أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

كان الجومرد في كتاباته التاريخية، يهدف الي كشف حقائق الاحداث بأسلوب علمي تحليلي مبتعدا عن التطرف في ابرازه لدور العرب في الماضي وما قدموه من عطاء حضاري انساني. وقد أوضح أن التاريخ في كل زمان ومكان فهو مرآة تعكس حياة الشعوب وحضاراتها في تطورها من مرحلة الى أخرى.
وقد اختار في دراساته سيرا وتراجم لشخصيات عربية، كان لها دورها ومكانتها في تاريخنا العربي الإسلامي، وقد بين دوافع ذلك حين قال :
“لسنا من مؤيدي الفكرة الداعية الى نبذ السير والتاريخ بحجة الانصراف الى المادة والانهماك في إيجاد القوة، فان المادة تعني الحياةكلها والقوة لتكون بالسلاح وحده، مالم تسبقه العزيمة وتحمله النفوس الحرة وتدبره الرؤوس المفكرة الواعية لأمجاد قومها والمؤمنة بحقها في الحياة …”.
لذا كانت دراساته على ما يبدو، صادرة عن مبادئه التي آمن بها ممثلة بالقومية العربية. فكان حبه لانتمائه العربي الأصيل ذا أثر في ابراز خصائص العرب ودورهم الحضاري والإنساني، ولهذا قال:
“وهذه الامة العربية التي أدت دورها فيما مضى على مسرح الحضارات البشرية تنهض اليوم بعد إختفاء شمسها زمنا لنشر ضيائها في الكون من جديد وتبعث مع الأمم الأخرى الناهضة نورا وسلاما على وجه الأرض وهي أحوج ما تكون إلى القوة في كل معانيها لتدفع الشر وتناوئه، وفي مناوأته إنتصار لقيم الخير وخدمة للإنسانية جمعاء …”.
لقد دافع الجومرد بدراساته هذه عن العرب والعروبة بجهد عربي أصيل وبكل ما أوتي من حجة ومنطق مظهرا افتراء وحقد الشعوبية ومحاولاتها للنيل من السيادة العربية. وهو يؤكد ان دراساته هذه معدة من أجل بعث وعي الحاضر، ولرسم مستقبل الامة الحضاري من أجل رسالتها القومية والإنسانية. وفي الوقت نفسه يطالب الأجيال الصاعدة بالمزيد من دراسة تاريخ أمتها، لأهمية العلاقة بين الماضي والحاضر وصولا الي بناء مستقبلها المشرق، وبهذا يقول : “… تاريخ العرب ما زال بحاجة الى دراسات مستفيضة ليخلص من عبث العابثين به، والحاقدين عليه وليكون سندا في بناء القومية العربية لتبحث عن الانطلاق في سبيل تحررها وإداء رسالتها الإنسانية من جديد …”.
ولرصد البعد القومي في دراسات الجومرد التاريخية يجب الالتفات الى ظاهرتين رئيسيتين : أولاهما تعقب الحركة الشعوبية ومساراتها من النواحي السياسية والفكرية والاجتماعية، وتحري الأساليب التي اتبعتها من أجل الحط من مكانة السيادة العربية، وصرف الفكر والممارسة العربية الإسلامية. وثانيهما اختيار شخصيات تاريخية عربية إسلامية مبرزة وقيادية ظهرت في ذلك الحيز الذي سرت فيه الحركة الشعوبية، والعمل على ابراز وتحليل تلك الشخصيات البارزة في مجال الرد على التحرك الشعوبي وإبطال آثاره والقضاء عليه. والجومرد في كل ذلك يرمي الى تقديم النموذج الحي الذي جرت معالجته بطريقة تحليلية كي تكون كما يقول : “القدوة للناشيء والهداية للمدلج الساري في ركب هذا الزمن الذي نحن فيه أشد ما تكون حاجه الى قادة أحرار مؤمنين يوحدون صفوف الامة، ويكفكفون عنها النوائب والشرور من أطواق مستعبد جشع، ومكائد شعوبية حاقدة ومكر دخيل متربص”.
