د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مدخل القسم الثاني : تطرقنا في القسم الأول الى أن العراق تعرض الى انتشار الأوبئة والأمراض المتعددة، تطرقنا الى مرض الطاعون بينا الاسباب لانتشار هذه الامراض والتدهور الصحي .

نتطرق في القسم الثاني الى الأمراض الاخرى ومن أهمها : الهيضة، الكوليرا، التدرن الرئوي (السل)، الحصبة وغيرها من الأمراض.

–           الهيضة (الكوليرا) :

تفشى هذا المرض في بغداد ومدن ومناطق العراق من شماله الى جنوبه للفترة من (1236هـ -1820م) وحتى (1336 هـ – 1917م). فقد تفشى هذا المرض بشكل كبير في عام (1307 هـ – 1889م) وقد تم توثيق الأوضاع الصحية في العراق في تقرير طبي عثماني بسبب هذا المرض. ولأهميته نورد بعض الفقرات من التقرير : “… حسب السجلات الرسمية في أواسط شهر تموز بدء ظهوره في الشطرة وبعد أن أدى الى حضور وفيات عديدة اندفع الى الناصرية والى سوق الشيوخ والعرجة والسماوة، وانتشر بعد ذلك بين العشائر الشامية، ومنها انتشر في الحلة وكربلاء، ثم الى مركز الولاية بغداد، بعد أن ترك وراءه كثيرا من الضحايا ثم امتد تأثيره الى الشمال. كذلك تفشى المرض في كركوك وقضى على ألف نسمة من سكانها وانتقل من هناك الى السليمانية”. وأضاف التقرير: ” ان مجموع نفوس بغداد البالغ عددهم نصف مليون نسمة اصيب منهم (7000) توفى منهم (3516) شخص…” .

كما تفشى وباء الهيضة (الكوليرا) سنة (1328 هـ – 1910 م) في بغداد وباقي مدن العراق، مما أرهق الزوار الأجانب بسبب تشدد السلطات العثمانية في عملية الحجر الصحي ومدته.

كما تفشى مرض الهيضة (الكوليرا) في البصرة خلال فترة الاحتلال البريطاني شتاء (1335 هـ -1916م) وربيع (1336 هـ -1917م) مما أثقل كاهل المدينة من الأهالي والمؤسسات الصحية فيها راح ضحيته الكثير من الأرواح. وفي السنة ذاتها تفشت الهيضة في بغداد، وكان احد الذي أصيبوا بها القائد العسكري البريطاني (ستانلي مود) ادت الى وفاته، على الرغم من قيام السلطات البريطانية على اجراء تطعيم عام في الدوائر العسكرية دون المواطنين، فقد بلغت أعداد الضحايا في عام 1917 ممن اصيبوا بمرض الهيضة (الكوليرا) بحدود (10000) عشرة آلاف نسمة.

مما تقدم يمكننا أن نقول ان وباء الهيضة (الكوليرا) لم يكن متوطنا في العراق بل جاء اليه من الموانئ الموجودة في البصرة مع التجار والزوار والسياح القادمين من الهند وايران والخليج العربي.

  • مجموعة امراض اخرى :

أما مرض الجدري والحصبة فقد تفشيا في الموصل سنة (1209 هـ -1794م) كما وامتدت عدواهما الى مدينة بغداد وضواحيها في سنة (1210 هـ -1795م).

أما وباء الملاريا، فكان ينتشر في أعقاب الفيضانات التي كانت تحدث بين سنة واخرى، اذ كانت تترك برك الماء والمستنقعات في الأراضي المحيطة بالمدن والأهوار. ومع ان مرض الملاريا متوطنا في البصرة الا انه انتشر بشكل وبائي في سنة (1293 هـ -1876م).

وفي السنة ذاتها ظهر مرض باسم “حبة بغداد” وهي كثيرة الوقوع، اذ تظهر في جميع أهالي بغداد وبعض المقيمين وتترك في محلها ندبة.

عانت الموصل في سنة 1327 هـ -1909م) من مرض (السل الرئوي) الى جانب أمراض العيون التي تفشت بين الأهالي حيث أصبحت ظاهرة مألوفة أن يشاهد المرء في الشوارع أشخاص مصابين بالعمى الكلي أو الجزئي، وبعدها بسنة اجتاح المدينة مرض (الحمى التيفوئيدية) اذ بلغ عدد المصابين في الستة أشهر الاولى (164) مصابا توفي منهم (23) .

أما في البصرة فقد حل مرض (النزول) سنة (1332 هـ -1913م) الذي هو عبارة عن نقطة سوداء وبقع تشبه الدمامل يصاب صاحبها سريعا، ثم تشخص عيناه وتنقطع عنه حاسة السمع ثم تستك أسنانه ويموت ويصاحب المريض سيلان الدم من الفم. ويبدو من الأعراض المذكورة أنه قصد بمرض النزول الجمرة الخبيثة .

خلال الحرب العالمية الاولى أي في سنة (1334 هـ -1915م) نقل النازحون من الأناضول جنوبا مرض التيفوس الى العراق نتيجة سوء الحال الذي كانوا فيه، مع سيل من الجرحى القادمين من معركة سلمان باك. كان المرض قد بدأ انتشاره نتيجة تفشي القمل في الجيش، لذا فقد ظهر في بغداد في تلك السنة فأمرت الحكومة موظفيها بأن يلقحوا ضد المرض .

ظهرت في البصرة سبعة عشر اصابة بمرض التهاب السحايا في سنة (1336 هـ -1917م)، علما ان مرض السحايا لم يكن معروفا في البصرة قبل الحرب العالمية الاولى، وقد جاء اليها مع سفن الامدادات والتجهيزات البريطانية من مصر وأفريقيا و أوربا.

تعرضت الموصل الى أكبر مجاعة في خريف (1336 هـ -1917م) وهذا ما سنتناوله في مقال مستقل. لقد أدت هذه المجاعة الى تفشي مرضين لم تعرفهما الموصل من قبل وهما التيفوس، والانفلونزا، الى جانب الهيضة (الكوليرا) والذي ذهب ضحيتها عشرة آلاف نسمة من السكان والمهاجرين .

واضافة لما ذكرنا فقد كانت هناك أمراض عديدة اخرى متوطنة تظهر بين الحين والآخر كالحب الافرنجي ( السفلس أو الزهري) والبلهارزيا وأنواع الديدان الاخرى.

ولابد من الاشارة الى ان أغلب تلك الأوبئة والأمراض كانت تفد الى العراق من الهند وايران عن طريق الزوار والقوافل التجارية.

ومما تقدم تبين ان أخطر الأوبئة والأمراض التي اجتاحت العراق للمدة من (1794 هـ -1917م) هي اثنا عشر مرضا ووباءا، هي ” الطاعون، الملاريا، الكوليرا، السحايا، النزول (الجمرة الخبيثة)، الجدري الحصبة، السل الرئوي، العيون، الحمى التيفوئيدية، التيفوس، الانفلونزا، حبة بغداد”.

ان الأمراض التي اجتاحت الولايات وبعض المدن العراقية خلال العهد العثماني والاحتلال البريطاني، وفدت اليها من دول الجوار من خلال التجار والزوار والسياح الذين كانوا مصابين بتلك الأوبئة والأمراض هذا من جانب، كذلك تخلف النظام الصحي والاداري الحكومي من جانب آخر.

 

المصادر المعتمدة :

1 – نمير طه ياسين، بدايات التحديث في العراق 1869 – 1914م، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية (بغداد1984)

2 – حميد أحمد حمدان التميمي، البصرة في عهد الاحتلال البريطاني(1914-1921م)، بغداد مطبعة الارشاد) .

3 – عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، الأجزاء 5،7،8 ، بغداد،1953).

4 – ستيفن همسلي لونكريك، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر خياط، (بغداد، ط4، 1968 ).

5 – متي عقراوي، العراق الحديث، ترجمة مجيد خدوري، بغداد، 1936)