منذ عام 2019، كشفت الحركات الاحتجاجية في العراق التي أطلق عليها اسم “ثورة تشرين (أكتوبر)”، عن مدى جاهزية جهات حكومية وغير حكومية من أجل إسكات صوت المعارضة وحرية التعبير. حيث تعرّض نشطاء ومتظاهرون عراقيون لحملات شرسة ومستمرة من خطاب الكراهية، سواء في العالم الافتراضي أو في الواقع، وذلك بهدف تشويه سمعتهم وتشويه حراكهم الاحتجاجي. الميليشيات الموالية لإيران وكذا وسائل الإعلام استخدمت مصطلح “جوكر” كدلالة على فقدان هؤلاء النشطاء والمتظاهرين للشرعية، متهمة إياهم زورًا بأنهم عملاء أجانب يسعون لتدمير البلاد.
ومع اكتساب حركة الاحتجاج دعمًا واسع النطاق رغم كل الجهود من أجل إسكاتها، فقد فرضت حكومة عادل عبد المهدي آنذاك سياسة قطع الإنترنت منعًا لتغطية التظاهرات عبره. ومع ذلك، استمر النشطاء حراكهم لتنتهج السلطات بعد ذلك سياسة التحكم في الأصوات، عبر القمع التشريعي والجسدي.

القمع الجسدي
في وقت اعتاد فيه العراق على اندلاع احتجاجات سنوية، كانت التظاهرات التي انطلقت في جميع أنحاء البلاد في أوائل أكتوبر / تشرين الأول 2019، حيث كانت الأكثر اتساعًا، وحصلت على دعم واسع من النقابات المهنية والنقابات الأكاديمية والهيئات الطلابية. اندلعت الاحتجاجات في البداية في الأوساط الشيعية وجنوب البلاد – حيث كان المتظاهرون أكثر تنظيمًا وخبرة -، تلتها احتجاجات في المناطق الكردية، والمحافظات ذات الأغلبية السنية التي قامت فيها قوات الأمن باعتقال النشطاء بسرعة.
لكن الآلاف ملأوا الساحات العامة، وأغلقوا الطرق في مدنهم للتظاهر بشكل سلمي. لكن الأشهر التي تلت، شهدت تدخلًا عنيفًا من قبل قوات الأمن في حق المتظاهرين والصحفيين الذين كانوا يغطون الأحداث، عبر استعمال الرصاص الحي والرصاص المطاطي، كما أطلقت قوات حكومية الغازات المسيلة للدموع مباشرة على المتظاهرين، مما أدى لمقتل الكثرين.
وقد تم تداول مقاطع مرئية مروعة، لمتظاهرين فارقوا الحياة بسبب اختراق الغازات المسيلة للدموع لجماجمهم، كان من بينهم الناشط العراقي البارز صفاء السراي. وفي غضون أشهر، قتلت قوات الأمن – وبالخصوص شرطة مكافحة الشغب – وقناصة القوات شبه العسكرية أكثر من 700 متظاهر، وجرحت أكثر من 20.000، ما أدى إلى إصابة العشرات بإعاقات مستديمة. واستمرت الأعداد في الارتفاع، لتصل إلى 1035 قتيل، وجرح 26.300 إلى غاية مارس 2021. وفي المناطق الكردية، قتلت قوات الأمن ستة متظاهرين على الأقل، واعتقلت 400 في ديسمبر / كانون الأول 2020.
ومع استمرار القوات الحكومية وغير الحكومية في استهداف المتظاهرين عبر نهج سياسة العنف المميت، تم أيضًا استخدام سياسة الاختطاف القسري كسلاح آخر لقمع المعارضين. وطبقًا للجنة الدولية المعنية بالمفقودين، فقد اختفى ما بين 250.000 إلى مليون عراقي قسرًا منذ عام 2003. كانت أكثرها وضوحًا، تلك التي مورست بحق 150 أكاديميًا وموظفًا في وزارة التعليم العالي في تشرين الثاني / نوفمبر 2006. حيث تم اعتقالهم وتحميلهم في شاحنات، ولم يُرَ معظمهم إلى يومنا هذا. ولطالما استخدمت تنظيمات كالقاعدة وداعش وجماعات مسلحة أخرى في العراق هذه السياسة من أجل إسكات أصوات المنتقدين والمعارضين وغيرهم من المواطنين بسبب هوياتهم العرقية والطائفية. فقد لجأت الحكومات العراقية الأخيرة لذات السياسة، رغم دعوات منظمات حقوق الإنسان للتصدي لهذه الظاهرة، دون إحراز أي تقدم.
المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، تتحدث عن حوالي 7663 حالة اختفاء قسري في السنوات الثلاث الأخيرة. لتصبح عمليات الاختطاف سلاحًا مفضلًا للميليشيات ومؤسسات الدولة من أجل إسكات المحتجين والناشطين منذ أكتوبر / تشرين الأول 2019. وفي الأشهر الأخيرة، فُقد العديد من النشطاء والمعارضين، الذين يعتقد أنهم أدخلوا سجونًا سرية. ومن أبرز حالات الاختفاء، اختطاف سجاد العراقي، عبد المسيح روميو، وعلي جاسب حطاب. هذا الأخير، تعرض والده للاغتيال في وقت لاحق، والذي كان جريئًا في المطالبة بالبحث عنه. لتصبح هذه الحادثة بمثابة رسالة مدوية ومروعة لإسكات أسر المفقودين.
عمليات اغتيال النشطاء والمعارضين تصاعدت منذ بداية الحركات الاحتجاجية. ففي عام 2020، أودت سلسلة الاغتيالات بحياة الناشطين: ريهام يعقوب وتحسين أسامة، إضافة للصحفيين أحمد عبد الصمد وصفاء غالي في البصرة، والناشطة أنوار مهوس، والمحامي علي الحمامي في الناصرية، والأستاذ الجامعي أحمد الشريفي، والناشط أمجد الدهامات في العمارة، والباحث هشام الهاشمي في بغداد، والناشط هوري كردي في أربيل… وآخرون كثر. بالموازاة، تشمل قائمة المختطفين عددًا من الأكاديميين والصحفيين والمحامين.
وتعد واقعة اختطاف 150 أكاديميًا وموظفًا قبل سنوات مثالًا على ذلك، والتي أجبرت وزير التعليم على إغلاق الجامعات والكليات آنذاك. بالإضافة لذلك، فقد أدرجت نقابة المحامين العراقية 194 من أعضائها ضمن قائمة الذين اغتيلوا أو قتلوا في هجمات مسلحة منذ عام 2003. 60 منهم، لا يملكون تاريخ أو سبب وفاة محدد. مما يثير احتمالية أن يكون بعضهم قد اختطف قسرًا. أما لجنة الصحفيين فتشير إلى مقتل أربعة صحفيين على الأقل في العراق خلال العامين الماضيين وسجن أكثر من أربعة، بينما فقد تسعة آخرون منذ عام 2014. إحصائيات – إلى جانب إغلاق مؤسسات إعلامية ومكاتب صحفية في المناطق الكردية لعرقلة عملية تغطية الاحتجاجات- ، تعكس سياسة القمع القاتمة التي تنهجها الدولة.

القمع المؤسساتي
منذ آخر سنوات حكم صدام حسين، وإلى يومنا هذا. أصبحت المؤسسات الأكاديمية العراقية، التي كانت في عهد سابق ركيزة إقليمية في الإنتاج الأدبي والبحث العلمي، تواجه تهديدًا أكبر. فقد أدى الصراع والاغتيالات وعمليات الخطف القسري وحرية التعبير المقموعة إلى إضعاف مراكز التعليم العالي، وقطع التمويل عن مرافق البحث، وإخراس أصوات الأكاديميين الذين يديرونها. إضافة لدمار البنى التحتية للمراكز العملية بسبب الحروب المستمرة في العقود الأخيرة، كما أن الفساد الحكومي والمؤسساتي لا يسمحع باستعادة نظام التعليم القديم.
وفي أكتوبر / تشرين الأول 2020، أقر مجلس النواب العراقي قانون اعتماد التعليم العالمي، الذي صادق عليه الرئيس العراقي بعد شهرين. قانون، قوبل باحتجاجات واسعة، خاصة من طرف الأكاديميين العراقيين سواء داخل البلاد أو في الشتات. حيث وصفته جمعية الأكاديميين العراقيين في بريطانيا بأنها “سياسة صريحة تشكل خطرًا على مستقبل التعليم العالي في العراق”. ويتضمن القانون عددًا من الاختلالات الخطيرة، إذ لم يعرض على مجلس الوزراء العراقي للمصادقة عليه، وهو مايخالف البروتوكول المعتمد. كذلك، يتعارض هذا القانون مع أخرى قائمة، مثل القانون رقم 40 لعام (1998)، الذي يحيل كل التفاصيل المتعلقة بالجامعة واعتماد الدرجات العلمية للخبراء والمختصين في وزارة التعليم العالي. كما أن العديد من البرلمانيين يفتقرون إلى المعرفة والخبرة ذات الصلة بالقرارات المتعلقة بالتعليم العالي. ومع انتشار ظاهرة تزوير الشواهد العلمية في صفوف البرلمانيين، إضافة للولاء الأعمى للأحزاب. فقد أصبح وضع اعتماد الشهادات في أيدي البرلمانيين، بمثابة تسييس وتحطيم جودة التعليم العالي في العراق. كما أن تجريب الأكاديميين من مكانتهم كخبراء في التعليم العالي، له آثار سلبية قوية على حرية التعبير، بما في ذلك على الطلاب.
