الباحث: حسين صالح السبعاوي

يعرف التراث بأنه يمثل ما ورّثته الأجيال السابقة للأجيال الحالية، ويعرف أيضا أنه ما خلفه الكبار ليكون عبرة الماضي ونهجاً يستقي منه الأبناء الدروس والعبر لحاضرهم ومستقبلهم، ويستخدم التراث لإبراز الهوية الوطنية والكشف عن ملامحها.
تهتم الأمم والدول بالتراث سواء على مستوى حكومات أو شعوب، أو على مستوى أفراد وجماعات إلا في عراق اليوم، حيث يتعرض التراث العراقي لعملية تدمير ممنهجة وبأساليب متعددة منها السرقة والإهمال والتفجير والإزالة بحجج واهية، سيما أن التدمير بدأ مع بداية الإحتلال الأمريكي والهيمنة الإيرانية على العراق، ويراد سلخ العراق من تاريخه المجيد وحضارته التي تجاوز عمرها أكثر من ٧٠٠٠ سنة، ليمحى تاريخه من ذاكرة الأجيال الحاضرة والقادمة.
وقد تناوبت عدة جماعات وأحزاب على تدمير التراث العراقي منها المتطرفة مثل ( داعش ) ومنها الطائفية المرتبطة بإيران والمدعومة من قبل أحزاب طائفية جاءت على ظهر الدبابة الأمريكية لتستلم حكم العراق وتنفذ أجندات الاحتلالين الأمريكي والإيراني على حساب العراق .
لقد ظهرت دعوات في الآونة الأخيرة من بعض أتباع الأحزاب الطائفية ومليشياتها لإزالة تمثال مؤسس بغداد وبانيها الخليفة أبو جعفر المنصور بحجج واهية لا تستند إلى أي حقيقة تاريخية، ثم بعدها ظهرت دعوات أخرى لهدم مرقد الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان المتوفي سنة ١٥٠ هجرية بحجة أنه كان سببا بوفاة الإمام موسى الكاظم المتوفي سنة ١٨٣ هجرية، ولا أدري من أين يستقي هؤلاء الطائفيين معلوماتهم؟ ألا يعلم هؤلاء بأن الإمام أبو حنيفة توفي قبل الإمام موسى الكاظم بأكثر من ٣٠ عاما فكيف يكون سببا بوفاة الإمام موسى الكاظم !؟
لكنها الطائفية المقيتة والجهل الأعمى والحقد على كل ما هو تراث عراقي أصيل وما هؤلاء الأوباش إلا أدوات وجنود مستخدمين خدمة للمشروع الإيراني الفارسي الذي يريد محو تاريخ العراق وارتباطه بهم، ومن الجدير بالذكر أن موقف الحكومة العراقية كان غير حازم من هذه الدعوات، وما لم تصنف الحكومة العراقية هذه الأفعال ضمن تهم الإرهاب التي يحاسب عليها القانون العراقي فستبقى مقصرة في حماية الآثار والتراث العراقي بل ستكون شريكة بهذه الأفعال التي تستهدف العراق تاريخاً وحضارة .
إن عملية تدمير التراث العراقي تحتاج وقفة جادة من قبل جميع العراقيين وخاصة المهتمين بالحضارة والتاريخ، كما يجب أن تتحمل منظمة اليونسكو مسؤولياتها بالحفاظ على التراث العراقي من هؤلاء الطائفيين والمتطرفين ولا تقف مكتوفة الأيدي أمامهم أو تعتمد على إجراءات الحكومات العراقية، سيما أن معاهدة الحفاظ على التاريخ التي وقعت سنة ١٩٧٢ بين جميع الدول الأعضاء فيها والبالغ عددهم ١٩٣ دولة تنص على معاقبة من يتسبب في تدمير التراث والآثار بعقوبات مشددة سواء كانوا حكومات أو جماعات أوأفراد، ومن أهم مهام منظمة اليونسكو في الحفاظ على التراث ما يلي:
١- عقد العديد من المعاهدات التي تلزم الدول لحماية ما لديها من آثار والحفاظ عليها وهذا ما تتضمنه معاهدة عام ١٩٧٢.
٢- تنمية العلوم التي تتعلق بحماية الآثار وترميمها.
٣- العمل على إدراج الأماكن الأثرية وأماكن التراث ضمن قائمة التراث العالمي .
٤- الرقابة على مدى التزام الدول بحماية ما لديها من آثار وتراث .
٥- العمل على إعادة الآثار المنهوبة والتي تم إخراجها بدون وجه حق .

إن سياسة تدمير الآثار والتراث هي سياسة مغولية فارسية منذ القدم، ومن يقرأ التاريخ يدرك هذه الحقيقة من خلال معرفة ما فعله هولاكو والصفويون في بغداد والشام سنة ٦٥٦ هجرية – ١٢٥٨ م، من دمار وحرق لكل ما هو حضاري، وإن أحفاده اليوم لا يؤتمنون على حضارة أكد وبابل وآشور وعموم التراث الإسلامي في العراق لأنهم أعداء لكل ما هو حضاري وإنساني، وما هؤلاء إلا الوجه الثاني لداعش ويتخادمون فيما بينهم لتدمير العراق حتى لو اختلفوا في الفكر والعقيدة لأن عداء العراق يجمعهم.
إن تاريخ العراق بكل آثاره وتراثه لم يدوّن من قبل مكون واحد ولا مذهب واحد ولا قومية واحدة بل ساهم الجميع أبناء العراق في بناء حضارته والحفاظ عليها، والجميع يعتز بهذا التراث إلا الحاقدين من نزلاء الجغرافية والموالين لغير العراق.
إن بلدا مثل العراق متعدد المذاهب والمكونات لابد أن تحكمه حكومة وطنية بعيدة عن التخندقات الطائفية والعرقية وأن تعتمد على مبدأ المواطنة في إدارة الدولة وتكون حريصة على تاريخه وتراثه وتحافظ عليه، كما عليها أن تجعل من قضية الحفاظ على التراث ضمن المناهج التربوية والتعليمية وتدرس لكافة الأجيال والمراحل الدراسية كما عليها أن تشرع قوانين صارمة ضد كل من تسول له نفسه المساس بهذا التراث العريق الذي ساهم الجميع في بنائه، لا أن تتركه بيد الطائفيين والمتطرفين واللصوص الذين سرقوا آثار العراق وهربوها إلى الخارج بثمن بخس دون أي رادع أخلاقي أو قانوني.
كما إن على الأمم المتحدة أن تتابع ما يجري في العراق من تدمير لاثاره وتراثه من خلال منظمة اليونسكو وبقية المنظمات الدولية المهتمة بالتراث والآثار، وأن لا تسمح لأي جهة بتدمير هذا التراث الذي يخدم الإنسانية عامة، لأن في العراق من الآثار ما لا يمكن حصرها ومعرفة أعدادها بسبب العمق التاريخي للعراق الذي هو أول من خط الحروف وعلم الإنسانية الكتابة وأول من وضع القوانين والتشريعات في التاريخ القديم.

مقال خاص براسام