ويتخذ الجومرد من بيت لأحد الشعراء العرب وسيلة أدبية يسعى من خلال طرافتها إلى الاقناع بارتباط الماضي بالحاضر :
والدهر أوله شبه لآخره
قوم كقوم وأيام كأيام
ولعل دعوته لنقل رفات (الخليفة هارون الرشيد) الى العاصمة بغداد – كما سنرى – ودلالتها الرمزية مثال على تكامل انجاز المهمة التي رمى إليها من خلال كتابته لتلك السير العربية التاريخية.

أولا – الجومرد والتصدي للحركة الشعوبية وأساليبها :
الشعوبية : حركة فكرية اجتماعية قامت بها (وما تزال) جماعات غير عربية، تهدف الى ضرب الكيان العربي من خلال ثقافته وإرثه الحضاري. وذلك بالتقليل من شأن اللغة العربية ومهاجمة التراث العربي الإسلامي، والتشكيك بدور العرب التاريخي، والاستهزاء بالقيم والمثل العربية، مقابل الاعتزاز بالإرث الحضاري الأعجمي والتمجيد بالقيم والسجايا غير العربية وإحياء الثقافات الاعجمية. ولما كانت العروبة والإسلام صنوين مترابطين خلال القرون الأولى من قيام العربية الإسلامية، لذلك لم تهمل الشعوبية الإسلام بل هاجمته في الصميم محاولة بث روح التشكيك في قيمه الجديدة، ونشر روح الاستخفاف والاستهجان تحت ستار الظروف والمجون أو الخلاعة والتهتك والاباحية، والبدع والغلو في الدين.
لقد استهدفت الدس الشعوبي كيان العرب كافة، كما استهدف مثلهم وتراثهم. وحاول النيل من القادة العرب الذين قام على أكتافهم شرف نشر الإسلام. من الذين لعبوا دورا بارزا في تحرير العرب والأراضي العربية من السيطرة الساسانية الفارسية. ومن هنا فقد شغلت الحركة الشعوبية وأساليبها، حيزا من اهتمام الجومرد في كتاباته التاريخية كافة، فحاول أن يتعرض لتلك الحركة بالتوضيح، وأن يبرز خيوط مؤامراتها في كافة نواحي الحياة الفكرية والسياسية والعسكرية، ويبين خطورتها التي جاوزت كونها حركة تعريض بالعرب وتراثهم، أي تحويلها الى : “آلة للإستصغار من مكانة السيادة العربية ولإخماد جذوة القومية العربية عند العرب”.
ومن خلال قراءتنا لمؤلفات الجومرد التاريخية المنشورة، فانه يمكن تبيان أهم الوسائل التي اتبعتها الشعوبية لاسترداد نفوذ الفرس وإعادة كيان دولتهم التي أزالها العرب المسلمون ومنها :
أولا : كان الشعوبيون يرومون من وراء الستار إضعاف مركز كل ما هو عربي فأي خليفة عربي مسلم كان يعدو الجومرد من وجهة نظره “رمزا للقومية العربية”.
ثانيا : يؤكد الجومرد على السير البطولية من خلال دراسته لشخصيات عربية كان لها دورها في رد الشعوبية والقضاء عليها. فكان لكل من هؤلاء موقفه فالأصمعي بنظره لم يقف موقف المتفرج أمام الموجة العدائية لعنصره العربي، بل تصدى لها بكل قوة. في حين أن الخليفة الرشيد عمل على كسر شوكة البرامكة، أما يزيد بن مزيد له دور مشرق في سبيل الدفاع عن قوميته والحفاظ على سيادتها، واستطاع المنصور أن يبني دولته ووطد دعائمها وبدد شمل الشعوبية.
يمكن القول ان اختيار الجومرد دراسة الشخصيات التاريخية جاءت لأهمية تلك الشخصيات لاسيما في مسألة التصدي للحركة الشعوبية، خلال فترة محدودة هي فترة بداية الدولة العربية الإسلامية في العصر العباسي الأول، الذي كانت فيه الحركة الشعوبية في أوج نشاطها وسرت في نواحي حياة المجتمع العربي الإسلامي في ذلك العصر، وفي أكثر المرافق حيوية منه، في الفكر واللغة والعلم وفي السياسة والإدارة العليا للدولة ثم في القوات العسكرية للدولة العربية الإسلامية.
