لم يترك الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي جو بايدن المجال أمام الكثير من التساؤلات، فقد كانت نقاطه واضحة وصريحة. أمريكا قتلت أسامة بن لادن منذ مدة طويلة، ولم تعد قادرة على محاربة طالبان أو المساعدة في تجهيز الجيش الأفغاني. لم تعد أفغانستان على رأس مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما أكد عليه بايدن في خطابه قائلًا: “إنه من حق ومسؤولية الشعب الأفغاني وحده أن يقرر مستقبله، ويوجه إدارة بلاده على النحو الذي يشاء”.
لكن ماذا عن العراق؟
في أفغانستان، دأب بايدن على انتقاد مساعي الولايات المتحدة في المنطقة لأكثر من عقد من الزمن. حيث وجه توبيخًا للجيش الأمريكي مؤكدًا أن شعار “مجرد عام واحد آخر” من التواجد في أفغانستان، هو سبيل لتمديد مدة بقاء الجيش الأمريكي هناك، أكثر مما هو حل للوضع المتأزم. سواء كان هناك اتفاق أو اختلاف مع الرئيس الأمريكي، إلا أن هناك مجالًا واسعًا لتحليل لغته وإيجاد غموض في كلامه. بايدن استعرض مصالح الولايات المتحدة في أفغانستان، ووجد المصلحة في إنهاء الحرب.
في المقابل، يسود الموقف من التواجد العسكري في العراق كثيرًا من الارتباك في اللغة والأهداف المحددة. إذ يصعب العثور على حزمة واحدة من المصالح والأهداف الاستراتيجية. وبغض النظر عن الجهود الديبلوماسية والاقتصادية الروتينية الموجودة في كل بلد تحتفظ فيه الولايات المتحدة بسفارة فيه، إلا أن هناك هدفًا استثنائيًا: هزيمة داعش. إذا كان هناك المزيد من هذه الأحداث، فستستمر القصة.
عام 2014 ، عادت الولايات المتحدة إلى العراق لمساعدة قواته العسكرية. وبعد معارك دامية خاضتها قوات تحسب على العراق، لم يعد لتنظيم الدولة “داعش” خلافة ولم يعد لديه خليفة ولم يعد لديه القدرة على شن عمليات تكتيكية واسعة النطاق. ليكتفي بقية المنتمين للتنظيم بشن هجمات إرهابية في محاولة لإظهار بعض المؤشرات على إمكانية التوسع في مناطق معينة. لكن، لم يعد من المرجح أن يرى العالم مرة أخرى التنظيم وهي تحتل بعض المناطق أو ترفرف راياتها السوداء فوق مدن رئيسية مثل الموصل. أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات منذ عام 2014 لإعادة تشكيل قوات الأمن العراقية وتدريبها وتقديم المشورة لها حتى أصبحت هناك حاجة دائمة لدعم استخباراتي وجوي ولوجستي أمريكي. إلا أن ذلك بات صعبًا، وسط الضغوطات من أجل تبرير وجود الجيش الأمريكي في بلد يحتوي على ميليشيات خارجة عن الحكومة (أقسمت) على هزيمة داعش، وعلى (طرد) الولايات المتحدة أيضًا.
والحق أنه لا يوجد هناك سبب وجيه للإبقاء على القوات الأمريكية، بغض النظر عن بعض العمل الجيد الذي تقدمه السفارة الأمريكية، كدعم الانتخابات، وهي مهام تؤديها أصلا كل السفارات في جميع أنحاء العالم.
الأمريكيون والعراقيون على حد سواء مرتبكون بشأن دور الولايات المتحدة في العراق، ما يفسح لعدد من الروايات والفرضيات بالتداول، من بينها أن الأجندة الحقيقية لأمريكا، هي جعل العراق منصة لها لإطلاق العمليات ضد إيران. أي أن العراق ستصبح ساحة حرب بالوكالة بين إيران والولايات المتحدة. إضافة لمنع إيران من مد خطها الساعي لبلوغ البحر الأبيض المتوسط. نظرية أخرى تتحدث عن التواجد الأمريكي من أجل دعم الحكومة العراقية الفاسدة المدعومة من الغرب، وسرقة النفط العراقي. إضافة للحديث عن رغبة أمريكية في تدمير الميليشيات الموالية لإيران.
