شاهو القره داغي

كواليس إعلان الحكم الذاتي
بعد نجاح حزب البعث العربي الاشتراكي في العودة مجدداً إلى السلطة عام 1968 والسيطرة على الحكم في العراق و إزاحة خصومهم، ساد الهدوء جبهات القتال بين الكُرد والحكومة العراقية، وباشر الطرفان إلى إظهار حسن النية للمقابل في سبيل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الدائرة، إلا ان الهدوء لم يدم طويلاً حيث عاد القتال مجدداً بسبب نية الحكومة السيطرة على بعض المناطق الكُردية وفرض القانون بالقوة مما أدى إلى اندلاع النزاع مجدداً حتى عام 1969.
أدركت القيادة الجديدة في العراق بضرورة الوصول إلى معالجة للقضية الكُردية يُنهي المشاكل الداخلية للعراق ويقطع الطريق امام الأطراف الإقليمية في التدخل في الشؤون الداخلية، وكانت السلطة الجديدة تُدرك أن انشغال الحكومات العراقية بالصراعات والصدامات العسكرية مع الكُرد كان سبباً لإضعاف الحكم وسقوطه لاحقاً وبالتالي من الضروري إنهاء هذا النزيف لضمان ترسيخ الحكم وتقويته.
بدأت السلطات العراقية بتهيئة الأجواء للوصول إلى اتفاق شامل مع الكُرد ينهي المشاكل العالقة بين الطرفين، وكما في أغلب المبادرات السياسية بدأت الآلة الإعلامية في الترويج للحل السلمي والابتعاد عن العقلية الأمنية والعسكرية لمعالجة المشكلة، حيث نشرت جريدة الثورة مقالاً في يناير/كانون الثاني عام 1969 بعنوان “كيف السبيل لحل المسألة الكُردية” والتي كانت تمهيداً لطرح وبلورة الأفكار حول هذه القضية، وبدأت اللقاءات في أيلول/سبتمبر من عام 1969 عند زيارة القائد العسكري العراقي (طارق توفيق) إلى القيادة الكُردية ولقائه بالملا مصطفى البارزاني وطرحه إجراء المفاوضات والوصول إلى حل للقضية الكُردية، وحينها كان رأي الملا مصطفى البارزاني إيجابياً وقال: “الأخ الكبير والأخ الصغير يستطيعان العيش في بيت واحد وإننا سنكون الأخ الأصغر لكم”.
وبالرغم من اختلاف وجهات النظر في البداية ووجود إرادات خارجية عملت على إفشال المفاوضات، إلا ان الاجتماعات استمرت بين الطرفين، حتى نجحا في التوصل إلى اتفاق مبدئي والاعلان عن بيان 11 آذار من عام 1970 والذي يُعتبر إنجازاً كبيراً للقضية الكُردية على مستوى العراق والمنطقة، حيث شمل البيان 15 مادة تتعلق بإجراءات وخطوات إصلاحية سياسية وإدارية تُنهي الصراع العربي – الكُردي في العراق وتضمن الحقوق الكُردية ضمن الوحدة العراقية.
ومن أبرز المواد التي جاءت في بيان 11 مارس/آذار:
-اللغة الكُردية تكون لغة رسمية مع اللغة العربية في المناطق الكُردية، وتُدرّس اللغة الكُردية كلغة ثانية في كافة انحاء العراق.
-يشارك الأكراد في الحكم دون تمييز بينهم وبين غيرهم، في تولي الوظائف عامة والمهمة في الدولة كالوزارات وقيادات الجيش وغيرها.
-التوسع في فتح المدارس في المنطقة الكُردية وتعزيز اللغة والحقوق الثقافية للشعب الكُردي.
-النهوض بالمنطقة الكُردية في جميع المجالات وتخصيص ميزانية مالية لتحقيق ذلك .
وتم تحديد فترة زمنية عبارة عن أربعة أعوام لتنفيذ البيان وتحقيق الحكم الذاتي للكُرد في حدود الدولة العراقية، وكان تنفيذ هذا البيان وتحقيقه على أرض الواقع فرصة ذهبية لحل القضية الكُردية بصورة نهائية وتقديم نموذج مشرق لدول المنطقة والعالم بخصوص معالجة المشاكل الداخلية، إلا ان الرياح لم تجر كما تشتهي السفن، وبدأت المشاكل بالظهور منذ العام الثاني لصدور البيان وتبددت الأحلام الوردية التي كان يعيشها المواطنون في العراق.
يعتبر بيان 11 آذار 1970 حدثاً تاريخياً وانجازاً مهماً للحركة الكُردية في العراق، ويستذكر الكُرد هذه المناسبة كل عام وهي عطلة رسمية، باعتباره نقلة نوعية وجوهرية في القضية الكُردية واعترافاً صريحاً من السلطات العراقية بحقوق الكُرد في الحكم الذاتي وتجسيد لإرادة الطرفين بالوصول إلى اتفاق يُنهي المشاكل العالقة، ومن اهم نتائج البيان – قبل حدوث إشكالات في التطبيق فيما بعد – :
-انهاء القتال الدائر بين الحركة الكُردية والقوات المسلحة العراقية، وعودة الهدوء إلى المناطق الكُردية.
-يأتي البيان من حيث الأهمية في المرتبة الثانية بعد (معاهدة سيفر) بخصوص الاعتراف بالحقوق الكُردية.
-أعطى البيان إشارة واضحة بإمكانية الوصول إلى حل للقضية الكُردية رغم المشاكل السياسية التاريخية.
-اتفاق الدولة العراقية مع الملا مصطفى البارزاني أضعف الذراع الكُردي الآخر (المكتب السياسي) الذي أصبح خارج المعادلة.
وحول إضعاف وإخراج المكتب السياسي من المعادلة، فقد عبّر عدد من قادة هذا الذراع استعدادهم لمساعدة الديمقراطي الكردستاني والمشاركة في إنجاح الاتفاقية، يقول جلال الطالباني في كتابه حوار العمر: بأنه “على الرغم من أن الاتفاقية أضرت بهم، إلا أنهم كذراع المكتب السياسي قرروا دعم الاتفاقية لأنهم كانوا يؤمنون بأن الاتفاقية إيجابية للكُرد”.
ومع بدء تنفيذ البيان تم إجراء تعديلات وزارية حيث تم تعيين خمسة وزراء من الكُرد في الحكومة، كما تم تعيين أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني كمحافظين لمحافظة أربيل والسليمانية ودهوك، وأصبحت اللغة الكردية تستعمل في كردستان العراق وسادت أجواء من التفاؤل في الأوساط الشعبية مع تحرك الخدمات والبنى التحتية والمشاريع الأخرى لإزالة آثار الحرب.
وعلى الرغم من أهمية البيان إلا انه كانت هناك بعض النقاط التي أدت لاحقاً إلى ظهور المشاكل مجدداً وانتشار تفسيرات متعددة واختلافات في وجهات النظر، ومنها:
– عدم تحديد المنطقة الكُردية المشمولة بالحكم الذاتي وتعليق الامر على الإحصاء السكاني الذي تم تهميشه لاحقاً.
– عدم تحديد نوع الحكم الذاتي الذي سيطبق خلال الأربع سنوات .
– عدم ذكر أي طرف وسيط يتدخل عند حدوث الخلافات حول تفسير البيان او السماح بهيئة او مؤسسة دولية للإشراف على تنفذ البيان.

انهيار اتفاقية الحكم الذاتي واتفاقية الجزائر
بالإضافة إلى النقاط السلبية التي كانت موجودة في متن البيان وعدم ذكر المناطق المشمولة وغير المشمولة، فقد حصلت بعض الاحداث التي أدت مجدداً إلى تراجع الثقة وتبدد الحماس الموجود لدى الكُرد حول الاتفاقية، ومن هذه الاحداث محاولة اغتيال فاشلة استهدفت الملا مصطفى البارزاني في 29 أيلول/سبتمبر 1971 في موطنه، حيث يرى مسعود البارزاني أن حادثة محاولة الاغتيال هذه “قضت على كل أمل في الحل السلمي وتبين أن المسألة أصبحت مسألة وقت وأن الثقة انعدمت تماما”.
بعد فترة من الهدوء تدهورت العلاقات مرة أخرى بين الحركة الكُردية والسلطات في بغداد على إثر محاولة اغتيال ثانية للملا مصطفى البارزاني في تموز من عام 1972، ما فتح الباب أمام مناوشات إعلامية بين الطرفين حيث اتهم الديمقراطي الكردستاني أطرافا حكومية وأجهزة أمنية تابعة لبغداد بالوقوف وراء العملية و قرر الوزراء الكُرد الخمسة ترك مناصبهم والعودة إلى كُردستان العراق.