لقد قام الجومرد بانتقاء شخصيات مدافعة عن العروبة والإسلام بوصفها نماذج مفردة يعبر كل واحد منها عن موقع التصدي في واحد من تلك المجالات. فالأصمعي، وهو موضوع أحد كتبه يمثل بنظره قمة النشاط في عصره، لاسيما في النواحي اللغوية والفكرية والثقافية، وفي الوقت نفسه كان علما من أعلام التصدي للشعوبية في البصرة وبغداد.
أما أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد فيمثل كل واحد منها شخصية عليا في الدولة ورمزا لسيادة العروبة والإسلام فيها. وقد أحاطت بهما الشعوبية وحاولت زحزحتهما عن موضعيهما، ولكن كلا منهما كان يتميز بقدراته وقوته في التصدي لتلك الحركة وضربها. في حين كان يزيد بن مزيد الشيباني بنظره قائدا عسكريا من أكثر القادة العسكريين تألقا في العصر العباسي الأول. بل هو أيضا ممن حاولت الشعوبية وشعرائها أن يركنوه جانبا بعيدا عن الأواسط العسكرية النشيطة في عصر الرشيد، ولكنه تصدى لهم ولمكائدهم وأثبت وجوده أمامهم ووقف الى جانب الخليفة من أجل تثبيت أركان دولته.
في ٣٠ تشرين الثاني ١٩٧١، توفي (الجومرد) عن عمر يناهز إثنين وستين عاما، وشيع الى مثواه الأخير في مقبرة عائلة الجومرد في الموصل. وبعد دفنه رثاه الشيخ عمر النعمة بقوله : “إنك كنت أديب الموصل ومؤرخها ووزيرها، وكنت ممثلها في المجلس النيابي، وكنت مثال الموصلي البار لبلده وكنت وجه الموصل في أحسن صورها وأثوابها وأصالتها بفضيلتها وبإخلاصها وبنزاهتها”. وقد حضر مجلس العزاء ممثل السيد أحمد حسن البكر (رئيس الجمهورية وقتئذ) ومحافظ نينوى، كما حضرها بعض المسؤولين بالمحافظة، وجمع من أبناء المدينة.
وجاءت وفاته متزامنة على وجه التقريب مع انعقاد (مهرجان) أبي تمام في مدينة الموصل في ١١ كانون الأول ١٩٧١، الذي حضرته وفود أدبية وإعلامية من أنحاء العراق ومن الدول العربية. ففي حينها تقدم لفيف من أدباء الموصل الى اللجنة العليا لمهرجان أبي تمام، بطلب عند بدء افتتاح المهرجان بالوقوف دقيقة واحدة حدادا على روح الجومرد.
كما قامت هيئة تحرير مجلة جامعة الموصل (الجامعة) وقتئذ بتأبين الجومرد في مقال تحت عنوان “لمحات من حياة الدكتور عبد الجبار الجومرد” بكلمات جاء فيها :
“لقد جفت محبرة واحد من أعلام الموصل، ومن مفكريها وادباءها البارزين، هو المرحوم الدكتور عبد الجبار الجومرد. لقد كان يستعد هو الآخر بفكره وقلمه للإسهام في هذا المهرجان الكبير، بمناسبة مرور اثني عشر قرنا على وفاة الشاعر العربي الخالد حبيب بن أوس الطائي المكنى بـ (ابي تمام) وهكذا غاب عن الساحة العربية فارس كرس حياته لإظهار وجه امته الناصع تاريخا وأدبا، وكافح من أجل صيانة حقوقها …”.
ربما كانت هذه الكلمات على بلاغتها وتواضعها أهم أثر تركه (الجومرد) بعد وفاته، لكنها كانت كلمات وفاء مهداة له من أبناء مدينته، تلك المدينة التي عمل من أجلها وأحبها، وأسماها “رأس العراق”.