نظريات أصبحت أكثر واقعية، بعد رفض الولايات المتحدة قرار البرلمان العراقي في يناير / كانون الثاني 2020 بطرد القوات الأمريكية من العراق.
وقد واصل المعارضون للبقاء الأمريكي ضغوطهم وتغذيتهم لكل الروايات المذكورة، حيث تصدرت الميليشيات العراقية والمجموعات البرلمانية بانتقادات وتهديدات صريحة. فقد طالب حزب عصائب الحق رئيس الوزراء العراقي بإصدار قرار يقضي (بطرد) كل القوات الأجنبية من العراق. في وقت رفعت فيه كتائب سيد الشهداء التي توالي إيران شعار: “الصدريون يصرون على طرد المحتل”. أما جماعة ذو الفقار فقد أصدرت بيانا قالت فيه: ” سيستمر القتال حتى تدمير المحتلين الأجانب ومرتزقتهم”.
على النقيض من ذلك، تواصل الولايات المتحدة خطابها الديبلوماسي. حيث أكدت وزارة الخارجية الأمريكية على “أهمية العلاقات مع العراق، ورغبتها في عراق موحد ومتطور وديموقراطي”. كما أكد تصريح وزارة الخارجية على استمرار حديثها مع الحكومة بشأن الواجب الأخلاقي لحماية المتظاهرين السلميين”. خطاب الولايات المتحدة أصر دومًا على “تحقيق الاستقرار في المناطق المحررة من داعش، والسعي لتطوير جيش عراقي محترف”، في وقت لا تزال المعارضة الأمريكية تتحدث عن الأهداف والمقاصد من وراء كل هذه الخطابات الديبلوماسية للإدارة الأمريكية. ولاتزال الأهداف والحقائق بشأن المقصد الحقيقي من بقاء أمريكا في العراق مبهمة، دون تحديد أي أهداف استراتيجية أو إقليمية واضحة، كالحفاظ على “حرية الملاحة في الخليج الفارسي”، أو “الحفاظ على الوصول للموارد الأساسية”، أو “الدفاع عن الحلفاء”، أو “منع انتشار أسلحة الدمار الشامل”. بل حتى هزيمة تنظيم الدولة أصبح عذرًا واهيًا، وبات ينظر إلى هذا الهدف كحصان مطاردة، من أجل البقاء في العراق وسوريا إلى أجل غير مسمى.
التحدي الذي تواجهه مؤسسة الأمن القومي الأمريكية، يكمن في السعي لتحديد أهداف مباشرة لتبرير الوجود العسكري الأمريكي في العراق. وبغض النظر عن أي مرجعيات سياسية، فعلى إدارة بايدن تقديم توضيحات بشأن الأهداف والمصالح الأمريكية التي يجب تحقيقها في العراق. خصوم أمريكا يستخدمون لهجة واضحة في العراق، في وقت تستمر الأفعال والتصريحات الأمريكية عرضة للتلاعب والتفسيرات التي تزيد الوضع تعقيدًا.
اليوم بات من الضروري أن يكون هناك خطاب صريح مع الشعب الأمريكي بهذا الصدد، ولعل تحديث التوجه الاستراتيجي للبلاد هي بداية جيدة، لكن مع ضرورة التفصيل وتحري الدقة في متابعة هذا الأمر. بايدن منح توضيحًا بشأن الوضع في أفغانستان، وعليه أن يفعل الأمر نفسه بالنسبة للعراق.
مارك كيميت / ديفانس وان
ترجمة وتحرير: راسام