قدمت القيادة الكُردية رؤيتها بالحكم الذاتي بناء على طلب حزب البعث في التاسع من آذار/مارس 1973 للوصول إلى تفاهم مشترك حول تنفيذ بنود الاتفاقية، إلا ان البعث اعتبر المشروع بعيداً عن تصوراته حول الحكم الذاتي وبسبب اختلاف وجهات النظر توقفت الخطوات والإجراءات الحكومية لتنفيذ البيان على أرض الواقع.
مع اقتراب موعد تطبيق الحكم الذاتي كانت الخلافات قد تفاقمت أكثر بين الطرف الكُردي و السلطات العراقية في بغداد، وبات واضحاً أن هناك اختلافات كثيرة في وجهات النظر، حيث كان الكُرد يطمحون إلى إدخال كركوك ومناطق أخرى ضمن مشروع الحكم الذاتي، بينما الحكومة العراقية كانت ترفض الاستجابة لهذه النقطة، وكإجراء احادي قررت بغداد أن يشرّع قانون الحكم الذاتي في تاريخ 11 اذار/مارس 1974 بعد مرور أربع سنوات كمرحلة انتقالية للاتفاقية والسير لتنفيذ الإجراءات المتعلقة ببيان اذار 1970.
رفضت الحركة الكُردية قانون الحكم الذاتي الصادر عن الحكومة العراقية وأصدرت بيانا في تاريخ 13 اذار/نيسان 1974 ذكرت فيه أبرز النقاط الخلافية الموجودة في القانون مثل الحصة المالية والتمثيل الكُردي في المناصب الحساسة وتكوين المجلس الوطني وغيرها من النقاط التي دفعت الطرف الكُردي نحو رفض القانون.
يقول مسعود البارزاني حول فشل تطبيق البيان والطرف الذي يتحمل المسؤولية بأن: “مسؤولية تعثر تطبيق القرار تقع على عاتق الطرفين – الحركة والحكومة- ، لكن ليس على سبيل المناصفة فنصيب الجبهة الحكومية من التنكر كان أكبر من نصيبنا بكثير” .
ومع الإصرار الحكومي على المضي في تنفيذ قانون الحكم الذاتي والرفض الكُردي للقانون، أصبحت تظهر – وبوضوح – بوادر تحول هذه الخلافات الى نزاعات عسكرية واندلاع الحرب من جديد، حيث بدأ كل طرف بالتهيئة والاستعداد وتحشيد القوات، وقد بدأت الصدامات العسكرية بصورة عنيفة بين الطرفين في نيسان/أبريل 1974، وكانت الحكومة العراقية تحاول القضاء على الحركة الكُردية بقيادة البارزاني هذه المرة بشكل تام، حيث تم استخدام طائرات الجيش في عمليات قصف المناطق الكُردية، ولكن بسبب إدخال الأسلحة من إيران للحركة الكُردية، نجحت في الصمود لفترة طويلة، غير أن استمرار المعارك وخاصة في المناطق الحدودية بين العراق وايران كاد أن يشعل حربا مباشرا بين البلدين، وأدت المعارك إلى انهاك الطرف الكُردي والحكومة معا، فلم ينجح أي طرف في فرض إرادته على الآخر، ولأن الحكومة أدركت مجدداً صعوبة القضاء على الحركة الكُردية بقيادة البارزاني، ولذلك بدأت بالتواصل مع الطرف الإيراني منذ بداية عام 1975 عن طريق بعض الوسطاء للوصول إلى معالجة للمشاكل العالقة بين البلدين مقابل وقف الدعم العسكري عن الكُرد لإنهاء الحركة الكُردية بصورة نهائية.
