاج، أن العراق أصبح قضية خاسرة، ولا فائدة من الاستمرار في دعمه، حينها سينهار النظام ويتحول العراق إلى دولة طوائف”.
ويمكننا أن نستنتج من هذا الاعتراف الخطير من دائرة الكاظمي الخاصة، أن أقطاب النظام على دراية وثقة بأن مصير نظامهم مرهون بالدول التي اسسته عام 2003، ومتى ما نفضت تلك الدول يدها عنه، فإن مسألة سقوطه على أيدي العراقيين، لن يستغرق وقتًا طويلًا.
وهذا يعني أيضًا، إن النظام يُراد له إعادة تدويره عبر الانتخابات القادمة، سواءً شارك العراقيون أم لم يشاركوا، وسواء رفضت قوى المعارضة المشاركة أم لم ترفض، إنما ستكون مشاركتهم لأغراض إعلامية ليس أكثر، تُظهر للإعلام الخارجي بأن هناك عملية ديمقراطية قد تمت وأخرجت ممثلين عن الشعب. وبالتالي، فإن مشاركة الشعب العراقي والمعارضين لهذا النظام، لن تسهم في وصول المخلصين لسدة الحكم، إنما ستكون كفيلة في تسقيطهم شعبيًا، ورفع حالة اليأس من التغيير عند الشعب العراقي.

كيف السبيل لسحب شرعية النظام العراقي؟
إن الشعب العراقي المناضل، والمعارضين لهذا النظام الفاسد، إذا ما أرادوا التخلص من هذا النظام وسحب شرعيته المزعومة، فعليهم أن يثبتوا للعالم بأن هذا النظام لم يعد مفيدًا للمجتمع الدولي، إنما على العكس سيكون ضارًا بمصالحهم، وأن من مصلحتهم أن يتعاملوا مع نظامٍ يُمثل الشعب العراقي بكل أطيافه.
يأتي ذلك من خلال رص صفوف جميع العراقيين والاتفاق على آليات شعبية ثورية تؤدي هذا الغرض، وفي رأينا إن تفعيل العصيان المدني بكل أنواعه، هو وسيلة فاعلة لإصابة النظام بحالة الشلل، للدرجة التي لا يستطيع فيها الصمود والاستمرار في السلطة، ولا يعود فيها مفيدًا لتلك الدول الداعمة له. إن احدى أهم فقرات العصيان المدني، هي رفض المشاركة بالانتخابات النيابية، أو أي ممارسة يريد النظام فرضها على الشعب العراقي، والامتناع عن أي تعامل مع مؤسسات النظام، حتى اسقاطه. فالعصيان المدني وخاصة رفض الانتخابات، هو البوابة التي تفتح أمام العراقيين أبواب مرحلة التغيير الشامل في بلادهم.

مقال خاص براسام