لطالما سعت طهران لإلقاء ثقلها في جميع أنحاء المنطقة، تواجه اليوم رد فعل عنيف في العراق ولبنان وفي الداخل. حيث تجتاح الشرق الأوسط موجة جديدة من التظاهرات، وهناك عامل مشترك يربط الاحتجاجات من بغداد إلى بيروت، تزامنا مع شعور الشعوب العربية بالكراهية تجاه النظام الإيراني وسياسة طهران التوسعية. وقادة إيران يعتبرون العراق بلدهم منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

فمنذ اندلاع الاحتجاجات أوائل أكتوبر/ تشرين الأول، قتلت القوات الحكومية المختلفة – بما في ذلك الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران – أكثر من 400 عراقي وجرحت نحو 20.000 آخرين. وليس هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن الكثير من الوحشية قد حدثت بناءا على طلب من “علي خامنئي” و”قاسم سليماني” – قائد قوات الحرس الثوري الإسلامي- لكن الأدلة المتوفرة تؤكد على ذلك.

وبالرغم من ادارك للمزاج المعادي لإيران في الشوارع العراقية، الذي يجسده المتظاهرون الذين ضربوا بأحذيتهم صور خامنئي، لم يتردد خامنئي في التدخل.

وفي إشارة إلى الاحتجاجات على أنها مؤامرة دبرتها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والكيان الصهيوني، دعا خامنئي القوات في العراق إلى “علاج انعدام الأمن والاضطراب” – وهي إشارة كانت بمثابة ضوء أخضر للميليشيات المدعومة من إيران لسحق المظاهرات في العراق-.

كما أن بصمات سليماني وجدت في أجزاء أخرى من العراق أيضا. حيث تبيّن مؤخرا أنه في اليوم التالي لبدء الاحتجاجات، طار الجنرال الإيراني سرا إلى بغداد للقاء مسؤولين أمنيين. ودعا سليماني لاتباع نهج صارم للتعامل مع الناس في الشوارع، حيث قال: “في إيران نعرف كيفية التعامل مع الاحتجاجات”، في إشارة ضمنية إلى القمع العنيف السابق للتظاهرات السلمية في إيران، وبشكل أكثر عدوانية في سوريا. وقد تجاوز عدد القتلى في العراق 100 شخص بعد رحيله بيوم واحد، مما يؤكد على قوة كلمة إيران.

 

من أين تحصل طهران على نفوذها في بغداد؟

يعود الارتباط بين النظام الإيراني وبعض أقوى الشخصيات في العراق إلى أربعة عقود، منذ اللحظة التي عاد فيها الخميني – الأب المؤسس لجمهورية إيران – إلى إيران عام 1979. حيث تطلع إلى تصدير الثورة إلى العراق. وبالنسبة للخميني، فقد كانت السيطرة على مدينتي النجف وكربلاء العراقيتين – أقدس مواقع الإسلام الشيعي بعد مكة والمدينة -، بمثابة أخذ عباءة الإسلام الشيعي وأتباعه الذين يبلغ عددهم الآن نحو 200 مليون.

ولتحقيق ذلك، استثمرت طهران بشكل مكثف في أدوات القوة الصلبة واللينة لتوسيع نفوذها في العراق، وقد حقق هذا الاستثمار الأرباح في النهاية. فبعض أبرز الأفراد في العراق اليوم – بمن فيهم أبو مهدي المهندس وهادي العامري، ومسؤولون حكوميون سابقون وزعماء أقوى الميليشيات التي تدعمها إيران – تم تجنيدهم في البداية من قبل الحرس الثوري الإيراني أوائل الثمانينيات؛ لنشر الثورة في العراق، لكن الخميني لم يعش لرؤية الاستيلاء على العراق، مما يجعل خليفته خامنئي، أكثر شراهة لتذوق ذلك.

وبعد عام 2003، عملت إيران من خلال الحرس الثوري الإيراني وشخصيات مثل المهندس والعامري لتجنيد الشباب العراقي الشيعي وتنظيمهم في الميليشيات، ولم يتم تدريب هؤلاء المجندين عسكريا فقط، بل أيضا أيديولوجيا،، لضمان اقتناعهم المطلق بأن خامنئي هو السلطة العليا في العالم الشيعي.

وخططت طهران، بالأساس، لتكرار “نموذج حزب الله” في العراق، ورعاية العنف للسيطرة على الأرض، مع تشجيع هؤلاء المتشددين على الاستفادة من الديمقراطية المنشأة حديثا كوسيلة لاختراق المؤسسات السياسية، وقد تعززت هذه الجهود من خلال العلاقات الشخصية عبر الحدود.

ويوجد اليوم لدى إيران ما يقرب من 100 ألف عنصر من الميليشيات الشيعية المسلحة، والكثير منهم موالون لخامنئي أكثر من الدولة العراقية. حيث إنهم يقوضون باستمرار سيادة حكومة بغداد، ويعملون فعليا وفق قانون خاص بهم. وهذا ما زاد من حدة التوترات الطائفية. وكان ظهور تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014 نتيجة جزئية لأجندة طائفية دبرتها إيران ونفذتها الميليشيات الشيعية.

ومكّن هذا الوضع الراهن الجديد طهران من التدخل بشكل أعمق في شؤون دولة هشة بالفعل، ومزيد من دمج نفسها في المجتمع العراقي وبذر بذور الشقاق في المستقبل.

وألقت برقيات المخابرات الإيرانية المتسربة الضوء على حجم وطبيعة تدخل إيران المنهجي والعميق في العراق، ابتداء من شبكتها من العملاء المتشددين إلى إشرافها على المؤسسات السياسية.

وتؤكد البرقيات المسربة ما عرفه المحتجون بالفعل. لقد خصصت طهران موارد هائلة لفرض هيكل القيادة والسيطرة على بغداد. إذ ينظر المحتجون – في سياق أوسع من الظروف الاقتصادية المتدهورة والحكم الفاسد غير المستجيب – إلى إيران كمصدر لمعاناتهم، مما يغذي المشاعر المعادية لإيران في الشوارع.

كما يمكن الشعور بمزاج مشابه مناهض لإيران في لبنان، حيث تم تحدي أقدم وكيل للنظام الإيراني – حزب الله-، كجزء من التظاهرات المناهضة للحكومة منذ أكتوبر/ تشرين الأول.

إن الاحتجاجات في لبنان – التي كانت علمانية بشكل فريد على الرغم من التكوين الطائفي الهش لسكانها – تحركها تهم الفساد والرغبة في استبدال مؤسسة صلبة وغير مستجيبة، أصبح حزب الله جزءا جوهريا منها.

تأسس حزب الله بمساعدة من الحرس الثوري الإيراني أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وقد أعطى أولويات للمصالح الأيديولوجية لطهران على مصالح لبنان. وفي الواقع، لم يخف زعيم حزب الله حسن نصر الله ولاءه الأعمى لخامنئي، مؤكدا على أن حزبه الشيعي “يؤمن بـ خامنئي أكثر مما يؤمن بالدستور اللبناني”.

يمكن سماع المحتجون في شوارع لبنان وهم يهتفون “هنا لبنان، وليس إيران”، بعد أن اعترض نصر الله بشدة على أي تغيير في النظام السياسي في البلاد.

ويشعر المتظاهرون أن الشخصية الطائفية لحزب الله لها تأثير مزعزع للاستقرار على البلاد وهي واحدة من العوائق الرئيسة أمام التغيير التدريجي. هذا لأنه – على غرار العراق – من المرجح أن يؤثر أي تغيير في ميزان القوى الحالي سلبا على النفوذ الإيراني في لبنان. ولهذا السبب أعطى خامنئي إشارة إلى أعضاء حزب الله لسحق المحتجين في الشوارع. فهذه الموجة الجديدة من المشاعر المعادية لإيران محسوسة في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط أيضا. إذ تشير دراسة حديثة أجرتها “اصداءBCW ” إلى أن ثلثي الشباب العربي يعتبرون إيران عدوة لبلدهم.

من الأهمية بمكان توضيح أنه لم يتم معارضة قيادة إيران على أرض الواقع فحسب؛ بل تحدى أيضا، الزعماء الدينيون الرئيسيون خامنئي. حيث لم يضيع علي السيستاني – أكبر رجل دين شيعي في العراق – أي وقت في إلقاء ثقله خلف المتظاهرين، مما قوض بشدة المشروع الشيعي الإيراني. وبعد استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، تضاعف موقف السيستاني ضد القيادة الإيرانية، قائلاً إنه يجب تشكيل حكومة جديدة “من دون أي تدخل أجنبي”. وجاءت تعليقاته بعد تقارير تفيد بأن قائد الحرس الثوري الإيراني سليماني قد أُرسل مرة أخرى إلى بغداد، لممارسة نفوذ إيران على تشكيل حكومة جديدة.

إن شد الحبل حول المناطق الشيعية قد خدشت غرور الزعيم الإيراني النرجسي، الذي استثمرت آليته الدعائية الكثير من الوقت والمال لتصوير سلطته باعتبارها أقرب إلى الله. فلم يستجب خامنئي حتى الآن لردود فعل السيستاني، لكن هذا ربما يرجع إلى عمر السيستاني المتقدم (89 عاما)، وتأمل المؤسسة الدينية الإيرانية في أن يؤدي موته إلى فتح فراغ يمكنهم ملؤه.

ومن أحد الجوانب الأساسية لهذا التوازن الكامل، هو نظرة الشعب الإيراني لنظامه، لقد تم تجاهل المستويات المرتفعة من السخط العام في إيران باستمرار من قبل صناع السياسة والمراقبين، وأدت الاحتجاجات الأخيرة في إيران – والتي قمعها النظام بوحشية – إلى غضب الكثيرين في الغرب، لكن علامات الاستياء على نطاق واسع كانت موجودة منذ سنوات عديدة.