وبعد شهر من تشريع قانون اعتماد مؤسسات التعليم العالي، اقترح البرلمان مشروع قانون مكافحة جرائم الإنترنت. حيث يعود تاريخ هذا المشروع لعام 2011، عندما اندلعت موجة احتجاجات سابقة في جميع أنحاء البلاد. حينها، اقترح مجلس الوزراء العراقي مشروع “قانون جرائم تقنية المعلومات” على البرلمان. والذي حذرت منه مؤسسة “هيومن رايتس ووتش” من إمكانية استخدام هذا القانون في تقييد حرية التعبير، وانتهاك القانون الدولي. الأمر الذي يشكل خطرًا على الصحفيين والنشطاء السلميين. وبالرغم من فشل تمرير المشروع، إلا أن البرلمان العراقي أعاد تقديمه مرة أخرى في نوفمبر / تشرين الثاني (2019)، بعد اندلاع احتجاجات أكتوبر / تشرين الأول 2019. والذي أشير إليه هذه المرة باسم: قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية. حيث لم يتم التصويت عليه في 2019، وأعيد تقديمه مرة أخرى تحت نفس الاسم في نوفمبر 2020.
ويمكن اعتبار هذا القانون بمثابة المساعي المؤسساتية من أجل تهديد وإسكات الأصوات المعارضة، وتقييد حرية التعبير، ومعاقبة الأصوات التي تنتقد المسؤولين في الانترنت. أمر لن يؤثر على العمل الصحفي فقط، بل على الأوساط الأكاديمية العراقية أيضًا. حيث عبر كل من هيومن رايتس ووتش، ومؤسسة “مينا” لحقوق الإنسان، ومعهد تغطية الحرب والسلام عن غضبهم الواسع بشأن مشروع القانون هذا. ورغم إعادة البرلمان لصياغة مشروع القانون واقتراح مجموعة من التعديلات، إلا أن ذلك لم يعاجل بشكل كاف القيود المفروضة على حرية التعبير. حيث استخدمت لغة غامضة في المسودة، تاركة عددًا من الفقرات خاضعة لتأويلات عديدة، ولثغرات قانونية كبرى بمكن التلاعب بها بسهولة لإسكات الأصوات المعارضة، والإبلاغ عن المخالفات، وتقييد حرية الصحافة والنقد.
كما لا يشير مشروع القانون إلى خطاب الكراهية أو التهديد بالقتل، اللذان يجعلان مثل هذه القضايا أكثر حدة، وخنقًا لحرية التعبير. حيث يركز مشروع القانون بشكل أساسي على ضبط سلوكيات مستخدمي الإنترنت وتجريمها، بدلًا من الهدف الأساسي المتمثل في حماية الحريات المدنية وحرية التعبير. وعلى الرغم من أن البرلمان علق مشروع قانون مكافحة جرائم الإنترنت من أجل تحسين صياغته، إلا أن المحاولات المستمرة لتشريع هذا القانون لا تزال مستمرة على مدار السنين خصوصًا فيما يتعلق بموجة الاحتجاجات، مما يظهر المساعي الجدية لإسكات الأصوات المعارضة، وتقييد حرية التعبير. علاوة على ذلك، أفاد باحثون ومدافعون عن حقوق الإنسان، أن النواب قُدّمت لهم مسودات عمل مختلفة معتبرين أنها النسخة الأخيرة. الأمر الذي يعتبر دليلًا آخر على نقص الشفافية، حينما يتعلق الأمر بعملية التشريع المثيرة للجدل، والتي تهدف لإرباك الصحفيين والمراقبين.
ويمثل مشروع قانون حرية التجمع والتظاهر السلمي محاولة جديدة من قبل البرلمان لتضييق الخناق على حرية التعبير. ورغم اقتراح مشروع القانون عام 2016، إلا أنه وضع جانبًا وتم تقديمه مرة أخرى عام 2019، ثم يقدم مرة أخرى في مارس 2021. هذه المرة، اقترحت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي تعديلات على المسودات السابقة من مشروع القانون الذي لاقى انتقادات واسعة من قبل منظمات حقوقية عراقية ودولية. ومواكبة للمسودات السابقة التي حظرت التجمعات السلمية غير المصرح بها في الأماكن العامة. فقد أنشأت أحدث مسودة للقانون نظامًا قائمًا على الإخطار لتنظيم الاحتجاجات – مما يترك ترخيص الاحتجاجات بيد الحكومات الفاسدة التي تملك تاريخًا من مناهضة الاحتجاجات السلمية -.