وبالفعل وبفضل الوساطة الجزائرية نجح الطرف الإيراني والعراقي في مؤتمر قمة (أوبك النفطية) في السادس من آذار/ مارس 1975 إلى اتفاق لمعالجة المشاكل الحدودية بين الطرفين، حيث وافق العراق على التنازل عن سيادته في شط العرب وبعض الأراضي الحدودية مقابل توقف النظام الإيراني عن دعم الحركة الكُردية بالسلاح، وبمجرد توقيع الاتفاقية بين البلدين بدأت القوات الحكومية بشن هجوم شامل على كافة معاقل الحركة الكُردية، وبدوره أعلن الملا مصطفى البارزاني في 19 اذار/مارس 1975 انتهاء الحركة الكُردية المسلحة والالتجاء إلى ايران مع أغلب قادة الحركة وأعضاء الديمقراطي الكردستاني، وانتهت الحركة الكُردية في السادس والعشرين من اذار/مارس لتنجح وحدات الجيش الحكومي في الدخول إلى جميع المناطق الكُردية التي كانت تحت سيطرتهم منذ ثورة أيلول 1961.
بيان أو اتفاقية اذار كانت إنجازاً تاريخياً وفرصة ذهبية لإنهاء المشكلة الكُردية بطريقة سلمية، ولكن بسبب أخطاء الطرفين والتدخلات الخارجية، انهار البيان ولم يكتب له النجاح، ليبدأ فصل آخر من فصول الحركة الكُردية بعد هذه الكارثة التي اعتبرت حينها ضربة قاضية للحركة الكُردية وجسدت تخاذلاً إقليمياً ودولياً وأعادت إلى اذهان الكُرد مقولة (ليس للكُردي صديق إلا الجبل) وخاصة بعد مطالبة القيادة الكُردية للدعم من الولايات المتحدة الامريكية دون أي جدوى.

تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني
بعد قرار الملا مصطفى البارزاني إنهاء الحركة الكُردية المسلحة والانسحاب إلى إيران، خرجت أصوات مُعارضة لهذه الخطوة ودعت إلى الاستمرار في النضال المسلح وعدم ترك السلاح، فبدأ جلال الطالباني بالتواصل مع بعض القيادات والنخب الكُردية في الدول الأجنبية والعربية لتأسيس جمعية كُردية يجمع جميع التيارات ويكون بديلاً للحركة الكُردية في هذه المرحلة الصعبة، وبالفعل تم إصدار البيان الأول للجمعية التأسيسية تم مسمى (الاتحاد الوطني الكردستاني) في 22 مايو/أيار 1975 في دمشق ، وتم تحديد الأول من يونيو /حزيران 1975 كتاريخ تأسيس الاتحاد.
إحدى فقرات بيان التأسيس كانت تؤكد على الهدف من تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني حيث ورد فيها: إن “الهدف من تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني هو رد على قرار التخلي عن الثورة الكُردية، ولذلك نطالب من كل المناضلين من أبناء الشعب أن يدعموا هذا التجمع الجديد وأن يستمروا في نضالهم في سبيل تحقيق أهداف الحركة التحررية الوطنية الكردية”.
وكان الشعار الرئيسي للاتحاد الوطني الكردستاني هو (الديمقراطية للعراق، الحكم الذاتي لكردستان، مع ضمان حقوق التركمان والاشور والكلدان، وتنمية القرى ، وتطوير وتنمية الاقتصاد الوطني والاجتماعي).
بعد مرور عام واحد على تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني عادت الحركة المسلحة الكُردية للتحرك في المناطق الكُردية، وفي الذكرى الأولى لتأسيس الحزب في الأول من يونيو/ حزيران 1976 قام الحزب بإرسال أول مجموعة مسلحة من سوريا إلى كردستان العراق.
وحول دعم الحزب يقول الأمين عام للاتحاد الوطني الكردستاني الراحل (جلال طالباني) : “ثلاث دول كانت تدعم الاتحاد ماديا وعسكريا وسياسيا، فعند تأسيس الاتحاد كان لنا دعم سياسي من الاتحاد السوفياتي، ودعم مادي من ليبيا، ودعم عسكري من سوريا عن طريق التدريب و التسليح واحياناً كانت سوريا تدعمنا ببعض الأموال الى جانب السلاح المجاني”.
بدأت الحركة الكُردية المسلحة مجدداً بالنشاط بعد ما يسمى (نكسة اتفاقية الجزائر)، ولكن هذه المرة بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، وعلى الرغم من استئناف الديمقراطي الكردستاني العمل المسلح أيضاً، إلا ان التنسيق كان غائباً بين الطرفين وشهدت علاقتهما بعض المشاكل، وسنذكر لاحقاً تاريخ الاتحاد الوطني الكردستاني بشكل مفصل.
