لقد أصبحت ما يسمى بـ”الدكة العشائرية” هي العرف السائد بعد الاحتلال، على الرغم من إن مجلس القضاء الأعلى قد عد “الدكّات العشائرية” من الجرائم الإرهابية، وشدد على ضرورة التعامل مع مرتكبيها بحزم وقوة حسب قانون مكافحة الإرهاب الذي أُقرّ في عام 2005، باعتبار “الدكة” عمل وسلوك غير مقبول يعمل على ترويع الناس ومقايضتهم بالأموال، مع هذا فقد شكل الاقتتال الداخلي والنزاعات العشائرية معضلة كبيرة أمنية واجتماعية ذهب ضحيتها الكثير من المدنيين الأبرياء، علماً بأن هذا الفصل العشائري غالباً ما يطبق على العشائر الضعيفة مع مغالاة كبيرة في التعويض، وهذه في الغالب هي صفات العشائر المرتبطة بالميليشيات المسلحة والأحزاب السياسية، علماً بأن هذا القانون الذي شرع لمواجهة الدكة العشائرية لم يسهم في انحسار المشاكل العشائرية وخاصةً في المحافظات الوسطى والجنوبية التي أصبحت فيها النزاعات العشائرية أشبه بالمعارك العسكرية المستمرة والتي تجدد بين فترة وأخرى، خصوصاً بعد أن هناك تطور في المواجهات تكمن في استخدام تقنيات حديثة في النزاعات المسلحة مثل الطائرات المسيرة التصويرية التي تستخدم في استطلاع وتحديد ومراقبة أماكن وجود الخصم، والتي لا توجد لدى الكثير من الوحدات العسكرية الرسمية، الأمر الذي ينذر بتطورات أمنية خطيرة تهدد السلم الأهلي، وتحتاج إلى خطط أمنية حازمة لمواجهة هذه التجاوزات التي تؤدي إلى إنتاج ضحايا بالآلاف، وتشريد عوائل من بيوتها تحت ذريعة تطبيق قوانين العشائر.
تسيس العشائر وتسليحها:
لقد سمحت بنية النظام السياسي الحاكم في العراق بعد عام 2003 بتصدر الأحزاب الدينية للمشهد السياسي العراقي، على الرغم من معرفة المحتل بطائفية هذه الاحزاب وتبعيتها الى الخارج، ومعرفته الجيدة بمشروعها السياسي والديني الذي يفضي الى عدم تأسيس وبناء مؤسسات دولة مدنية يتساوى فيها الجميع تحت حكم القانون، لأن هذا سينهي امتيازاتهم ومصالحهم و طائفيتهم ومشروعهم السياسي الديني كونها أحزاب سياسية طائفية مؤدلجة لا تؤمن بالدولة المدنية أو الوطنية الجامعة، وهذا كان واضحاً من خلال الحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق بعد عام 2003، وهذا الأمر والتوجه أنعكس على جميع شرائح المجتمع العراقي بحيث أصبحت الدعوة الى الطائفية الدينية والانتماء الخارجي مرحب به، ولا يعاقب عليه القانون العراقي، مما شجع الكثير من الشخصيات العشائرية والسياسية للانتماء الى هذه الأحزاب الحاكمة والمتسلطة.
لقد ساهمت الأحزاب السياسية والميليشيات المسلحة في تسييس الطابع العشائري، والسيطرة عليه، وتحويله إلى طابع سياسي، حيث تقف الأحزاب والكتل السياسية حائلاً أمام تطبيق القانون في نزع سلاح العشائر الذي تعتبره نزعاً لسلاح الميليشيات، فعندما يحتكم نواب في البرلمان الى قانون العشائر كما حصل في قضية النائبة من “دولة القانون حنان الفتلاوي” التي قدمت شكوى عشائرية ضد النائب “أحمد أبو كلل” من “ائتلاف المواطن” خلال مشادة كلامية في برنامج تلفزيوني وصف فيها النائبة بـ”الانبطاحية”، الأمر الذي أجبر فيه النائب أو كلل الى الرضوخ الى المحاكم العشائرية ودفع (84) ألف دولار كغرامة مالية، مع اعتذار علني بث على قناة آفاق التابعة لرئيس الوزراء نوري المالكي، وأليك أن تتصور عندما يحتكم نواب في البرلمان الى العشيرة فماذا يفعل المواطن البسيط؟، وأليك أن تتصور أي هيبة بقت لمؤسسات الدولة العراقية وخاصة القضائية منها.
