الكاتب: عماد عبود

ونحن نتلمس أولى خطواتنا في عام 2024، علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية ليراجع كل منا قصاصات أوراقه لعام 2023، هذا إذا كنا حقاً نطمح لإجابات شافية عن أسئلتنا حول عام نريده مختلفاً عن كل ما سبقه. يوماً ما سنترك جميعاً أسئلتنا، الشخصية التي لا تخص أحداً غيرنا، والعامة التي تشغل الآخرين دون إجابة، حتى تجيب هي بنفسها عن نفسها في حياتنا أو ربما بعد رحيلنا، عندها قد تكون بعض الأجوبة مفاجئة وبعضها مدهشة وبعضها مفجعة، لا نملك حيالها إلا أن نبدي أسفنا فحسب، وبعضها بسيط لدرجة أننا سنتساءل: كيف أننا لم نتمكن من توقع الجواب.

كيف لم يتوقع أصحاب الأصابع البنفسجية، إنهم سيلدغون مرة أخرى من نفس الجحر الذي لدغوا منه، عندما دسوا أصابعهم فيه لتلويثها بالحبر، وإن الفائزين بهذه الدورة لا يختلفون عنهم في الدورات السابقة، فما زلنا في ظل النظام ذاته، الذي أنشأه الاحتلال على أسس طائفية وعرقية.

كيف أنهم لم يفطنوا إلى أن توظيف الموروث القبلي والطائفي في أي انتخابات تجرى في هذا البلد ينتهي بالهيمنة على مقدراته من قبل شيوخهم وساداتهم وقدواتهم الذين انتخبوهم. هذا السؤال بالذات إن لم يوجهوه لأنفسهم، فسيوجهه أبناؤهم لهم ذات يوم، لأن السكوت عنه لن يجعل مستقبل أبنائهم في 2024 وما بعدها أفضل من الأعوام السابقة على أي صعيد من الصعد.

كيف أنهم لم يفطنوا إلى أن ضلوع رئيس مجلس النواب بقضية تزوير ليس حدثاً غريباً في مثل هذا النظام، بل يندرج ضمن نهج سياسي وسلوك يومي لا يختص بفريق واحد، وإنما يشمل جميع أركان النظام، وأن عدم انكشاف مئات الملفات المشابهة الأخرى لا يعني أنها غير موجودة، بل أن أوان كشفها لم يحن بعد. قد يقبض على مسؤول فاسد في أي بلد من بلدان العالم وينال عقابه الذي حدده القانون كأي مواطن آخر، لكن أن تصدر الأحكام ولا تسري على المتنفذين فهذا لن تجده في غير الدول الغارقة بالفساد.

حملت لنا سنة 2023 هذه الأحداث وفجعنتا بكوارث ترتبط هي الأخرى بالفساد بشكل أو بآخر، فحادثة مصرع واصابة أكثر من 200 شخص في عرس الحمدانية أيلول/سبتمبر الماضي مرت مرور الكرام، لأن قاعة الأعراس غير المطابقة لشروط السلامة تعود لقادة في ميليشيا بابليون المتنفذة في المحافظة. وكما مر عام 2022 على “سرقة القرن” التي كلفت البلاد 2.5 مليار دولار، دون إجراء حاسم يضع حداً لتكرار مثل هذه السرقات، انقضى عام 2023 دون محاسبة المتسببين الحقيقيين في حادثة الحمدانية، وغيرها من الفواجع المؤلمة.

فواجع العام الماضي حلقات في مسلسل متواصل منذ عشرين عاماً لا يمكن حصرها، لكن أيضاً لا يمكن نسيانها. إذا استثنينا هدم المحافظات المنتفضة على رؤوس سكانها وما تبعه من مآس، قد يكون انفجار الكرادة عام 2016 أكبر فواجعنا، واقتحامات البرلمان المتكررة أكبر مهازلنا، أما أغرب فتاوانا فهي: توقفوا عن أكل الشوكولاتا، دعماً لموازنة البلد الآيلة للانهيار.

في الكرادة سقطت 600 ضحية مات نصفهم لحظة التفجير، لم يعاقب كلب واحد عن مسؤوليته ولو بحرمانه من وجبة طعام، فحتى الكلب البوليسي المكلف بتفتيش المركبات قالوا إنه أصيب بالزكام ولم يتمكن من كشف شحنة المتفجرات، لذلك أعفي من العقوبة، لكنهم عقّبوا حينها في تحريض مفضوح بالقول: إن الشحنة جاءت من المناطق المغضوب عليها، قاطعة أكثر من 100 كيلومتر مكتظة بنقاط التفتيش.

سلسلة الإحباطات التي تحاصرنا كلما أحصينا خسائر عام رحل وحل عام جديد لابد أن تكون بسبب مخالفتنا فتاوى أولي الأمر منا، وكانت فتوى أحد المعممين منهم، وهو مسترخ في سيارته الفخمة المصفحة بالامتناع عن إطعام أطفالنا بعض الشكولاته بسبب خواء الميزانية واحدة من هذه الفتاوى، التي مازال العراقيون يتداولونها حتى اليوم بعين تضحك وعين تبكي، متسائلين إن كانت قطعة شكولاته قد أثرت به أكثر من شجرة عيد الميلاد التي نصبت في مدينة الكاظمية في الأيام الأخيرة من 2023 وفوقها النجمة السداسية، ليخرج علينا في ذلك العام بفتوى الشكولاته، ويتجاهل هذا العام الشجرة والنجمة السداسية.

ونحن نشيع سنة 2023 إلى مثواها الأخير غير آسفين على شيخوختها الطالحة، التي قضتها بالفساد والمناكفات غير المجدية بين رموز السلطة، ولا على الإنجازات السياسية والاقتصادية والأمنية المخيبة التي جنيناها خلالها، نفتح أبواب الأمل للعروس الشابة المقبلة علينا رافعين لها كفاً بباقة ورد تعبيراً عن حسن النية والرغبة بفتح صفحة جديدة مع الزمن، من شعب ذاق من سابقاتها الأمرين، وكفاً إلى السماء بالدعاء محنيي القامات باسمي الوجوه، أن تدخل علينا 2024 (برجلها اليمين) كما يقال في الموروث الشعبي، لعلها تكون قدم سعد علينا وعلى كل الأحرار حول العالم، خاصة وأن انتصارات تشرين في غزة، حركت لدى العراقيين مشاعر جمة عن انتفاضتهم التي خاضوها في نفس الشهر من عام 2019، كما منحنا أطفالُ غزة ومنحوا العالم كله، دلائل على أن النصر ليس ببعيد عندما يكون صاحب الحق مؤمناً به، ومصمماً على انتزاعه.

مقال خاص براسام