بالتزامن مع النشاط المسلح للاتحاد الوطني الكردستاني، كانت هناك نشاطات إعلامية أيضاً لإيصال صوت هذا التجمع الجديد وتوسيع قاعدة أنصاره وجماهيره في المناطق الكُردية، وعمليا شكلت هذه التطورات بداية جديدة للحراك الكُردي عقب انتشار أجواء اليأس بعد توقيع اتفاقية الجزائر وانتهاء الحركة المسلحة الكُردية في العراق، ونتيجة لتجدد النشاطات العسكرية والحراك داخل المناطق الكُردية، شعرت الحكومة العراقية بضرورة الجلوس مع هذا الحزب الجديد الذي بات يقود الحراك المسلح ويوسع نشاطاته بصورة ملحوظة، و فعلاً طالبت الحكومة العراقية في عام 1983 التفاوض مع قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني كممثل للحركة الكُردية في تلك الفترة.

الحركة الكُردية خلال الحرب الإيرانية – العراقية
في عام 1979 أعلن رئيس العراق أحمد حسن البكر التنازل عن الحكم لنائبه صدام حسين، وفي نفس العام انتصرت (الثورة الإسلامية) في إيران، وبدأت ملامح نشوء الحرب تظهر بوضوح، وفي نفس العام توفى الملا مصطفى البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومما لا شك فيه أن الحرب الإيرانية – العراقية أثّرت بشكل مباشر على الحركة الكُردية وأدت إلى زيادة الانقسامات والخلافات في مرحلة أصلا هي كانت تعاني من المشاكل وغياب مركزية القرار داخل الحركة، حيث حاولت كل دولة ان تستغل طرف من الكُرد لصالحها ضد الطرف الآخر، فاتجه الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني حينذاك نحو (الجمهورية الإسلامية) في إيران، بينما اتخذ الاتحاد الوطني الكردستاني موقفاً مغايراً بالتفاوض والتقرب مع الحكومة العراقية في بغداد، وحاولت الحكومة العراقية الاستفادة من علاقات الاتحاد الوطني الكردستاني للتأثير على الكُرد داخل إيران واستخدامهم ضد السلطات الإيرانية.
كانت هناك مفاوضات مستمرة بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحكومة العراقية أثناء الحرب الإيرانية – العراقية ، إلا ان الحكومة العراقية لم تكن مستعدة لإحياء مشروع الحكم الذاتي والاتفاق مع هذا الطرف الكُردي على منح الكُرد الحكم الذاتي مجدداً، ونتيجة لذلك قررت قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني في الخامس عشر من يناير/الكانون الثاني من عام 1985 إلغاء المفاوضات مع الحكومة العراقية وتحميلها مسؤولية فشل المفاوضات، مما أدى إلى وقوع الكثير من الصدامات المسلحة في تلك الفترة وما بعدها وانتهت فترة الهدوء النسبي التي شهدتها المناطق الكُردية أثناء إجراء المفاوضات.
لم تشهد كُردستان العراق صدامات مسلحة شديدة بين الحركة الكُردية والحكومة العراقية، ولكن الأراضي الكُردية كانت مسرحاً للحرب الإيرانية – العراقية وقد تضررت المناطق الحدودية بشكل كبير في الجانبين الإيراني والعراقي على حد سواء بشكل عام، ولم تقتصر الاضرار على الخسائر البشرية، بل حتى تضررت البيئة كذلك، ولا تزال المناطق الحدود حتى اليوم تعاني من انتشار كبير للألغام والتي تُشكل خطراً دائماً على الأهالي في تلك المناطق.
يبدو أن الحسابات الخاطئة للأحزاب الكُردية وتفضيل بغداد للتعامل الأمني والعسكري في معالجة القضية الكُردية على الحل السلمي قد أدى إلى عودة الصدامات المسلحة، والذي دفع المواطن الكُردي ضريبته بالدرجة الأولى، حيث شكلت الموافقة الإيرانية على وقف إطلاق النار في تموز/ يوليو 1988 فرصة للحكومة العراقية للتفرغ بشكل أكبر إلى الداخل وإعلان هجوم كبير على المناطق الكُردية كحل نهائي للقضاء على الحركة الكُردية، خاصة وأن الحكومة العراقية كانت تُدرك أن طهران لن تُبادر إلى التدخل أو نجدة الكُرد هذه المرة بسبب الانشغال بوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 8 آب/ أغسطس 1988.
