أحمد عيد: باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام)
الملخص:
خشي الكثير من العراقيين من أن يكون إجراء انتخابات مبكرة دون تحقيق إصلاحات مهمة نادت بها تظاهرات تشرين وطالبت بها القوى المناهضة للاحتلال منذ بداية غزو العراق، وخصوصا في الجانب الاقتصادي والأمني، والحديث يطول عن فشل تلك الانتخابات في إحداث أي تغييرات جذرية في نظام تهيمن عليه الميليشيات، فيما تواجه الحكومة ديونًا والتزامات تزيد عن 130 مليار دولار، و تحققت ديون العراق منذ أكثر من عقدين وكما تواجه اقتصادا هشا يعتمد بشكل أساسي على قطاع النفط الذي يتأثر بالتغيرات الدولية وأزمة كوفيد-19 مما قلص من قدرة العراق على تحقيق تدفقات نقدية تمكنه من تطوير النشاط الاقتصادي ومواجهة التحديات الكبرى كالبطالة وضعف الإنتاج الزراعي والصناعي وغيرها، نحاول في هذا البحث الوصول إلى إطار نعرض فيه واقع الاقتصاد العراقي بين الماضي والحاضر وأبرز التحديات التي تواجهه وسبل حلها .
مشكلة البحث:
مع إجراء الانتخابات العراقية في عام 2021 وبالرغم من الفوضى الأمنية ، فإن التحديات الاقتصادية للبلاد واسعة النطاق، وتعيش الحكومة تخبطا كبيرا يتمثل في كيفية تحويل اقتصاد مزقته الحرب وتهيمن عليه الدولة إلى مؤسسة شفافة ومناسبة للاستثمار الصوري والشكلي فقط دون أي تطبيق واقعي، كل ذلك خلال مسار العنف السياسي اليومي.
الذي يحدث في العراق يمكننا من خلال ما تم ذكره طرح التساؤل التالي في محاولة لإيجاد اجابة عليه في البحث وهو : كيف يمكن للعراق مواجهة التحديات الاقتصادية بعد الانتخابات العراقية لعام2021 ؟
أهداف البحث:
يهدف هذا البحث بشكل أساسي للتعرف على الاقتصاد العراقي بإطار ممنهج وعلمي بدءا من الماضي وحتى وقتنا الحالي، ويحاول إلقاء نظرة على أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي وفهم وتقديم تصور حول السبل التي يمكن للعراق أن يسلكها ليتمكن من مواجهة هذه التحديات والتغلب عليها .
أهمية البحث:
تنبع أهمية هذا البحث من حيث ارتباطه بشكل وثيق بالقضايا الملحة التي تخص الشعب العراقي وأبرزها التحديثات الاقتصادية، كون البحث يتطرق إلى سبل معالجة هذه التحديات التي يمكن للعراق ان يأخذ بها للوصول للغاية المنشودة وهي اقتصاد حقيقي ذو دعائم مستديمة ينعكس بشكل إيجابي على حياة المواطن العراقي ورفاهيته.
المقدمة:
كان الإصلاح الانتخابي والانتخابات البرلمانية المبكرة مع تغيير القانون الانتخابي لما يتناسب مع تطلعات ومطالب الشعب العراقي مطلبًا ملحًا للحركة الاحتجاجية التي يقودها الشباب، والتي اندلعت في وسط وجنوب العراق في أكتوبر 2019 وأدت إلى استقالة رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي، وبعد أشهر من الجمود السياسي تولى رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالي مصطفى الكاظمي منصبه في مايو 2020 ، متعهدا بأن حكومته ستقود البلاد نحو انتخابات مبكرة تماشيا مع مطالب المحتجين في أواخر يوليو، فأعلنت الحكومة الجديدة عن خطة لإجراء انتخابات برلمانية في يونيو2021 ، قبل عام تقريبًا من الموعد المحدد لها، والجدير بالذكر أن قانون الانتخابات الجديد، الذي وافق عليه البرلمان في ديسمبر / كانون الأول، يقسم البلاد إلى دوائر انتخابية متعددة يسمح بذلك للناخبين باختيار المرشحين الفرديين على عكس النظام السابق للتصويت للقوائم الحزبية في محاولة للتلاعب بمطالب المحتجين بوضع قانون انتخابي يحدد قوانين الأحزاب ومصادر تمويلها في مقدمة فقراته، إلا أن الذي حدث عكس ذلك تماماً.
يرى البعض أن إجراء انتخابات مبكرة مثلت فرصة لإجراء إصلاحات اقتصادية ذات مغزى لنظام سياسي يُنظر إليه على أنه فاسد للغاية وغير فعال من قبل الغالبية العظمى من العراقيين، والعملية الانتخابية لم تكن شفافة كما نادت بها تشرين، مع إقبال ضعيف للناخبين، مما أسهم بفقدان الثقة العامة في مؤسسات الدولة والعملية السياسية بشكل عام.
واقتصادياً واجهت حكومة الاحتلال المؤقتة تحديات اقتصادية كبيرة، بينما تقوم بتحويل الاقتصاد الذي يسيطر عليه قطاع عام كبير وغير فعال ، إلا أنها تعوقها المشاكل الموروثة من تراكمات النظام الفاسد الذي خلفه احتلال العراق و تفاقمت بسبب تمرد خبيث وسيطرة كبيرة للمكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب مع تغول كبير للميليشيات في جميع مؤسسات الدولة.
وما تزال البنية التحتية النفطية التي يعتمد عليها الاقتصاد بشكل كبير عرضة للتخريب، فأكثر من 95 ٪ من ميزانية العراق تأتي من عائدات النفط وتنتج حاليًا أقل من 2.2 مليون برميل يوميًا، بينما تهدف إلى تحقيق هدف إنتاج طويل الأجل يبلغ 4-6 ملايين برميل يوميًا في الوقت الحاضر، كما يواجه العراق تحديات سياسية واقتصادية لضمان استمرار الربحية من موارده الطبيعية الأساسية، فتعتمد البلاد على البنية التحتية النفطية التي تم بناءها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي والتي تحتاج إلى إصلاح كبير إذا كان النفط سيوفر عائدات مستدامة، علاوة على ذلك فإن نظام خطوط الأنابيب هو هدف لهجمات تخريبية، وغالبًا ما يكون مسؤولو وزارة النفط أهدافًا للهجوم أيضًا، و هذا كله يدفع الحكومة العراقية إلى النظر في كيفية مواجهة التحديات الاقتصادية الكبيرة التي ستفرض عليها بعد انتخابات2021 والتي ما يزال الاعتراف بنتائجها مرهون بموافقة الميليشيات وارضائها، وهذا بالضبط ما سوف يتم الإشارة إليه في البحث الحالي أملا بالوصول إلى إطار متكامل لمواجهة التحديات الاقتصادية الكبيرة.
الفصل الأول : نظرة على الاقتصاد العراقي
أولاً : الاقتصاد العراقي بين الماضي والحاضر
كان الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه حصري على الزراعة حتى الخمسينيات من القرن الماضي ، ولكن بعد ثورة 1958 أصبحت التنمية الاقتصادية كبيرة، وبحلول عام 1980 كان العراق ثاني أكبر اقتصاد في العالم العربي بعد المملكة العربية السعودية وثالث أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، وقد طور اقتصادًا معقدًا ومخططًا له مركزيًا تهيمن عليه الدولة إلا أن الاقتصاد، وخاصة الصادرات البترولية ، قد عانى خلال الحرب الإيرانية – العراقية، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي فعليًا مع دخول الكويت، وقد وجه الحظر الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق في عام 1990 ضربة أكبر للنظام المالي العراقي، ومع توفر القليل من الوثائق والبيانات عن الاقتصاد العراقي بعد عام 1990 ، ولكن أفضل التقديرات المتاحة تشير إلى أنه في العام الذي أعقب حرب الخليج الثانية انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من ربع مستواه السابق، في ظل الحظر والحصار الذي فرضته الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وضعف الاقتصاد العراقي على مدى السنوات الخمس التالية، ولم يبدأ الناتج المحلي الإجمالي للعراق مرة أخرى في تحقيق نمو سنوي إيجابي إلا بعد أن دخول برنامج النفط مقابل الغذاء حيز التنفيذ في عام .1997
بعد عزو العراق عام2003 ، تم إنهاء برنامج النفط مقابل الغذاء ورفعت العقوبات، واستولت سلطة الاحتلال المؤقتة المكونة من إداريين مدنيين عينتهم الولايات المتحدة على القطاع العام في العراق حيث تعهد المانحون الدوليون بمليارات الدولارات كمساعدات لإعادة إعمار العراق في مؤتمر المانحين في مدريد في أكتوبر 2003 وقد تم تخفيض الديون الخارجية الضخمة المترتبة على العراق حتى عام 2004 حيث تم تخفيض الديون في نادي باريس، الذي يضم مجموعة من 19 عضوا ثريًا، حيث وافقت الدول الدائنة على إلغاء 80 في المائة من ديون العراق البالغة 40 مليار دولار لـ 19 عضوا.
