شاهو القره داغي

بعد مرور شهر كامل على المظاهرات الشعبية في بغداد و باقي المحافظات الجنوبية للعراق، وبلورة المطالب الشعبية بصورة أوضح ، مثل المطالبة باستقالة الحكومة الحالية و تعديل قانون الانتخابات و تشكيل مفوضية مستقلة جديدة و إصلاح شامل في المنظومة القضائية ، بالإضافة إلى المطالبة بتعديل الدستور العراقي ومواده و إلغاء كافة المواد التي كانت سبباً لمشاكل العراقيين ، وعلى الرغم من التعاطف الشعبي لمواطني إقليم كردستان العراق مع المظاهرات ، إلا ان المخاوف السياسية للأحزاب الكردية في الإقليم بدأت تخرج بشكل علني ، حيث تخشى هذه الأحزاب الكردية من ان تؤدي المظاهرات الى تغيير الدستور بصورة تمس بمكتسبات الإقليم .

حيث نشر رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني و هو القيادي الأكثر تأثيراً على الساحة السياسية الكردية حتى الآن ، بياناً يُعبر فيه عن قلقه إزاء الوضع السياسي الراهن في بغداد و احتجاجات المواطنين. وأردف البارزاني بأن “من اهم المشاكل التي تواجه العراق هو عدم تطبيق الدستور، وتغيير الدستور لا يكون بالقوة أو بالفرض، وفي جميع الأحوال يجب أن لا يكون تغيير الدستور سبباً في تقويض النظام الديمقراطي وكذلك انتقاص حقوق الشعب الكوردي والمكونات الأخرى”.

بينما قال رئيس المجلس السياسي للاتحاد الإسلامي الكردستاني في تغريدة “إن الدعوة لتعديل الدستور تنطوي على تحايل وتضليل يستخدمه عدد من السياسيين العراقيين بهدف تهدئة الشارع و المشكلة ليست في الدستور، وتعديله لن يكون حلاً”.

هل لعب الدستور دوراً إيجابياً في معالجة المشاكل بين أربيل وبغداد؟

في أكتوبر عام 2005 كان للأكراد دور رئيسي في صياغة الدستور العراقي الحالي، وشاركوا في المنظومة السياسية بشكل فعال، و تسلموا مناصب عديدة في الدولة مثل رئاسة الجمهورية و نائب رئيس الوزراء و نائب رئيس البرلمان  بعد التحالف مع الأحزاب الشيعية. وعلى الرغم من ذلك فشل الطرفان في الوصول لاتفاقيات نهائية بخصوص المشاكل العالقة فيما بينهم ، بسبب القراءة المختلفة لكل طرف للدستور العراقي .

في فترة رئيس الوزراء الأسبق (نوري المالكي ) (2006 -2014) الذي وعد بمعالجة كافة المشاكل مع أربيل وفق الدستور العراقي وكان يتمتع بعلاقات إيجابية مع أربيل،  تراجع عن وعوده بسبب الخلافات السياسية ، وتسبب بتعقيد الازمة عندما قام بتشكيل قوات (دجلة) في عام 2012 و ارساله للمناطق المتنازع عليها. بينما ختم ولايته الثانية بقطع حصة الإقليم من الموازنة وقطع رواتب الموظفين في الإقليم بسبب الخلافات على موضوع النفط .

لعب الاكراد دوراً فاعلاً في إبعاد (نوري المالكي) و دعم (حيدر العبادي) لمنصب رئاسة الوزراء، وساهم الحرب على تنظيم (داعش) في تقريب أربيل مع بغداد . ولكن المشاكل تفاقمت أكثر بعد انتهاء التنظيم ، عندما أرسلت بغداد قوات عسكرية لاستعادة المناطق المتنازع عليها وطرد قوات البيشمركة من هذه المناطق نتيجة الاستفتاء .

تفاءل الاكراد بوصول (عادل عبد المهدي) لرئاسة الوزراء ، بسب وجود علاقات تاريخية وشخصية قد تساهم في حل المشاكل. ووصل الطرفان إلى عدة اتفاقيات بخصوص ارسال رواتب الموظفين ومعالجة الملفات العالقة، ولكن لا يزال الاتفاق مبنياً على العلاقات الشخصية وليس على الدستور و القوانين ومن الممكن ان ينقلب الأمور مرة أخرى في حال حدوث تغييرات سياسية او ممارسة الأحزاب السياسية ضغوطات على عبد المهدي.

16 عام من المشاكل و الازمات المستمرة بين أربيل و بغداد ،و كل فترة يتم توقيع اتفاق مؤقت لعدة سنوات ، ثم تخرج المشاكل من جديد ، بالرغم من ان الطرف الكردي و الشيعي متفقان على الدستور، ولكن يتم اللجوء الى الدستور للاحتجاج وليس للاحتكام في القضايا الخلافية. وهذا يؤكد ان الدستور العراقي لم يُساهم في إنهاء المشاكل بين أربيل وبغداد على الرغم من احتوائه على العديد من المواد التي تضمن حقوق الإقليم من الجانب النظري .

قد تؤدي معارضة طرح تغيير الدستور بشكل مطلق لخلق عداوة مع غالبية المتظاهرين ممن يعتقدون ان تغيير الدستور جزء من الحل دون ان يتطرقوا للحقوق الدستورية للإقليم، ولكن مع توسع موجة التظاهرات أصبح التغيير حتميا.  ومن مصلحة الجميع العمل لتحقيق معادلة (إقليم قوي، مركز قوي) بدل الاستمرار  في نظرية (إضعاف طرف مقابل تقوية الطرف المقابل) والذي انهك الطرفان دون تقديم أي نتيجة للمواطنين وخاصة من يعيشون في المناطق المتنازع عليها.

هناك قلق كردي من قيام حلفاء طهران بانقلاب في بغداد عن طريق تحريف مطالب المتظاهرين واستغلال موجة الاحتجاجات و التمهيد لحكم ميليشياوي يُهدد الإقليم ، ولكن يجب ان لا يؤدي هذا القلق المشروع للتصادم مع إرادة الجماهير المتظاهرة في بغداد وعدم السماح بخلق عداوة بين الاكراد و المتظاهرين ، حيث شاهدنا محاولات لاتهام الاكراد بالوقوف وراء قنص المتظاهرين، بالإضافة لتصريح قائد ميليشيا العصائب (قيس الخز علي) الذي اتهم الإقليم بالمشاركة في مؤامرة لإشعال الفتنة في العراق عن طريق الاحتجاجات .