دخان الغازات المشتعلة لا تقتل الكوكب فقط، بل العراقيين أيضا. شهادات حية لسكان المدن النفطية، عن مخاوفهم بشأن المستقبل، بعد إصابة أصدقائهم وعدد من أفراد أسرهم بأمراض، بسبب الغازات السامة المنبعثة في جميع أنحاء البلاد.

أيام عصيبة، حينما تزأر مداخن المعامل بشكل يجعل النوافذ تهتز. تقول بعض العائلات إن الدخان الكثيف يغطي الأرجاء، ما يؤدي لقتل النباتات ويجعل كل شيء يظهر بلون رمادي بركاني. هكذا الحال لدى سكان بلدة نهران عمر، الذي يصفون ألسنة اللهب المتصاعدة من الأبراج والمواد الكيماوية السامة في الهواء، بواقعهم اليومي.
خبراء يقولون إن عمليات حرق الغاز الزائد التي تحصل أثناء استخراج النفط، مساهم رئيسي في أزمة المناخ، وتهديد حقيقي لقتل كل من يعيش في البيئة المحيطة بتلك المعامل. لما يسبب ذلك من أمراض مزمنة، كالربو، وأمراض الرئة، والسرطان. حيث يعد العراق أحد أكبر دول العالم حرقًا للغازات، ومحافظة البصرة (التي تقع فيها نهران عمر) هي الأكثر تضررًا من هذه العملية.
ساكنة المدينة حذروا من هذه الآفة التي تقتل الأطفال، وكبار السن، والمصابين بالأمراض المزمنة. وعلى الرغم من صعوبة إثبات العلاقة بين تفشي بعض الأمراض وبين الغازات المنبعثة في سماء المدينة، إلّا أن هناك ارتفاعًا بنسبة 50% لمعدلات الإصابة بأمراض السرطان خلال العقد الماضي. ووفقًا لرئيس بلدية المدينة، فهناك 150 حالة إصابة بالسرطان، بين كل 1600 شخص.
محمد حسن (43 عامًا)، يملك ابنًا يبلغ من العمر 14 عامًا، وهو مصاب بسرطان النخاع العظمي. يقول لصحيفة The Independent: “عندما أخذت ابني إلى الطبيب، كان عموده الفقري منحنيًا، وبشرته شاحبة. سألني أين أعيش، فأجبته: في نهران عمر. فقال لي: لا داعي لقول المزيد، هذا يحدث بسبب التلوث”.
حاملًا صورة ابنه، وقد طوى جسده بشكل مؤلم جالسًا على كرسي متحرك، يقول إنه قد أصبح أكثر قلقًا بسبب الجائحة. فتقرير الجمعية الأوروبية لأمراض القلب، أكد على أن 15% من وفيات فيروس كورونا، مرتبطة بتلوث الهواء: “مناعة ابني تعرضت للخطر بسبب علاجه الكيماوي. الأمر أصبح مؤلمًا لدرجة أنه يتوسلني أن أدعه يموت. أسرتنا كاملة تريد المغادرة، فنحن قلقون بشأن أوضاعنا الصحية”.
وفي مواجهة صخب المعامل التي تصم الآذان، والحرارة العالية لأبراج المعامل النفطية. أكد رئيس البلدية بشير الجعبري على أن معظم سكان البلدة تعاني من مرض ما. فشقيقته أيضًا، أصيبت بالسرطان: “حينما تبدأ المعامل في زيادة إنتاجها، أو تنكسر مرشحات المعامل. لايمكنك تخيل الغيوم الضخمة والمظلمة التي تغطي المدينة. وعندما تهطل، فزخات المطر تكون فاسدة. إنها تلوث الهواء والماء، لا يمكننا زراعة النباتات حتى”.
ووفقًا لأحدث إحصائيات البنك الدولي، فيعتبر العراق ثاني أكبر دولة حرقًا للغازات بعد روسيا، بما يزيد عن 17 مليار مكعب. انبعاثات غاز ثنائي أوكسيد الكربون في البلاد تقارب الـ10% من إجمالي الإفرازات العالمية.
وعلى الرغم من مرور حوالي عقدين عن نهاية الحرب في العراق، إلا أن نائب وزير البيئة والصحة “جاسم عبد العزيز حمادي” يؤكد أن تلوث الهواء هو أحد أكبر المشاكل التي يعاني منها العراق، لدرجة أن دراسة العبء العالمي للأمراض، تقول إن عدد الوفيات في البلاد من جراء تلوث الهواء، يفوق ضحايا الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
من وكالة الطاقة الدولية، يصف علي الصفار الوضع بالكارثي. قائلًا إنه من الأجدر أن يستفيد العراق من هذه الغازات المنبعثة لتلبية حاجيات البلاد من الكهرباء، خصوصًا وأنه أحد البلدان الأكثر تعرضًا لتغير المناخ. لكن بدلًا من ذلك، يعتبر البلد أحد الدول القليلة التي تحرق الغاز، وفي نفس الوقت تستورده.
ويقول الصفار: “هناك دراسات أكاديمية، تشير إلى أن متوسط درجة حرارة العراق يتضاعف من مرتين إلى سبعة أضعاف المتوسط العالمي. بالنسبة للبلاد، فالأمر ليس مجرد نظرية فقط، بل سيؤدي هذا الأمر إلى الجفاف وندرة المياه وانتشار الفقر. العراق بحاجة لإدراك حجم التهديد الذي يواجهه، وعليه أن يستفيد من ثرواته الغازية بشكل أفضل”.
أما ويم زيونبورغ (الباحث في منظمة السلام الهولندية PAX) فيقول إن البصرة وحدها تحرق غازًا أكثر من السعودية والصين والهند وكندا مجتمعة. كما أن الجمع بينه وبين عمليات ملوثة الأخرى كإغراق النفط الخام، وبعض الممارسات السيئة في المصافي غير الرسمية، سيؤدي إلي زيادة درجة الحرارة، وظواهر الطقس الشاذة، مع تدهور بيئي أوسع. ويضيف زيونبورع أن هذا الأمر سيجعل مناطق مثل محافظة البصرة، غير صالحة للعيش في غضون السنوات العشرة الأخيرة. مؤكدًا على أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة العراقية والقطاع النفطي في البلاد، من أجل تغيير الوضع قبل فوات الأوان.

نحن لا نستطيع التنفس
التلوث البيئي لم يشمل مركز النفط في العراق فقط في الجنوب. ففي مصفاة نفط “القيارة” التي تقع على بعد 900 كيلومتر شمال البصرة، يجلس علي (31 سنة) الذي يشتغل حارسًا في المصفاة، وهو يجد صعوبة للحديث بسبب كثيرة سعاله.
“لا أستطيع التنفس في الليل. إذا لم تكن هناك رياح، فالأمر شبيه بضباب دخاني أسود يسود المدينة. أنا هنا منذ أربع سنوات، وبسبب هذا الأمر أعاني من حساسية شديدة”.
المنطقة التي تقع على بعد 70 كلم جنوب الموصل، كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة (داعش) لعدة سنوات، حيث أشعل عناصر النظام النيران في حقل النفط الرئيسي قبل انسحابهم، ما أدى لبقاء النيران مشتعلة لمدة ثمانية أشهر.
وفي مستشفى القيارة الرئيسي، يتحدث عدنان عبد الرازق، عضو إدارة المستشفى، قائلًا إن الشكاوى الأكثر انتشارًا في المستشفى هي أمراض الجهاز التنفسي والصدر. مؤكدًا أن إمدادات المياه في المدينة تأثرت بالأمطار الملوثة، ويصل الأمر إلى تسربها من صنابير المنازل. ويضيف قائلًا: “لقد كتبنا منشورات على الفيسبوك، كتبنا مقالات كثيرة، راسلنا وزير النفط. ننشر دائمًا مقاطع فيديو عن وضع غلافنا الجوي. لكن لا أحد يستمع إلينا”.
وبجانب ذلك، يؤكد عمال مصافي العاصمة بغداد على أنهم يخشون على حياتهم من خطر التلوث، حيث توجد الكثير من الأمراض بين العمال، لأن ترشيحات المعامل قديمة جدًا، وليست مناسبة للوقت الراهن، حيث كميات الإنتاج أصبحت أعلى بكثير.
وبالعودة إلى نهران عمر التي تعاني من جراء الاحتراق الشديد للغاز، والذي أصبح مدار حديث شباب المدينة اليائسين، والطامحين للرحيل عن المدينة.
محمد، 18 عامًا، يقول إنه خلال الأربع سنوات الماضية، فقد جده وصديقه المقرب الذي يبلغ من العمر 21 عامًا فقط بسبب السرطان. في وقت يعاني عمه الذي يعمل في المستشفى من ذات المرض:
“الجميع قلق على صحته، أشعر بالخوف مثل الجميع. الكل هنا يريد الرحيل عن المدينة، وعن العراق والذهاب إلى الخارج. نحن نختنق، وبحاجة للخروج قبل فوات الأوان”.

بيل ترو/ ذا إندبندنت
ترجمة وتحرير: راسام