إن اللجوء إلى الخيار العسكري أدى إلى وقوع الكثير من الضحايا في الجانب الكُردي وأضعف الحركة الكُردية بشكل كبير مما أدى إلى تراجع النشاطات العسكرية، حيث شعرت بغداد بأنها سجلت انتصارين في آن واحد؛ مرة في الحرب الإيرانية ومرة بإخماد الحركة الكُردية، ولكن تبين لاحقاً أن هذا الاخماد كان مؤقتا وكانت الأطراف الكُردية تستعد لجولة أخرى من المعارك بعد حرب الخليج الثانية، حيث خرجت المحافظات الكُردية في مارس/اذار 1991 للمطالبة بالحكم الذاتي بعد هزيمة العراق وانسحابه من الكويت.
حاولت الحكومة العراقية السيطرة على الوضع واستخدام كل القوات العسكرية لإنهاء هذه الحركة، والتي أدت إلى تدخل دولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية عن طريق مجلس الأمن والمطالبة بتوفير الحماية للكُرد وإنشاء منطقة آمنة، حيث تم حظر الطائرات العسكرية العراقية من الطيران فوق خط العرض 36 والذي يشمل معظم المناطق الكُردية، وكانت هذه الخطوة بداية لتشكيل إدارة كردستان العراق بصورة رسمية وقانونية ضمن الدولة العراقية.

ملامح هذه المرحلة:
– لم تنجح الأطراف السياسية الكُردية في التوحد تحت مشروع مشترك ورؤية واحدة على الرغم من كثرة التحديات .
– الحكومة العراقية كانت تُفكر بالخيار العسكري والحل الأمني دائما حتى في زمن المفاوضات مع الطرف الكُردي.
– التدخلات الإيرانية ساهمت في تعقيد الموقف وزيادة الانقسامات ودفعت الحكومة العراقية للتعامل بصورة قاسية مع الحركة الكُردية لأنها كانت تعتبره وسيلة إيرانية ضد العراق.
– سقوط عدد كبير من المدنيين الكُرد ضحايا في هذه المرحلة نتيجة العمليات العسكرية بعكس المراحل السابقة ، والمدنيين دفعوا ثمناً باهضاً نتيجة استمرار الصراعات والصدامات العسكرية.

المصادر:
* شكيب عقراوي، سنوات المحنة في كردستان، اهم الحوادث السياسية والعسكرية في كردستان 1958-1980، ط1، المنارة، أربيل، 2007.
* مام جلال، حوار العمر، كتاب من اعداد صلاح رشيد، السليمانية ، 2017.
* حيدر سمير سالم، الأوضاع السياسية لكُرد العراق في عهد الرئيس أحمد حسن البكر (1968-1979) جامعة البصرة، رسالة ماجستير، 2019.
* من اتفاقية اذار الى اتفاقية الجزائر، سالار محمود ، تقرير منشور في صحيفة “المجلة الدبلوماسية” 10/03/2018 .
http://diplomaticmagazine.net/politics/216
* مسعود البارزاني، البارزاني والحركة التحررية الكردية، ثورة أيلول، أربيل، 2002 .
* اوفرا بينغيو، كرد العراق؛ بناء دولة داخل دولة، دار الساقي للطباعة والنشر، 2014 .
* جيرارد جالياند، المأساة الكردية، ترجمة: عبدالسلام النقشبندي، ط2 ، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، 2012.
* ناظم رشم معتوق، انعكاس اتفاقية الجزائر عام 1975 على الحركة الكردية المسلحة في العراق، مجلة أبحاث البصرة، 2017.
* د.كمال فؤاد : سەرەتاکانی دامەزراندن و دەست پێکردنەوەی شۆڕش، ڕێبازی نوێ، ژ (١٩) .
* هەواڵنامەی خەباتی شۆڕشگێڕانەی گەلی کوردستانی عێراق.
* من ذاكرة المام ـ رئيس ـ طالباني، صحيفة الشرق الأوسط، 18 أغسطس 2009 https://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=11221&article=532306#.YIcBhJAzbIW

دراسة خاصة براسام