لقد سعت الكثير من الأحزاب السياسية المتصدرة للمشهد العراقي لكسب ود العشائر العراقية لتقوية وتوطيد سلطتها ونفوذها في المشهد العراقي، من خلال شراء ولائها بتقديم الكثير من الامتيازات المالية والمعنوية لغرض استثمراها سياسياً وأمنياً لتوطيد سيطرتها وحكمها من خلال الانتخابات، أو عن طريق الهيمنة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، فتحولت العشيرة من بنية يربطها الدم والنسب الى بنية سياسية واقتصادية مؤطرة بغطاء ديني وطائفي تربطها مصالح أقتصادية، وأخرى سياسية تسعى من خلالها الى الاستحواذ على السلطة والنفوذ، كما إن الكثير من العشائر أصبحت لديها ارتباطات خارجية متجاوزة كل مؤسسات الدولة بكافة تفاصيلها السياسية والامنية، وبدأت الكثير من العشائر تستثمر هذه العلاقات لمصالحها الضيقة، من خلال الانخراط في المشاريع السياسية بهدف حجز مكان لها في تركيبة الحكم المستقبلية معتقدة بأنها تم تهميشها طوال الفترة الماضية، حتى أصبحت العشائر عبارة عن قوى تمتلك مصالح اقتصادية وسياسية متنافسة و متصارعة فيما بينها مع جهات سياسية ومسلحة وعشائرية أخرى، وخاصةً في عمليات تهريب النفط والبضائع والمخدرات والسلاح عبر الحدود، بالإضافة الى الدوافع السياسية والأمنية والمالية بعيداً عن واجباتها الاجتماعية المعروفة مما زاد من مشاكلها.
لقد نجحت الميليشيات المسلحة في توريط وكسب الكثير من العشائر العراقية في وسط وجنوب العراق لتكون جزءً من مشروعها السياسي والأمني الطائفي في العراق والمنطقة، بحيث أصبحت لديها ارتباطات ولائية مباشرة مع إيران أو مع الميليشيات المسلحة المعروفة بطائفيتها بالعراق أما بشكل مباشر، أو من خلال أنتساب بعض أفرادها كقادة وأمراء ومقاتلين في هذه الميليشيات، الأمر الذي حول هذه العشائر لتكون عمق استراتيجي لهذه الميليشيات، بحيث أصبحت العشائر تمتلك من الاسلحة الثقيلة والقدرات العسكرية ما لا يمتلكه الجيش الحكومي التابع لحكومة بغداد، وقد صرح قائد شرطة البصرة “الفريق رشيد فليح” في13مارس/أذار عام في مقابلة تلفزيونية عن السلاح الذي تمتلكه العشائر في جنوب العراق قائلاً: “إن السلاح المنفلت في البصرة يعادل ترسانة فرقتين عسكريتين”، فهناك مخازن للسلاح الثقيل، وطائرات مسيرة، ومدافع هاون، وصواريخ محمولة على الكتف، وأسلحة مقاومة الطائرات، وراجمات الصواريخ، مما يجعل السلاح المنفلت ينتشر لدى العشائر بصورة غير مسبوقة، بحيث أصبح لديها أسلحة تضاهي سلاح الدولة بل أقوى منه، وهذا يعكس الانفلات الأمني، وضعف الدولة، وغياب القانون، أما العشائر في كردستان العراق فقد أحكمت الاحزاب الكردية سيطرتها المناطقية بشكل كبير، وباتت تستميل العشائر من خلال العطايا المادية، ومن خلال أستيعاب عشائرهم في الأجهزة الأمنية والإدارية لتقوية نفوذها، وضمان ولائهم لسلطة الإقليم، ومع هذا فالانقسام كان ولا زال واضحاً وجلياً بين أربيل والسليمانية، ولكن لم نرى انفلات أمني قامت به العشائر هناك كما يحصل في المناطق الوسطى والجنوبية، الأمر الذي أنعكس على وجود نوع من الأمن والاستقرار.
لقد وقفت الأجهزة الأمنية عاجزة عن حصر السلاح بيد الدولة في جنوب العراق بسبب ضعفها وبسبب غياب الإرادة السياسية وعدم استقلالية القرار، بالإضافة الى تعدد مراكز القوى و تبعيتها للخارج، مع تهاون وتواطأ السلطات التنفيذية والقضائية في تنفيذ هذا الأجراء، مما أضعف قوة وهيبة المؤسسة الأمنية والعسكرية التي تأتي من قوة وهيبة القرار السياسي الوطني الحازم، بما فيها تدخل الأحزاب والكتل السياسية في الأفراج عن المتورطين في الكثير من الجرائم، علماً بأن عدم التوافق بين الأحزاب والكتل السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة ولديها ارتباطات عشائرية حال دون تنفيذ وتطبيق أجراء حصر السلاح بيد الدولة، الأمر الذي يتقاطع مع مصالحها وانتماءاتها الخارجية، كما أنها ترى بأن نزع سلاح العشائر هو نزاع لسلاح الميليشيات في تلك المناطق، الأمر الذي سيؤدي الى أضعاف سطوتها ونفوذها، وقد نتج عن هذا الوضع أضعاف مؤسسات الدولة التي تحولت الى إقطاعيات تابعة لذلك الحزب أو تلك الميليشيا.