بينما يعارض العراقيون نظام إيران بسبب انتهاكه لسيادتهم. وينتقد الشعب الإيراني ذلك لأنهم يرون أنه يحول مواردهم إلى مغامرات في الخارج على الرغم من المشاكل الرئيسية في الوطن. ووفقا للإحصاءات الرسمية سيعيش 57 مليون إيراني تحت خط الفقر المطلق بحلول نهاية مارس 2020. لكن هذا لم يثبط من التدفق النقدي إلى وكلاء إيران الإقليميين وأنظمة الحلفاء. فمنذ اندلاع النزاع في سوريا أنفقت إيران ما لا يقل عن 30 مليار دولار أمريكي لدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتقوم سنوياً بتحويل 700 مليون دولار لتمويل حزب الله.

لذلك يجب أن يكون عمق الغضب الشعبي تجاه النظام ليس بالمفاجأة، فقد اندلعت الاحتجاجات الأخيرة بسبب زيادة الوقود، لكن سعر الوقود كان مجرد الشرارة التي أشعلت عقودا من المعارضة للنظام في إيران. وبعد عشر سنوات من قمع الحركة الخضراء المؤيدة للديمقراطية عام 2009 توسعت التركيبة السكانية للمعارضة من الإيرانيين التي كانت في الغالب من الطبقة الوسطى إلى شرائح أوسع من السكان. فشهد العقد الماضي أيضا تطورا عضويا في مطالب سكان إيران من الإصلاح إلى التغيير الصريح.

وخلال عام 2009، ساد اعتقاد حقيقي بأنه يمكن إصلاح “الجمهورية الإسلامية” معبرا عنها بشكل أساسي في المطالبة بتعيين مير حسين موسوي-المرشح الرئاسي الإصلاحي- كرئيس للبلاد. أما الآن فقد تم استبدال الشعارات المعتدلة المؤيدة للإصلاح التي تم سماعها في الشوارع الإيرانية عام 2009 بمزيد من الهتافات العدائية، مثل “الموت لخامنئي” و “يجب على الملالي أن يرحلوا” – مما يشير إلى رفض أوسع للنظام الثوري الإسلامي بأكمله.

إن أربعين عاما من أولوية التدخل الإقليمي على حساب الواجبات الداخلية قد خلق اليوم أكبر إسفين بين الشعب الإيراني و”الجمهورية الإسلامية”. وتؤكد الموجة الجديدة من الاحتجاجات المناهضة للنظام في إيران – والتي خلفت مئات القتلى والجرحى في أربعة أيام فقط – على المزاج المتدهور في الشوارع.

والآن بينما يهتف المحتجون في العراق، “إيران برة برة .. بغداد تبقى حرة”، يصرخ المحتجون في إيران “لا لغزة، لا للبنان، أعطي حياتي فقط من أجل إيران”، مما يعكس رغبة متزايدة في كلا البلدين ضد الحكومات التي وضعت المصالح المحلية فوق الاعتبارات الإقليمية. ويمكن أن تلجأ الحكومة الإيرانية إلى العنف لإخماد الاضطرابات مؤقتا في كل من إيران والعراق، لكن من المرجح أن يستمر المزاج الشعبي الثوري.

يمكن أن تؤدي هذه الحالة الراهنة إلى الضغط على النظام من جميع الجهات. فهذه ظاهرة جديدة حتى آخر موجة من الاحتجاجات في المنطقة، بدأ النظام الإيراني أقوى بكثير خارج حدوده من الداخل. ولكن مع اندلاع الاضطرابات الجماهيرية ضد نفوذها في العراق ولبنان، يبدو أن السخط الشعبي يمتد إلى ما هو أبعد من أراضيها الوطنية أيضا. وهذا قد ينذر ببداية النهاية لامتدادها خارج الحدود الإقليمية، والتي بدأت التشققات في الهلال الشيعي الأيديولوجي في طهران في الظهور.

وهناك شيء واحد مؤكد وهو لن ينحسر الحرس الثوري الإيراني ووكلاء إيران من دون قتال. في حين أن مزيج الضغط في العراق ولبنان وإيران قد يساعد في إضعاف النظام في طهران، إلا أنه من المحتمل أن يكون شأنا دمويا، ولم يعد بإمكان المجتمع الدولي أن يبقى صامتا.

بالنسبة للمتشككين في واشنطن وأوروبا والذين يدافعون عن الانسحاب من الشرق الأوسط، فإن هذا الوضع المعقد الذي بدا واضحا يمثل تذكيرا صارخا في أن الوقت قد حان الآن للتراجع عن موقفهم، والناس يرفضون اليوم صراحة الأيديولوجية الأصولية التي ولدت من ثورة الخميني عام 1979.

يجب على المجتمع الدولي أن يشير بوضوح إلى أنه يقف مع الشعب الإيراني – وكذلك مع الناس في جميع أنحاء المنطقة – الذين يدعون إلى إنهاء نفوذ إيران خارجيا وتقدم أكثر داخليا، إن التخلي عنهم في وقت الحاجة لن يؤدي إلا إلى المخاطرة بتوفير حبل نجاة لأهداف إيران الاستبدادية والسلطوية.

 

فورن بولسي / كاسرى ارابي

ترجمة وتحرير: راسام