ويحتوي مشروع القانون على مواد تعاقب منظمي التجمعات غير المرخص لها بالسجن لمدة تصل لسنة واحدة. علاوة على ذلك، يمنح مشروع القانون الصلاحيات لقوات الأمن لاستخدام القوة “في حال تم تنظيم تظاهرات مخالفة لأحكام القانون”. في وقت، تمارس فيه الحكومة العنف ضد المحتجين دون الحاجة لقانون يبرر ذلك. وسيفتح هذا القانون الباب أمام الجهات الحكومية وغير الحكومية من أجل معاقبة المحتجين تحت ذريعة القانون. كما يحظر مشروع القانون استخدام أقنعة الوجه وعناصر أخرى تستخدم لإخفاء ملامح الوجه، التي أصبحت ضرورة للمحتجين حفاظًا على سلامتهم عبر إخفاء هويتهم، في ظل انتشار التهديدات بالقتل والاغتيالات والاعتقالات. وقد أعربت المنظمات الحقوقية عن إدانتها لهذا المشروع الذي يهدف إلى قمع حرية التعبير في العراق.
عادة، يكون هذا القمع للأصوات المعارضة سياسة الحكومة المحلية والقوات شبه العسكرية في المنطقة الكردية المستقلة ضد المتظاهرين والصحفيين والمعلمين والنشطاء، والأطفال أيضًا. حيث حكمت محكمة كردية في فبراير 2021، على ناشطين وثلاثة صحفيين بالسجن لست سنوات، بتهمة تغطية “احتجاجات غير مصرح بها”، وتوثيق انتهاكات لحقوق الإنسان. كما تجاهلت المحكمة شهادة الصحفي شروان أمين شرواني – أحد المتهمين في المحكمة – بشأن تعرضه للتعذيب في السجن.
وفي خطوة خطيرة أخرى، اتهم رئيس وزراء حكومة كردستان العراق مسرور بارزاني، صحفيين ونشطاء معتقلين بالتجسس، دون أي دلائل. في وقت يقوم المسؤولون بتشويه سمعة النشطاء والمتظاهرين والصحفيين والأكاديميين، ورفع دعاوى تشهير ضدهم.
طريقة أخرى للترهيب، تمثلت في توزيع قائمة بأسماء النشطاء والصحفيين والأكاديميين المتهمين جنائيًا بموجب قانون مكافحة الإرهاب، بسبب “تحريضهم على الاحتجاج”، تهمة قد تصل عقوبتها للإعدام. وقد تم القبض على كل تلك الأسماء، قبل أن يطلق سراحها لاحقًا بفضل مجموعة المحامين الذين بدورهم تعرضوا لعمليات استهداف. جهود إضفاء الشرعية على مثل هذه التصرفات ليست جديدة، لكنها تشير إلى خطة وسياسة منهجية شملت جميع أنحاء العراق، بما فيها المنطقة الكردية.

خاتمة
تواصل النخبة السياسية العراقية إرسال رسائلها في نهج سياسة إسكات النشطاء والصحفيين والأكاديميين وحرية التعبير عبر الانترنت. حيث تهدف هذه النخبة -بالإضافة لفروع الميليشيات- للسيطرة على الروايات العامة وإعادة تشكيلها. ليصبح التفكير النقدي ونشر المعرفة وحرية الرأي في خطر. وفي وقت دعا فيه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لحوار وطني، وحدد تاريخ 10 أكتوبر / تشرين الأول موعدًا للانتخابات الوطنية، فعليه أن يظهر التزامه، عبر بناء آليات عدالة انتقالية متجذرة في ما يتعلق بالمساءلة والمحاسبة. إذ لا يمكن إجراء انتخابات دون بيئة آمنة لخطاب عام صحي وحر.
وبهذا الصدد، يجب تعديل قانون اعتماد التعليم العالي أو إلغاؤه. إضافة لإعادة صياغة مشروع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية ومشروع قانون حرية التجمع والتظاهرات السلمية لحماية حقوق الإنسان والحريات الدستورية. ويجب على العراق أن يلتزم بالاتفاقية الدولية التي وقّع عليها لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فضلًا عن الإفراج الفوري عن جميع النشطاء والمعتقلين والمتظاهرين. كما يجب إصدار تشريعات أخرى لضمان حرية التعبير، التي دونها يتجه العراق (بما فيه الإقليم الكردي) نحو مستقبل مخيف ومظلم.

ربى الحساني / معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط