قراءة تحليلية في المشهد السياسي العراقي

كيف يمكن حل البرلمان دستورياً:

إن قضية حل البرلمان والذهاب الى انتخابات مبكرة تحتاج الى تطبيق المادة (64) من الدستور العراقي التي تنص أن يتقدم ثلث نواب البرلمان (110) نائب بطلب تحريري الى رئاسة المجلس لحل البرلمان، وهذا يحتاج الى التصويت بثلثي المجلس، وهنا لا يملك التيار الصدري أي عضو في البرلمان للقيام بهذه الخطوة، وحتى والكرد والسنة لا أعتقد بأن يريدون أعادة الأنتخابات لوجود تطورات داخلية قد تغير الكثير من نتائج المشهد السياسي القادم لذا لن تكون في صالحهم، والطريقة الثانية لحل مجلس النواب هو أن يتقدم رئيس الوزراء بطلب لحل البرلمان بموافقة رئيس الجمهورية، ثم يطرح الطلب للتصويت في البرلمان، ويشترط في هذه الحالة موافقة أغلبية الأعضاء، وهذا الخيار غير متوفر لوجود حكومة غبر منتخبة وهي لتصريف الأعمال، ولا يحق لها تقديم مثل هذا الطلب، كما إن الرئيس الحالي لا يحظى بدعم البرلمان، كما إن الإطار يقول لماذا يحملونا مسؤولية حل البرلمان والصدر كان قادر على حله قبل أنسحابه من البرلمان، فلماذا لم يفعل ذلك؟، لذا فالحل الموجود هو التوافق السياسي على حل البرلمان بين جميع المكونات السياسية، واذا لم يحصل هذا التوافق فهذا يعني بقاء خيار تحريك الشارع الصدري قائم مما يعني شلل جميع مرافق ومؤسسات الدولة العراقية، كما يعني بأن أي قرار لا يوافق عليه الصدر ويقبل به سيلجأ الى الشارع وبذلك ندخل في دائرة مفرغة لن تنتهي.

الإطار والتيار لا يملكون مشروع لبناء دولة:
إن هناك من يروج بأن هناك مشروعان يتصارعان في العراق أحدهما يقوده التيار الصدري والأخر يقوده الإطار التنسيقي، ونحن نقول بأن هذين الطرفين لا يمتلكان أي مشروع لبناء دولة حديثة، على العكس من ذلك فقد كانوا معول هدم طوال السنوات الماضية لتدمير الدولة العراقية التي قامت بعد عام2003م، وهناك اتهامات فساد متبادلة بينهم والطرفين، لذا فهم جزء من الكارثة التي حلت بالعراق، ولا يمكن لنا أن نقبل بمثل هذا التسويق الذي لا ينم عن معرفة دقيقة بطيعة التطورات السياسية والتاريخية للعراق، فهناك مشاريع شخصية وحزبية وطائفية ضيقة بل وعائلية تستهدف شريحة معينة من الشعب، لذا فاستمرار الصراع بينهم سيستمر وستكون له تداعيات خطيرة على الوضع الداخلي العراقي خصوصاً بعد التسريبات الصوتية للمالكي التي زادت من حدة التوتر والصدام المسلح بينهم مالم يتم التوصل الى حلول سريعة تنزع فتيل الأزمة السياسية، علماً بأن الصدر حاول في ظل شح الخيارات المطروحة إن يقوم بمحاولة لجر وسحب بعض مكونات الإطار التنسيقي لتحالفه لتشكيل الحكومة، وذلك من خلال دعوته لبعض مكونات الإطار للالتحاق به وخاصة تحالف “الفتح ” بقيادة “هادي العامري” في محاولة لعزل “نوري المالكي” و”قيس الخزعلي” عن تشكيل الحكومة القادمة،  ولكنه فشل في ذلك بسبب رفض الإطار لهذه الدعوة كونه لا يقبل ألا بانضمامه بصورة كاملة، الأمر الذي يجعل من هذا الخيار غير مقبول بسبب بعد تصاعد الخلافات بين الطرفين.

العامري يتنصل من مسؤولية تشكيل الحكومة:
الأمر الأخر الذي أود التذكير به هو ما صرح به زعيم كتلة “الفتح” وأحد قادة الإطار التنسيقي “هادي العامري” الذي قال في بيان له أني: “سوف أقوم بتقديم الدعم والمساندة لأي مرشح يتفق عليه الأخوة في الإطار، رغم قرارنا عدم المشاركة في أي حكومة مستقبلية”، وهذا التصريح غريب وفيه تنصل وتهرب واضح من المسؤولية التي سوف تترتب على تشكيل الحكومة القادمة، وهنا أسأل من يتحمل مسؤولية الحكومة القادمة أيها الإطاريين؟، وإذا كنتم تتنصلون من تشكيل الحكومة لماذا لا تدعون التيار يقوم بذلك، وهنا لا بد لي أن أذكر بأن سيطرة “مقتدى الصدر” على المشهد السياسي الشيعي فهذا يعني أننا دخلنا في نفق جديد وصراع كبير بين الأطراف الشيعية، كما أنه يعني أننا سنكون أمام نوع جديد من الهيمنة والسيطرة الدينية والشخصية، وسنكون أمام قرارات ارتجالية، وقرارات غير مدروسة كما حصل في سحب نوابه من البرلمان، مما يعني بأن سلطة المرجعيات الدينية ستبقى هي الحاكمة للدولة والحكومة، وهنا كأننا لم نفعل شيء سوى أننا استبدلنا سيطرة الإطار بسيطرة التيار، وأعطوني موقف واحد للتيار الصدري كان متميزاً لصالح البلد وهو الذي مكن المالكي من رئاسة الوزراء لدورتين متتالية.

القوى السياسية لا تعرف الى من تحتكم:
إن المشكلة الرئيسية في العراق هو أننا عندما نختلف لا نعرف الى من نحتكم؟، كون الدستور فشل في الإجابة على الكثير من القضايا المهمة والتي احتملت تفسيرات متعددة مما كانت سبباً رئيسياً في الخلافات التي تجري بين الأحزاب والكتل السياسية، وما يجري اليوم من تفسير لقضية النصاب اللازم لانتخاب رئيس الجمهورية هو خير دليل على عدم قدرة الدستور على حسم الخلافات السياسية، بعد أن فسرتها المحكمة الأتحادية العليا حسب قناعاتها وتوجهاتها السياسية والعقدية، وغيرها الكثير من الفقرات الأخرى التي أثبت الدستور فشله في التعامل معها، بل أنه أثبت فشله في بناء دولة مؤسسات حقيقية، بحيث أصبح الدستور عاجز عن مواكبة الأحداث السريعة التي يمر بها العراق والمنطقة، وهو منهتك من قبل جميع الطبقة السياسية الحاكمة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر هو تشكيل ميليشيات الحشد الشعبي عام 2014، والتي تتقاطع مع المادة تاسعاً من الدستور العراقي التي تحظر تشكيل مسلحة خارج إطار القوات المسلحة، وهناك الكثير من الحوادث التي تجاوزت الدستور وصمت عنها الجميع حتى وصلنا الى تفسير الدستور حسب التوجهات السياسية للطبقة الحاكمة بما يمكنها من البقاء في السلطة.

إن الوضع في العراق خطير وينذر بحرب أهلية نتيجة الانقسام والاستقطاب السياسي الحاد والذي أصبح ضمن المكون الواحد ناهيك عن الخلافات الداخلية بين المكونات الأخرى لذلك فنحن اليوم بين أرادتين سياسية هما الإطار والتيار والطرفين يمتلكون أجنحة مسلحة ويريدون التحكم بالشارع العراقي الذي أصبح مدجج بالسلاح ومنقسم و مستنفر ضمن سياسة المحاور داخلياً وخارجياً، والسبب في ذلك هو إن الجميع لا يعرف الى من يحتكم!، هل يحتكم الى الدستور الذي تم تجاوزه من قبل الجميع ومختلف عليه بشكل كبير؟، أم يحتكم الى المحكمة الاتحادية العليا التي تفسر فقرات الدستور المختلف عليها حسب قناعاتها القانونية والضغوطات السياسية؟، أم يحتكمون الى مرجعية دينية؟، أم شخصية سياسية؟، وجميع هذه المرجعيات تم تجاوزها من قبل الجميع، علماً بأن هناك جهات سياسية تعتبر تفسيرات المحكمة الاتحادية هي أكبر خرق للدستور لكونها تلبي طموحات سياسية معينة!.

الصدر يدعو القضاء لحل البرلمان:
إن الكلمة التي ألقاها “نوري المالكي” زعيم تحالف “دولة القانون”، والتي أعلن فيها عدم الموافقة على حل البرلمان والذهاب الى انتخابات مبكرة مالم ينعقد البرلمان، دفعت الموقف الى مزيد من التصعيد، وجعلت “الصدر” يصعد من لهجته ضد “المالكي” في قضية حل البرلمان والذهاب لانتخابات مبكرة قائلاً: “بأن ذلك غير منحصر بعقد جلسة لمجلس النواب”، كما وجه كلامه للجهات القضائية المختصة وبالأخص رئيس مجلس القضاء الأعلى “أملاً منهم تصحيح المسار خصوصاً بعد أنتهاء المهل الدستورية” وأضاف أيضاً قائلاً: “مازلنا نأمل منه الخير على الرغم مما يتعرض له من ضغوطات سياسية وأمنية” على إن “يقوم بحل البرلمان .. خلال مدة لا تتجاوز نهاية الأسبوع القادم… وتكليف رئيس الجمهورية مشكوراً بتحديد موعد انتخابات مبكرة مشروطة بعدة شروط سنعلن عنها لاحقاً”، علماً بأن المحكمة الاتحادية العليا ورئيس مجلس القضاء الأعلى لا يمتلك صلاحيات لحل مجلس النواب، كما دعا الى صلاة الجمعة موحدة لأتباعه في المحافظات، وفي منطقة الاعتصام، وطالبهم بتوقيع وتقديم طلبات لمجلس القضاء الأعلى لحل البرلمان الذي أخفق في أداء دوره الدستوري لتجاوزه المدد الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، مما دفع الإطار الى دعوة أنصاره للتظاهر والاعتصام كخطوة مضادة لإظهار القوة المقابلة وذلك باعتصام مفتوح بالقرب من بوابة الجسر المعلق في خطوة مقابلة للتيار الصدري، وكأنه يريد أن يوصل رسالة مفادها هو إن الشارع ليس حكرا على جهة معينة أو تيار معين، على الرغم من تباين الاعتصامين من ناحية العدد والقدرة على التحشيد، فالتيار الصدري لديه جمهور ثابت وعقائدي ومطيع على عكس جمهور الإطار الذي بدى ضعيفاً ومهلهلاً، علماً إن الصدر دعا لمظاهرات مليونية غير مسبوقة من ناحية العدد يوم السبت والتي ستبدأ من ساحة التحرير وتنتهي بساحة الاحتفالات، مما يجعل خيار المواجهة أقرب من أي وقت مضى.