انخفض إنتاج النفط والتنمية الاقتصادية على حد سواء بعد بدء الحرب على العراق سنة 2003، وواجه الاقتصاد مشاكل خطيرة ، بما في ذلك التأثير السلبي للفوضى التي أعقبت احتلال العراق وارتفاع معدل التضخم، بسبب القطاع النفطي الذي شهد نقصا في قطع الغيار مع طرق الإنتاج القديمة والتكنولوجيا القديمة، مما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة؛ وتدهور خطير في البنية التحتية؛ والقطاع الخاص عديم الخبرة في ممارسات السوق الحديثة، و كانت سلطة الاحتلال المؤقتة حينها غير مؤهلة لمواجهة هذه التحديات، وانعكس تعاملها مع الاقتصاد العراقي من خلال سوء الإدارة وسوء التخطيط والهدر الكبير نتيجة عمليات الفساد الضخمة.
في ظل الإدارات العراقية التي حكمت بعد حل سلطة الاحتلال المؤقتة في يونيو 2004، سارت عملية إعادة الإعمار بشكل غير متساو وشهدت المناطق الآمنة نسبيًا مثل كردستان تطوراً نسبياً ، بينما استمرت المعاناة في معظم مناطق البلاد، من ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتزايد معدلات الفقر وعدم كفاية الخدمات، وفي عام2007 عاد التضخم إلى مستويات يمكن السيطرة عليها في ذلك العام إلا ان شيئاً لم يتغير بسبب فساد السلطة، وفي عام 2009 عادت عائدات تصدير النفط إلى مستويات ما قبل الحرب ومع ذلك لم تتحسن البنية التحتية كما لم يتوقف العنف والفساد حتى الوقت الحالي، وقد أثرت أزمة عدم استقرار أسعار النفط وتفشي فيروس كوفيد -19 على الواردات المالية للعراق ومنعته من تحقيق تقدم ولو نسبي في معدلات التوظيف واحياء القطاعات المترهلة، وحاليا وبعد انتخابات عام 2021 لابد من أن يسلك العراق مسارا يمكنه من التغلب أو إضعاف هذه التحديات التي يواجهها، ويمكن النظر إلى الاقتصاد العراقي بين الماضي والحاضر من خلال عدة أبعاد هي :
1- النمو الاقتصادي:
تضاعفت عائدات النفط أربع مرات تقريبًا بين عامي 1973 و1975 ، وحتى اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية تمكّنت الدولة من وضع أهداف تنموية طموحة، بما في ذلك الصناعة والبناء ، وتقليل كمية السلع المستوردة ، وتوسيع الزراعة، وزيادة صادراتها غير النفطية بشكل ملحوظ، حيث كان الاستثمار في البنية التحتية مرتفعًا ، لا سيما في المشاريع التي تشمل الري وإمدادات المياه والطرق والسكك الحديدية وكهرباء الريف، كما تم تحسين الخدمات الصحية بشكل كبير، لكن الحرب مع إيران في الثمانينيات أدت إلى تأخير العديد من المشاريع وألحقت أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية المادية للبلاد ، خاصة في الجنوب الشرقي للبلاد، حيث وقع معظم القتال هناك، ولم يكن هناك إجراء يذكر بعد انتهاء الحرب، حيث أدت حرب الخليج الثانية (دخول الكويت) إلى مزيد من الدمار للبنية التحتية، وقضت على العديد من التطورات التي تحققت في العقود السابقة، وفي عام 2003 تسببت هجمات قوات الاحتلال في أضرار جسيمة لأنظمة الاتصالات والطاقة، فيما تأثرت الأنظمة الأخرى بشكل خطير، وتفاقمت وأدت إلى ضعف النمو الاقتصادي وتدهور الحالة الاقتصادية العامة بالبلاد.
2- سيطرة الدولة:
سيطرت الدولة على الموارد الاقتصادية مع ضوابط بيروقراطية صارمة وتخطيط مركزي بين عامي 1987 و 1990 ، وتم تحرير الاقتصاد إلى حد ما في محاولة لتشجيع الاستثمار الخاص، لا سيما في المؤسسات الصناعية والتجارية الصغيرة ، وخصخصة الأصول العامة غير المربحة وتم تشجيع رواد الأعمال على السحب من الأموال التي تمكنوا من تحويلها إلى الخارج ، دون التهديد بالانتقام أو التدخل الحكومي ، وتمكنت الحكومة من تجريد نفسها من عدد من الشركات، ومع ذلك، وبشكل عام ، فإن سياسة الخصخصة لم تعمل بشكل جيد، ويرجع ذلك أساسًا إلى عناصر داخل البيروقراطية والسلطة الأمنية خوفًا من أن يكون مسار العمل هذا يعرض مصالحهم للخطر ولأن المستثمرين المحتملين كانوا يخشون من أن الحكومة قد تعكس الخطة بشكل تعسفي بالإضافة إلى ذلك، كما كانوا يتصورون، فإن العديد من الأصول العامة المعروضة للبيع كانت غير مربحة بعد دخول العراق إلى الكويت ، وتلاشت سياسة الخصخصة ، على الرغم من استمرار المشاريع الخاصة بواسطة الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم والصناعات الخفيفة، واستمرت سياسة تشجيع الخصخصة للنهوض بالمشاريع المتعثرة إلى ما بعد إعلان خروج القوات الامريكية، لكن الفساد والبيروقراطية المنتشرة أدت إلى إلحاق الخسائر بالمشاريع وعدم القدرة على تنفيذ البرامج المخططة واستمر هذا الوضع إلى الوقت الحالي، حيث تعمل الدولة على تعزيز القطاع الخاص الذي يشكل ابرز تحديات القرن الـ21 بالنسبة للعراق .
3- الزراعة والغابات وصيد الأسماك:
حوالي ثُمن المساحة الإجمالية للعراق صالحة للزراعة ، وعُشر آخر من المراعي الدائمة وهناك نسبة كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة هي في الشمال والشمال الشرقي، وكافية لزراعة المحاصيل الشتوية، وخصوصا القمح، وقد انخفضت المساحة المزروعة بمقدار النصف تقريبا خلال عام 1970، وذلك أساسا بسبب زيادة ملوحة التربة، ولكن نمت في 1980 عددا من مشاريع الاستصلاح الكبيرة، لا سيما في المناطق الوسطى والشمالية الغربية، ومع هذا فقد أدى الجفاف في تركيا في كثير من الأحيان إلى خفض كمية مياه الفرات المتاحة للري في الجنوب العراقي، بينما تأثر نهر دجلة بدرجة أقل بالجفاف- نظرًا لامتلاكه منطقة تصريف أوسع ، بما في ذلك الروافد في إيران- فقد كان من الضروري بناء العديد من السدود الكبيرة في جميع مسارات النهر لتخزين المياه للري، كانت الإدارة الحذرة للتربة ضرورية لمكافحة الملوحة وساهمت الحالة السيئة للبنية التحتية للمياه في العراق في تكرار النقص الحاد في المياه ، مما أجبر المزارعين على التخلي عن الأراضي الزراعية.
والزراعة التي كانت تشكل تقليديا ربع إلى ثلث الناتج المحلي الإجمالي للعراق، تمثل الآن حوالي أقل من 10 في المائة، والبلاد تواجه في القطاع الزراعي العديد من المشاكل بالإضافة إلى ملوحة التربة والجفاف، وكذلك مشاكل الفيضانات والترسب الطمي، التي تعرقل العمل الفعال لنظام الري وقد أدى عدم الوصول الأسمدة وقطع الغيار الزراعية بعد عام 1990 والجفاف الطويل في أوائل القرن الحادي والعشرين إلى انخفاض الإنتاج الزراعي.
قبل ثورة 1958 ، كانت معظم الأراضي الزراعية في أيدي عدد قليل من ملاك الأراضي الأقوياء أو ما يسمى (الاقطاعيين)، فبدأت الحكومة الثورية آنذاك ببرنامج الإصلاح الزراعي ، وتفكيك العقارات الكبيرة وتوزيع الأراضي على عائلات الفلاحين والحد من حجم الحيازات الخاصة، كما شجعت الحكومة عام 1968 الملكية العامة في الأصل وأنشأت تعاونيات زراعية ومزارع جماعية ، لكن ثبت عدم فاعليتها بعد عام 1983 ، فاستأجرت الحكومة الأراضي المملوكة للدولة لمصالح خاصة، دون تحديد حجم الحيازات، واعتبارًا من عام 1987 ، باعت أو استأجرت جميع مزارع الدولة.
المحاصيل الرئيسية في العراق هي الشعير والقمح والأرز والخضروات والذرة والدخان وقصب السكر وبنجر السكر والبذور الزيتية والفواكه والأعلاف والتبغ والقطن، وتختلف حجم المحاصيل من سنة إلى أخرى ، خاصة في مناطق الزراعة البعلية، من ناحية أخرى تمارس تربية الحيوانات على نطاق واسع ، لا سيما من قبل الأكراد القاطنين شمال شرق العراق، وتعتبر منتجات المواشي، كالحليب واللحوم والجلود والصوف، مهمة وأساسية للاقتصاد العراقي .
ومن ناحية الأخشاب تعد موارد الأخشاب شحيحة ولا يمكن الوصول إليها ، حيث تقع بالكامل تقريبًا في المرتفعات والجبال في الشمال الشرقي من العراق، تُستخدم الموارد المتاحة بسهولة بشكل حصري تقريبًا في الحطب وإنتاج الفحم كما تُستخدم كميات محدودة من الأخشاب للصناعة المحلية، مما يستوجب استيراد كميات كبيرة من الأخشاب للإنتاج الصناعي (للأثاث والبناء وأغراض أخرى)، في حين حققت مشاريع التشجير لتوفير مساحات حرجية جديدة والحد من التعرية نجاحًا محدودًا.
أما فيما يخص الثروة السمكية في العراق، فيتم الاعتماد على أسماك المياه العذبة والأسماك البحرية للاستهلاك المحلي، كما يتم دعم تربية أسماك المياه العذبة، ويتم إمداد السوق العراقية بأنواع مختلفة من الشاد والبوري وسمك السلور التي يتم اصطيادها في البحيرات والأنهار والجداول، في حين توفر المزارع السمكية في الغالب أنواعًا من سمك الكارب، ولا يوجد قطاع صناعي لتجهيز الأسماك، حيث يستهلك السوق المحلي معظم الأسماك طازجة، يساهم الصيد بجزء ضئيل فقط من الناتج المحلي الإجمالي.
البترول والغاز الطبيعي:
النفط هو أثمن المعادن في العراق – تمتلك البلاد أكبر الاحتياطيات في العالم – وقبل الحرب الإيرانية – العراقية ، كان العراق ثاني أكبر دولة مصدرة للنفط، حيث يساهم إنتاج النفط بأكبر جزء منفرد في الناتج المحلي الإجمالي ويشكل تقريبا كل النقد الأجنبي للعراق . العراق عضو مؤسس في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) ، لكن الخلافات حول حصص الإنتاج وأسعار النفط العالمية دفعت العراق في كثير من الأحيان إلى صراع مع الأعضاء الآخرين.
تم اكتشاف النفط لأول مرة في العراق في عام 1927 بالقرب من كركوك من قبل شركة (البترول التركية) التي كانت مملوكة للأجانب ، لكنه في عام 1929 تم تحويلها إلى شركة عراقية تحت اسم (شركة نفط العراق)، وتم اكتشاف عدة حقول جديدة ودخلت حيز الإنتاج في 1940، وبعد ذلك استمر اكتشاف الحقول الجديدة وتطويرها، تم تأميم شركة البترول التركية في عام 1972 ، وكذلك جميع شركات النفط المملوكة للأجانب بحلول عام 1975 ، وبعد ذلك أصبحت جميع جوانب صناعة النفط العراقية تحت سيطرة الحكومة من خلال شركة النفط الوطنية العراقية والشركات التابعة لها، وقد تعرضت مرافق الإنتاج والتوزيع لأضرار بالغة خلال الحرب مع إيران ، وبعد دخول العراق إلى الكويت – والذي كان هو نفسه مدفوعًا جزئيًا بالخلافات حول حصص الإنتاج والخلافات حول حقوق حقول النفط – أوقف الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق جميع الصادرات، كان العراق يصدر القليل من النفط أو لا يصدر أي نفط إلى أن تم تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء بحلول أوائل القرن الحادي والعشرين، وحاليا يعتبر العراق من المصدرين الاساسيين في (أوبك)، وتعتبر المحافظة على مستويات التصدير وزيادتها أحد أهم التحديات التي يمكن أن تواجه العراق في القرن 21 وخصوصا بعد الانتخابات العراقية التي جرت في 10/10/2021 .
بترول خطوط الأنابيب:
نظرًا لامتلاك العراق خط ساحلي قصير ، فقد اعتمد بشكل كبير على خطوط الأنابيب العابرة للحدود لتصدير نفطه، لكن وبسبب أن الشريط الساحلي الضيق هو المجاور لإيران ، حيث علاقاتها متوترة في الأصل مع العراق وخصوصا بين (1937-1948) ، فقد كان يتم ضخ النفط من الحقول الشمالية – كركوك بشكل رئيسي – إلى البحر الأبيض المتوسط عبر حيفا في فلسطين ولكن تم التخلي عنه بعد إقامة الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية، وعوضا عنه تم بناء خطوط أنابيب يصل إلى البحر الأبيض المتوسط عبر مدينة بانياس في سوريا ، وعبر سوريا إلى طرابلس في لبنان، وفي عام 1977 تم الانتهاء من خط أنابيب كبير يصل إلى ساحل البحر المتوسط في منطقة جيهان التركية، فعندما اكتمل الخط التركي الأول، توقف العراق عن استخدام خطوط الأنابيب السورية واعتمد على التصدير عبر تركيا وعلى المحطات الجديدة في الخليج العربي، وعلى الرغم من استئناف التصدير عبر سوريا لفترة وجيزة في أوائل الثمانينيات، – بحلول عام 1979 كان لدى العراق ثلاث محطات خليجية هي ميناء البكر وخور العمية وخور الزبير – وجميعها تضررت خلال حروب العراق الأخيرة، وفي عام 1985 ، شيد العراق خط أنابيب جديد يصل ميناء ينبع عند البحر الأحمر، لكنه وقبل أن يصل إلى طاقته الكاملة تم إغلاق هذا الخط وغيره عقب دخول العراق إلى الكويت.
في ديسمبر 1996 ، أعيد فتح خط الأنابيب التركي في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء، وفي وقت لاحق تم إعادة إحياء محطة الخليج في ميناء البكر ، وفي عام 1998 بدأت الإصلاحات في خط الأنابيب السوري، ولكن بعد اندلاع حرب غزو العراق عام 2003 تعرضت خطوط الأنابيب العراقية للعديد من أعمال التخريب من قبل قوات الاحتلال ، ويعتمد العراق حاليا على عدة وسائل للتصدير أهمها سفن الشحن.
المعادن والطاقة الأخرى:
لقد تأخر استغلال المعادن الأخرى كثيرًا عن استغلال النفط والغاز الطبيعي، ومن المرجح أن العراق يمتلك مجموعة جيدة من هذه الموارد غير المستغلة، تم استغلال الكبريت الصخري فقط – والذي يُقدر أنه من بين أكبر الاحتياطيات في العالم – في المشراق ، بالقرب من الموصل ، وفي أوائل الثمانينات بدأ إنتاج الفوسفات في عكاشات قرب الحدود السورية و في معمل سماد كبير بمنطقة القائم يتم إنتاج كميات قليلة من الملح والصلب ، وتتوفر مواد البناء ، بما في ذلك الحجر والجبس – الذي ينتج منه الإسمنت -.
الفصل الثاني : أبرز التحديات الاقتصادية في العراق بعد انتخابات عام 2021
من المتوقع أن يتغير المشهد السياسي في العراق بشكل كبير في وقت قصير بعد الانتخابات العراقية 2021 ، ولكن بغض النظر عن شكلها ونوعها، فإن الحكومة التي ستتولى السلطة سيترتب عليها مواجهة التحديات الاقتصادية الخطيرة، فعلى المدى المتوسط – بطريقة أو بأخرى – فإن هذه التحديات ترتبط جميعها بالنفط، ومن الصعب أن نرى كيف يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك ، لأن العراق بالفعل أحد أكبر منتجي النفط في العالم وثالث أكبر مصدر بعد المملكة العربية السعودية وروسيا، وأبرز هذه التحديات:
التحدي الأول:
هو الاستغلال الكامل لإمكانيات العراق النفطية حيث سيظل النفط ، الذي يمثل 90 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ، المحرك الرئيسي للاقتصاد العراقي لفترة طويلة ليصل إلى 58 مليون برميل يوميًا في عام 2022 وبالتالي فإن قطاع النفط سيرفع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 4 في المائة في عام 2018 إلى 6 في المائة في عام 2022 ومن 8 إلى 9 في المائة على المدى المتوسط . ومع ذلك ، لا يمكن استغلال هذه الإمكانات بالكامل إلا إذا كرست الحكومة موارد متزايدة للاستثمار في قطاع النفط ، بما في ذلك البنية التحتية للتوزيع والتصدير ،ومعالجة التنظيم العام للقطاع من خلال قانون الهيدروكربونات الذي ظل قيد الإعداد منذ سنوات وستحتاج الحكومة المركزية الجديدة أيضًا إلى التوصل إلى اتفاق دائم مع حكومة كردستان بشأن تقاسم عائدات النفط ، بشكل مثالي في سياق إطار عمل شامل للقطاع.
التحدي الثاني :
هو تحسين طريقة استخدام أموال النفط وهذا يعني إصلاح السياسة المالية لجعلها تدعم نمو العراق ، ورفاهية مواطنيه ، وتساعد في عزل الاقتصاد عن الصدمات في سوق النفط في هذا المجال ، فإن الحاجة الملحة والأكثر إلحاحًا هي معالجة ضعف قدرة الإدارة على صياغة وتنفيذ السياسة المالية، يدعو هذا الهدف إلى تعزيز مؤسسات الميزانية ، بما في ذلك دور وزارة المالية حيث تعكس ضعفا في قدرة المؤسسات ، حيث ان تنويع وتوزيع الموارد يعتبر أداة سياسية في العراق وليس أداة علمية تنموية كما أن زيادات الإنفاق في الميزانيات الأخيرة يشكل ضغطا كبيرا على الميزانية – رغم أنها مبررة في بعض الحالات ، على سبيل المثال الأمن – ، في حين أن افتراضات الإيرادات غير واقعية، ومن الواضح أن هذا يعبر عن ضعف الأداء المالي، في الواقع انخفض رصيد الحكومة من فائض بنسبة 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012 إلى عجز بنسبة 6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2020 ، وفي الأشهر الأولى من هذا العام ، أجبرت مشاكل السيولة الحادة الحكومة على تأخير كل شيء باستثناء ما هو ضروري.
ستحتاج الحكومة الجديدة أيضًا إلى معالجة المستوى المرتفع والمنحرف للإنفاق العام و تبسيط الإنفاق الجاري، على سبيل المثال ، من زيادة التوظيف العام ونظام الدعم العيني الشامل المكلف الذي من شأنه أن يسمح بتخصيص المزيد من الموارد للاستثمار في قطاع النفط والبنية التحتية ، ولكن أيضًا لتحسين الإنفاق الاجتماعي الموجه حيث سيكون الإنفاق العام الأكثر فاعلية أمرًا حاسمًا لجعل فوائد الثروة النفطية تتدفق إلى الناس ، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
ومن شأن سياسة الإنفاق الحكيمة أن تسمح أيضًا بتراكم الفوائض المالية وزيادة الهوامش المالية الوقائية حيث تعتبر الاحتياطيات ضرورية لحماية الاقتصاد المعتمد على النفط مثل العراق من الصدمات في عائدات النفط ، والتي يمكن أن تأتي من انخفاض أسعار النفط، أو انخفاض الطلب العالمي، أو تباطؤ إمدادات النفط العراقي حيث كان توقف إنتاج وتصدير النفط في عام 2013 مثالاً على هذا الضعف تضررت الصادرات وبالتالي الإيرادات الحكومية من جراء مجموعة من الهجمات الإرهابية على خط أنابيب جيهان في الشمال ، وتعليق الصادرات من حكومة كردستان ، وعمليات الصيانة الكبيرة في محطة الفاو في الجنوب سوف تساعد الاحتياطيات الكافية في جعل السياسة المالية أداة فعالة لمواجهة التقلبات الدورية .
التحدي الثالث:
تجاوز النفط وتعزيز نمو اقتصاد القطاع الخاص النشط، فبالنسبة لاقتصاد مثل الاقتصاد العراقي ، فإن احتمالات التنويع بعيدًا عن النفط محدودة من الناحية الواقعية، لأسباب ليس أقلها أن الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي مدفوع بالإنفاق الحكومي ، والذي يعتمد بدوره بشكل شبه حصري على عائدات النفط ولكن هناك إمكانية لزيادة النشاط الخاص في القطاعات غير النفطية مثل الخدمات المصرفية والبناء ، والنقل ، والسياحة الدينية لا سيما حول الوجهة الشيعية في الجنوب، والزراعة قطاع مهم تقليديًا في الماض، يمكن أن تساعد هذه القطاعات أيضًا في استيعاب القوى العاملة الكبيرة والشابة في العراق ، بالنظر إلى خلق فرص عمل منخفضة نسبيًا في صناعة النفط.
تتطلب مساعدة نمو القطاع الخاص تحولاً في تركيز الحكومة من نهج السياسة الصناعية إلى تهيئة الظروف البيئية التي تدعم نمو القطاع الخاص ومع ذلك ، فإن إمكانات القطاع الخاص تخنقها الوجود المتفشي للدولة في الاقتصاد ، مما يعكس تراث الاقتصاد المخطط للعراق، حيث تغطي أكثر من 170 شركة مملوكة للدولة مجموعة من القطاعات المهمة من التعامل بالسيارات إلى إنتاج السكر، بينما تحتكر البنوك المملوكة للدولة الأعمال الحكومية وتهيمن على القطاع المالي. إن إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة والخاسرة إلى حد كبير ستوفر مساحة للشركات الخاصة وتوقف التسرب من الميزانية في القطاع المالي ، كما إن إعادة هيكلة البنوك المملوكة للدولة وإزالة القيود التي تمنع البنوك الخاصة من الوصول إلى الأعمال الحكومية تدريجيًا من شأنها أن تعزز نمو البنوك الخاصة العديدة وإن كانت صغيرة وتحفز إقراض المؤسسات الخاصة.
يحتاج القطاع الخاص أيضًا إلى مستويات أعلى من الاستثمار ، لا سيما في مجال الطاقة، ولكن أيضًا يحتاج إلى بيئة أعمال أفضل، والتي يمكن تحسينها من خلال الحد من البيروقراطية والتنظيم السيئ والبدء في معالجة الفساد المستشري.
التحدي الرابع :
معالجة آثار الحرب ضد تنظيم الدولة “داعش”، حيث يتعافى العراق ببطء من الحرب الصادمة ضد التنظيم الذي استولى على مساحات شاسعة من الأراضي في غرب العراق في عام 2014 ولا تزال تشكل تهديدًا مستمراً، وقد أدت الاحتجاجات المناهضة للحكومة إلى استقالة رئيس الوزراء المخلوع عادل عبد المهدي وتكليف مصطفى الكاظمي رئيسًا جديدًا للوزراء في 9 أبريل 2020 .
ويقود قطاع النفط النشاط الاقتصادي، والذي يوفر ما يقرب من 90 في المائة من الإيرادات الحكومية، وقد فرضت الحرب ضد تنظيم الدولة تكلفة باهظة على الاقتصاد ، والذي تضرر أيضًا بسبب تفشي الفساد ، وتباطؤ أسعار النفط، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة الحرب، تشكل الجماعات المتطرفة الصاعدة في بعض المناطق تهديدًا للأعمال التجارية، بالإضافة إلى تشكيل ميليشيات طائفية عملت على فرض أجندتها واختطفت وغيبت الكثير من المواطنين مما سبب حالة ارباك اقتصادي وغياب فرص العمل في قطاعات الإنتاج والزراعة.
كما يقوض الفساد والنزاع حماية حقوق الملكية، إن القضاء المسيّس والفاسد يضعف بسبب التدخل التنفيذي المستمر والقوى القبلية والدينية والاختناقات البيروقراطية حيث يعيق الفساد المؤسسي العميق التنمية الاقتصادية والاستثمار الأجنبي المباشر كما تواجه جهود مكافحة الفساد مقاومة وتهديدات الرشوة وغسل الأموال والمحسوبية واختلاس الأموال العامة وهي أمور شائعة.
التحدي الخامس:
تنمية الاقتصاد في ظل أزمة كوفيد 19 وتقلبات أسعار النفط، حيث تعمل تداعيات كوفيد -19 وتقلب أسعار النفط على تعميق المشاكل الاقتصادية للعراق فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد في عام 2020 مدفوعا بانخفاض حاد في إنتاج النفط والإنتاج غير النفطي و تحولت الفوائض المزدوجة إلى عجز كبير في عام 2020 مما ضغط على الدين العام و احتياطيات العملات الأجنبية .
وتعتمد الآفاق الاقتصادية على تطورات سوق النفط وتنفيذ الإصلاحات التي تتعلق بتدهور الوضع الأمني وتأخر بدء التطعيم وانتكاسات في أسواق النفط ، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على الفقر والبطالة.
كما أدى تقلب أسعار النفط وتأثير الوباء إلى تضخيم المشاكل الاقتصادية للعراق ، مما عكس عامين من الانتعاش المطرد، أدت هذه الصدمات المزدوجة أيضًا إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية الحالية ، مما زاد من المظالم العامة التي كانت موجودة قبل COVID-19.
التحدي السادس:
معالجة فشل السياسات الاقتصادية وكشف المراجعة المتفحصة للسياسات الاقتصادية في العراق عن الدور الخطير لتلك السياسات سواء في جانبها المالي أو النقدي أو التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو غيرها من السياسات في ظاهرة سوء استخدام إيرادات النفط في العراق، وما ترتب عليها من تدهور في مستويات الإنتاج والإنتاجية في مختلف الأنشطة الاقتصادية وضعف مستوى التنويع الاقتصادي، وتعميق مظاهر الاختلال والتشوه في الاقتصاد العراقي، التي كان من أبرزها التشوه في الهيكل الاقتصادي نتيجة لهيمنة القطاع النفطي وتراجع القطاعات السلعية وفي مقدمتها القطاع الصناعي والزراعي وقطاع الكهرباء والمياه وتنامي القطاعات الطفيلية، فضلاً عن التشوه في سعر صرف الدينار.
التحدي السابع:
شكل استفحال ظاهرة الفساد بعد عملية التغيير في 2003 أحد التحديات الرئيسة التي واجهت عملية الانتقال في العراق، فقد أدى انهيار مؤسسات الدولة القانونية والفوضى التي رافقت إدارة الاحتلال، وحالة الانفتاح العام، وتدفق الأموال من الخارج، ودخول شركات أجنبية في تنفيذ مشاريع الإعمار، وتعدد مصادر الصلاحيات الاقتصادية المتعلقة بإعادة الإعمار، إلى تهيئة الظروف المناسبة لممارسة الفساد على نطاق واسع، ولم تعد ممارسة الفساد حكراً على وزراء الدولة وموظفيها الكبار، بل أخذت تمتد إلى مختلف أركان الجهاز الإداري والقضائي والتعليمي والمؤسسات الإنتاجية والإنشائية والخدمية في بغداد والمحافظات الأخرى كما أدت ظاهرة الحزبية إلى سيطرة عدد من الانتهازيين المنَظمين، الذين حولوا الفساد المالي والإداري إلى ظاهرة أخطر من الإرهاب في تأثيراتها السلبية على الدولة والمجتمع، وبفعل هذه التطورات أخذ العراق يحتل المراتب الأولى في الفساد في تقارير منظمة الشفافية الدولية.
التحدي الثامن:
تعد ظاهرة الفقر اليوم من المعضلات الرئيسة التي تواجه عملية التنمية بعد أن وصلت نسبتها إلى أكثر من 50 في المائة من السكان، ويعود ارتفاع هذه النسبة إلى ارتفاع معدلات البطالة واستمرار التحدي الأمني وركود النشاط الاقتصادي، وعدم حصول تحسن واضح في مستوى دخل الطبقة المتوسطة، كما أدى الارتفاع في معدلات التضخم وبخاصة الارتفاع في أسعار المشتقات إلى تخفيض مستوى الدخول الحقيقية على الرغم من الزيادات المستمرة في الدخول النقدية، ووفر هذا الوضع مجالاً رحباً لتوريط الكثير من سكان الأحياء الفقيرة في الأعمال الإرهابية أو دفعهم إلى الانضمام إلى الميليشيات المسلحة، كما أدى إلى ارتفاع معدلات جرائم السرقة والاختطاف والمظاهر الأخرى التي شوهت صورة المشهد الاجتماعي في العراق.
التحدي التاسع:
ارتبط هذا التحدي بانهيار مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وتراجع دور النظام القانوني بعد انهيار الحكومة بكافة مؤسساتها وتحول العراق إلى دولة محتلة منذ عام 2003، وما رافق عملية الاحتلال من فوضى في إدارة مؤسسات الدولة، وما رافق ذلك من فشل في حماية حدود العراق، ومما زاد من المشهد الأمني تعقيداً بروز ظاهرة المحاصصة والاستقطاب الطائفي وممارسات التمييز والتنازع على السلطة التي هيمنت على المشهد السياسي بعد 2003، وقد ألحقت كل تلك التطورات أفدح الأضرار بالبنية التحتية والإنتاجية، فضلاً عن الاستهداف المباشر لحياة المواطنين العزل.
ومن الطبيعي أن يقود استمرار هذا التحدي اليومي إلى منح الأولوية في التخصيصات للجانب الأمني وعلى حساب عملية إعادة الإعمار والتنمية، ومع ذلك وبعد سنوات من التجربة الصعبة والباهظة التكاليف، مازال الملف الأمني يشكل تحدياً خطيراً يواجه عملية التنمية والانتقال في العراق في ظل استمرار الصعوبات التي تواجه عمليات فرض القانون والنظام العام والعدالة بين المواطنين بعد استفحال الميليشيات ونفوذ الأحزاب بأجنحتها المسلحة.
في الواقع ، سجل الناتج المحلي الإجمالي للعراق انكماشًا حادًا بنسبة 104٪ في عام 2020 وتعرقل النمو بسبب انخفاض الطلب العالمي على النفط والتزام العراق بتخفيضات إنتاج أوبك كما شهد اقتصادها غير النفطي انكماشًا بنسبة 9 ٪ ، حيث عانت السياحة الدينية وقطاعات الخدمات أكثر من غيرها من عمليات الإغلاق الناجمة عن فيروس كورونا لكن الطلب المحلي الضعيف والسلع المستوردة الأرخص سعراً أبقت ضغوط التضخم منخفضة ، مع ارتفاع التضخم العام إلى 06٪ فقط في عام 2020.
استجابةً لخطورة الأزمة ، وضعت الحكومة خطة (وطنية) في كتاب أبيض تحدد الإصلاحات من أجل النمو المستدام ومتوسط الأجل و تعالج هذه بعض العوائق التي تقف في طريق التنويع الذي يقوده القطاع الخاص – كما ناقشته الحكومة ومجموعة البنك الدولي في أكتوبر 2019 – والمتعلقة بما يلي:
(1) الاستقرار المالي ، والحوكمة الاقتصادية ، والقطاع المالي ، وبيئة الأعمال.
(2) الزراعة والغاز والكهرباء والحماية الاجتماعية والعمل، حيث يعتمد النجاح النهائي لهذه الإصلاحات – ذات الطبيعة التحويلية – على الإرادة السياسية والدعم الشعبي لقيادة البلاد بعد انتخابات 2021 للخروج من فخ الهشاشة وفي الوقت نفسه ، يمكن أن تؤدي التصورات الشعبية للفساد ، فضلاً عن ضعف تقديم الخدمات العامة في العراق ، إلى مزيد من التوترات الاجتماعية وتقويض تنفيذها .
يتمثل التحدي الرئيسي للعراق بعد الانتخابات 2021 في المضي قدمًا بالإصلاحات مع تعافي أسواق النفط الدولية ، والحفاظ على إطار اقتصادي كلي مستدام حتى مع تجاوز أسعار النفط حاجز 80 دولارًا أمريكيًا للبرميل ، سيحتاج العراق إلى اتخاذ إجراءات لإعادة بناء حيزه المالي من خلال خفض الإنفاق المشوه وغير الفعال؛ تعزيز تعبئة الإيرادات المحلية؛ وتعزيز التوجه متوسط الأجل لسياسات الاقتصاد الكلي سيؤدي إلى فشل في تضييق العجز المزدوج – الحساب المالي والحساب الجاري – ووقف التراكم السريع للديون الحكومية، إلى تحويل المزيد من الموارد بعيدًا عن الاستثمار المنتج وتقليص احتياطيات النقد الأجنبي وقدرة الاقتصاد على الصمود أمام الصدمات تشمل الأولويات الأخرى الحد من COVID-19 وضمان طرح سريع للقاحات.
وعلى هذا النحو ، ستعتمد نظرة العراق على أسواق النفط العالمية ، وهياكل الإصلاحات وتنفيذها، وقدرة نظام الرعاية الصحية العراقي على الاستجابة لـCOVID-19 مع هدوء الظروف ، من المتوقع أن يعود النمو من 2٪ في عام 2021 إلى 84٪ في عام 2022 ، ومع توقع عودة الاقتصاد غير النفطي إلى متوسط 4٪ وسط تعافي أسعار النفط ، من المتوقع أن ينخفض عجز المالية العامة تدريجياً ، من 55٪ في عام 2021 إلى 06٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023 ومع ذلك ، من المتوقع أن يظل العجز في العجز دون إصلاح فاتورة الأجور العامة والمعاشات التقاعدية وبالتالي ، من المتوقع أن تظل نسبة الدين العراقي إلى الناتج المحلي الإجمالي مرتفعة
ينبغي أن يؤدي الانتعاش الاقتصادي والتحصين الشامل إلى عكس اتجاه تصاعد الفقر تدريجيًا – من المتوقع أن يكون أعلى من 7 إلى 14 نقطة مئوية فوق خط الفقر الوطني – ولكن التأثير غير المتناسب للصدمات الاقتصادية على الناس في القطاع غير الرسمي الذي يسيطر عليه بالفعل الفقراء والضعفاء هو من المحتمل أن يؤدي إلى زيادة عدم المساواة قد يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى دفع التضخم إلى 85٪ في عام 2021 ، بسبب قدرة العراق المحدودة على استبدال الواردات و سيشكل هذا ضغطًا إضافيًا على رفاهية الأسرة ويمكن أن يعيق الحد من الفقر.
هذه التحديات الاقتصادية ليست سوى جزء صغير من أجندة الحكومة الجديدة التي ما تزال غير واضحة الملامح بعد انتخابات 2021 ، و ستحتاج إلى سنوات لتتم معالجتها ولكن من الضروري مع ذلك بدء العمل في أقرب وقت ممكن – بمساعدة شركاء العراق، مثل صندوق النقد الدولي – لتنشيط الاقتصاد ولكن أيضًا لمنح الشعب العراقي الثقة في تحسين حياتهم.
لإدارة هذه المخاطر وتجنب تكرار الأداء الاقتصادي السابق ، فإن العراق لديه طريق للمضي قدمًا وهو طريق الإصلاحات الطموحة التي تم وضعها بموجب الكتاب الأبيض للحكومة العراقية، حيث يلاحظ المرصد الاقتصادي أن تجربة العراق أظهرت مرارًا وتكرارًا أن أسعار النفط والإصلاحات مرتبطة بشكل عكسي، أطلقت الحكومات المتعاقبة إصلاحات تحت ضغط انخفاض أسعار النفط ووسط التصور المرتفع باستمرار للفساد بالإضافة إلى ضعف تقديم الخدمات العامة أدى هذا المزيج إلى نشوء توترات اجتماعية وسياسية قوضت نجاح معظم مبادرات الإصلاح
قال ساروج كومار جها ، المدير الإقليمي للمشرق بالبنك الدولي: “الإصلاحات الهيكلية جوهرية لخلق مستقبل اقتصادي مستدام في العراق” و “إعادة البناء بشكل أفضل هو المفتاح لخلق الوظائف الضرورية للشباب والمساعدة في استعادة اتزان العراقيين ، ناهيك عن التحولات المطلوبة لبناء فرص اقتصادية متكافئة للمرأة”.
تقف الدولة هذه المرة على مفترق طرق، حيث الحلول السريعة محدودة ، ويحتاج الاقتصاد إلى تحول جاد إذا كان سيخلق فرص عمل لشبابها المتنامي، يقدر إصدار IEM Spring 2021 أن العراق يمكن أن يحقق مكاسب مالية سنوية قدرها 11 مليار دولار أمريكي إذا تم تنفيذ سياسات مؤيدة للنمو في القطاعات غير النفطية جنبًا إلى جنب مع معالجة جمود الميزانية يمكن أن يساعد تسريع برنامج التطعيم أيضًا في تسريع الانتعاش وعكس الارتفاع التدريجي في معدلات الفقر التي لوحظت خلال صيف عام 2020 ومع اتجاه أسعار النفط إلى أعلى من 60 دولارًا أمريكيًا للبرميل ، يمكن للعراق استخدام هذه المكاسب غير المتوقعة لتخفيف التداعيات الاجتماعية لتلك الإصلاحات المقصودة وتستثمر في رأس مالها البشري والمادي
أحد المجالات التي لم تتم الإشارة إليها صراحةً في الكتاب الأبيض ولكنها مفيدة لتحقيق التحول الاقتصادي في العراق هو زيادة معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة، تعد مشاركة المرأة في القوى العاملة في العراق من بين الأدنى في العالم ، وحتى عندما تدخل النساء في القوى العاملة ، فإنهن أكثر عرضة للبطالة بثلاثة أضعاف مقارنة بالرجال، تختلف العقبات التي تعترض دخول سوق العمل والبقاء فيه بشكل كبير بالنسبة للنساء من مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية ، وعبر نقاط التحول الحاسمة في حياة المرأة.
الفصل الثالث : كيف يواجه العراق تحدياته؟
تقول وزارة المالية العراقية أنها تعمل على تشجيع الاستثمار الخاص في إطار سعيها للحد من هيمنة القطاع العام الموروث من النظام السابق .حيث وضعت الحكومة قوانين جديدة تحكم الاستثمار والبنوك في محاولة لزيادة الشفافية وإنشاء بنك مركزي مستقل. وأخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة في ضخ استثمارات في العراق بالموافقة على أكثر من 18 مليار دولار لتمويل مشاريع التنمية وإعادة الإعمار، كذلك وقع البنك الدولي ثلاث اتفاقيات منح بقيمة إجمالية 145 مليون دولار لمشاريع مماثلة وبينما تستثمر الدول والمؤسسات الأجنبية في مستقبل العراق ، علما أن المشاريع البسيطة المميزة ستستغرق وقتًا طويلاً وربما محاولات عديدة لإكمالها بالتوازي مع عمليات التفاوض على حلول لأزمات الديون الخارجية ، ووجود كميات كبيرة من العملة المحلية المزورة قيد التداول ، خاصة في جنوب البلاد.
تنص المادة السابعة من قانون الإدارة الانتقالية بوضوح على أن الدين الرسمي للعراق هو الإسلام وأنه لا ينبغي للقوانين أن تنتهك الشريعة والهدف هو تجنب حكومة يمليها الدين مع التأكد في الوقت نفسه من أن القوانين متوافقة مع روح الشريعة. إحدى القضايا الشائكة هي احتمال تضارب المصالح بين النظام المالي والشريعة الإسلامية حيث تسعى البنوك العراقية إلى زيادة القروض بالفوائد والتعامل بالنظام الربوي الذي يتنافى مع بنود ونصوص الشريعة الاسلامية.
اللامركزية:
خلال الفترة الماضية ، كان الاقتصاد العراقي في حالة سقوط حر ، مما أدى إلى قرار أخير بتخفيض قيمة عملته – الدينار – بنسبة 23 في المائة. وفي الوقت الذي تتعامل فيه الدولة مع التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية المتداخلة ، تدعو مجموعة متنامية إلى مزيد من السيطرة على صنع القرار على المستوى المحلي، والخطوة الحاسمة في هذا الجهد هي التأكد من أن ميزانية العراق تستجيب لاحتياجات وأولويات المجتمعات المحلية. وفي ظل غياب الإصلاحات الشاملة ، فإن جهود اللامركزية في الميزانية أو في القطاعات الأخرى لن تعالج مشاكل الحكم المتعددة في العراق ، لكنها قد تكون خطوة في الاتجاه الصحيح.
ويبدو أن العديد من الخطط الأولية لخفض الإنفاق الحكومي قد تراجعت ، بما في ذلك التخفيضات الكبيرة في القطاع العام في عام 2020 ، حيث تجاوزت التزامات القطاع العام في العراق الدخل الهائل للدولة من النفط ، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الانخفاض الكبير في الطلب بسبب وباء COVID-19 لتنخفض عائدات الصادرات إلى النصف تقريبًا مقارنة بعام 2019 ، ومن المقرر أن يكون رصيد عجز الميزانية العراقية أكبر من أي وقت مضى منذ عام 2004 ويهدف تخفيض قيمة الدينار إلى زيادة عائدات النفط الحكومية قدر الإمكان لمعالجة العجز الوطني المتضخم.
وفي ضوء هذه التحديات الاقتصادية ، طرح الخبراء توصيات حول كيفية تبسيط الإدارة المالية العامة ، مثل تسليط الضوء على أوجه القصور في الميزانية الورقية للعراق للدعوة إلى إعطاء الأولوية لتقديم الخدمات على استدامة التوظيف في القطاع العام ، ولكن نظرًا لتحديات الحكومة المتفاقمة والفساد المستشري ، فإن مثل هذه التوصيات وحدها لن تعالج الأسباب الجذرية لتحديات الاقتصاد السياسي الدائمة في البلاد.
ومنذ عام 2003 ، كانت هناك محاولات متقطعة لإضفاء اللامركزية على بعض السلطات السياسية والإدارية والمالية من الحكومة المركزية إلى مستوى المقاطعات، حيث أن المقاطعات يمكن أن تساعد في إعادة التنظيم ومواجهة التحدي الذي طال أمده في العراق، والذي تعززه القرارات التي تتخذها النخب المتمركزة في المناطق الإدارية المركزية بدلاً من المجتمعات والسلطات المحلية السياسات المنصوص عليها في المادة 115 من الدستور العراقي ، والتي تم تحديدها لاحقًا بموجب القانون رقم 21 (2008) ، حيث تهدف إلى نقل الشؤون الأمنية والإدارية والمالية من الحكومة (الفيدرالية) العراقية إلى سلطاتها المحلية لكن النتائج كانت سلبية في الغالب بسبب ضعف التسلسل والتنفيذ والقيود على القدرات.
ومع ذلك ، تم إحراز بعض التقدم في نقل السلطة المركزية على سبيل المثال ، يمكن لحكومات المحافظات العراقية الآن منح تراخيص استثمار مباشرة لصفقات تصل إلى 250 مليون دولار ويمكنها أن تطلب مباشرة من الحكومة المركزية النظر في مشاريع استثمارية محددة وتمويلها، ومع ذلك ، هناك حاجة إلى إصلاحات أكثر أهمية إذا كان المشرعون العراقيون سيكونون أكثر عرضة للمساءلة أمام مجتمعاتهم وخزائنهم المتضائلة.
في أكتوبر/ تشرين الأول 2019 ، توقفت حملة اللامركزية العراقية مؤقتًا حيث علق مجلس النواب مجالس المحافظات استجابة لمطالب شعبية وجماهيرية عبر الاحتجاجات السلمية.
وتوضح الدراسات أن اللامركزية هي عنصر رئيسي في النقاش الأكبر حول الاقتصاد السياسي العراقي ووجهات النظر المختلفة التي يمتلكها العراقيون حول السلطة على المستوى المحلي.
يعكس النقاش حول اللامركزية وإعادة تقسيم الدوائر رغبات مشتركة لتمثيل أكبر في صنع القرار والمشاركة في تصميم الميزانيات المحلية. قد ترى المجتمعات التي تدعم اللامركزية هذا الجهد على أنه يمكّن من توفير خدمة أفضل كذلك تخصيص الموارد في مناطقهم ، فضلاً عن المساهمة في الاستقرار على المدى الطويل يمكن أن يقلل ذلك من الصراع قصير المدى بين المجتمعات المتخاصمة التي تتنافس حاليًا على الوصول إلى الموارد والوظائف العامة.
إن إعادة تقسيم الدوائر على طول الخطوط المجتمعية المتجانسة أمر مثير للجدل ويفترض أن الحوكمة الشاملة وخدمات التوصيل ستتحسن ، وهو أمر بعيد عن أن يكون مضمونًا ولكن تُظهر بيانات CSMF أن هناك رغبة بين بعض المجتمعات في امتلاك المزيد من الملكية والسيطرة على الأولويات الحاكمة للسلطات المحلية على الرغم من أن رسم حدود إدارية جديدة سيستهلك إيرادات حكومية محدودة على المدى القصير ، إلا أنه قد يساعد في ضمان تمكين السلطات المحلية بشكل أفضل لمساعدة اقتصاداتها على النمو على المدى الطويل .
إن اللامركزية ليست الدواء الشافي لمشاكل الحكم في العراق – وهي بعيدة كل البعد عن الدعم العالمي -، فالجماعات المسلحة تلعب دورًا كبيرًا في عمليات صنع القرار، تواصل الأحزاب السياسية توزيع الوظائف وغيرها من الغنائم على رعاتها ، مما يعمق العجز الوطني ويعيق التنمية المحلية إذا تُركت دون معالجة ، فإن الفساد المستمر والقدرات المحدودة في المناطق الطرفية ستحبط أي آمال لدى المجتمعات المحلية في أن تؤدي زيادة الاستقلالية إلى فوائد أكبر ، إذ لا يزال هناك خطر من المزيد من العوائق البيروقراطية والتوتر إذا لم يتم إنشاء خطوط أوضح بين السلطات المركزية والمحلية على سبيل المثال ، في عملية الموازنة السنوية ، يظل التداخل والعزلة بين مسؤوليات وزارة المالية ووزارة التخطيط ، مما يقوض العملية برمتها.
التنوع الاقتصادي:
بعد ما يقرب من عقدين من حرب عام 2003 ، يجد العراق نفسه على مفترق طرق: عالقًا في فخ الهشاشة ويواجه عدم استقرار متزايد وأزمات متعددة ، من المتوقع أن يشهد العراق أسوأ أداء سنوي لنمو الناتج المحلي الإجمالي منذ الخريف لنظام صدام ومع ذلك ، حتى في خضم وباء COVID-19 وصدمة أسعار النفط والاحتجاجات الأخيرة ، يمكن للعراق أن يسلك الطريق نحو النمو المستدام والسلام والاستقرار وتحسين مستويات المعيشة لشعبه
هذه هي النتائج التي توصلت إليها مذكرة البنك الدولي الاقتصادية الجديدة حول العراق بعنوان ” الخروج من حالة الهشاشة” حيث يبحث التقرير في أسباب عدم تمكن العراق من الإفلات من فخ الهشاشة ويوضح بالتفصيل ما يمكن أن تفعله الدولة لتحويل الأزمات إلى فرص ، وتنويع اقتصادها بعيدًا عن قطاع النفط ، والحفاظ على النمو المستقبلي ومع ذلك ، يسلط التقرير الضوء على أن المسار سيتطلب المثابرة ، وسيواجه العراق الكثير من عدم اليقين وهو يحاول معالجة التحديات طويلة الأمد وتغيير الوضع الراهن
قال ساروج كومار جها ، المدير الإقليمي للمشرق بالبنك الدولي: “إن التنويع الاقتصادي ، من خلال الإصلاحات وتطوير القطاع الخاص ، أمر بالغ الأهمية للحد من التحديات المستمرة التي يواجهها العراق”.
يحدد الخروج من حالة الهشاشة والتنويع الاقتصادي المسارات الرئيسية للعراق لتحقيق النمو المستدام بعد النظر عن كثب في الاقتصاد السياسي المعقد للبلاد حيث أن أولوية العراق يجب أن تكون لإعادة تركيز التسوية السياسية في البلاد على التنمية ، وتحسين الشفافية في إدارة وتخصيص ثروته النفطية وموارده العامة كما هناك حاجة ملحة لأن يعيد العراق بناء الثقة بين المواطنين والحكومة من خلال تعزيز مشاركة المواطنين ومساءلة الحكومة في تقديم الخدمات ذات الأولوية والبنية التحتية ، والاستجابة لطلب الشباب على الوظائف ومعالجة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.
وعلى الرغم من التحديات السياسية والاقتصادية الحالية في العراق ، يمكن أن تساعد ثلاثة مجالات للتركيز على التنويع الاقتصادي والنمو والاستقرار:
أولاً: يمكن أن يكون الحفاظ على السلام ، في حد ذاته ، محركًا قويًا للنمو فقد كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في العراق أقل بنحو خمس في عام 2018 مما كان سيصبح لولا الصراع الذي بدأ في عام 2014 ، في حين كان الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي أقل بمقدار الثلث في البلدان التي مرت بحلقة مفرغة من العنف والهشاشة ، تعتبر السياسات المنسقة من الجهات الفاعلة أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على “المسارات السلمية” وبدء دورة حميدة، فالعراق على المدى القصير يجب أن يركز على الإصلاحات التي توسع شبكات الأمان الاجتماعي للفقراء والأكثر ضعفاً ، وتحسن تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة ، وتضمن شفافية أكبر في عمل المؤسسات الحكومية وتفعيل المشروعات المهمة والتخطيط الاستراتيجي متوسط وبعيد المدى.
ثانيًا: الاستفادة من إمكانات التصدير العراقية للمساعدة في تنويع الاقتصاد بعيدًا عن إنتاج النفط ، والاتجاه نحو التجارة والتكامل الموقع الجغرافي للعراق لديه القدرة على جعل البلاد مركزًا لوجستيًا إقليميًا ؛ ومع ذلك ، فإن الأداء اللوجستي للعراق يتخلف عن نظرائه لدرجة أنه بدلاً من ذلك يمثل عنق الزجاجة الإقليمي.
ثالثًا: إحياء قطاع الزراعة في العراق ليكون بمثابة ركيزة أساسية لاقتصاد أكثر تنوعًا يقوده القطاع الخاص من خلال الإنتاج الزراعي؛ معالجة الغذاء؛ والخدمات ذات الصلة بما في ذلك اللوجستيات والتمويل والتصنيع والتكنولوجيا التي لديها إمكانات كبيرة للتوسع وخلق فرص العمل حيث أن قطاع الأغذية الزراعية لم يخضع لنفس المستوى من الرقابة الحكومية مثل القطاعات الأخرى، لذلك فهو في وضع جيد لتطوير أساليب جديدة واعتماد أحدث التقنيات لتعظيم إمكاناته التنافسية .
النتائج:
كما هو معروف، فإن تطور أي بلد اقتصاديًّا ينعكس إيجابيًّا على المجتمع، ثراء ورخاء وتقدمًا، فيما يؤدي تراجع التطور الاقتصادي إلى مشاكل سياسية واجتماعية عديدة، وفي مقدمتها زيادة ظاهرة الفقر في البلد. وقد أظهرت المعطيات الإحصائية أن تطورات الاقتصاد العراقي خلال السنوات الأخيرة اتسمت بعدم الاستقرار وتزايد عناصر الوهن والضعف والإفقار في غالبية قطاعات الاقتصاد الكلي، والتأثر بتقلبات الأسعار في الأسواق العالمية، مما أدى إلى انتشار الفساد وتزايد التهريب والتجارة غير المنظمة بين الحدود وهذا يستدعي بالضرورة العمل على إعادة تفعيل منظومة الاقتصاد وإدارتها بالشكل الأمثل بغية تفعيل كافة القطاعات وإسهامها في النمو الاقتصادي للبلاد .
تطرق البحث إلى الاقتصاد العراقي في فلك انتخابات عام 2021 وإلى أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه العراق فيما بعد انتخابات 2021 في ظل تهديد السلاح المنفلت وسلطة نفوذ الأحزاب وأجنحتها المسلحة إلى حد كبير في العديد من المجالات ، بالإضافة إلى أزمة كوفيد 19 على الاقتصاد العراقي، وعدم استقرار أسعار النفط في المستقبل غير مؤكد ويعتمد على ما إذا كان بإمكان الحكومة إخماد الاضطرابات الاجتماعية والحد من نفوذ الميليشيات والمكاتب الاقتصادية للأحزاب والتيارات المسلحة لإرساء أسس الحرية الاقتصادية ، ويجب أن تشمل أولويات السياسة الاقتصادية للحكومة كبح جماح الإنفاق المالي، وكبح الفساد ، وتحسين الإدارة المالية ، وتعزيز القطاع المالي لأن مفتاح التنمية الاقتصادية طويلة الأجل للعراق سيكون مناخ استثماري معزز لتعزيز مشاركة القطاع الخاص، الأمر الذي سيتطلب بدوره بيئة أمنية محسنة واستعادة سيادة القانون.
التوصيات:
هناك مجموعة من التوصيات التي يمكن أن نستنتجها من دراستنا الحالية منها على سبيل المثال :
– الحاجة إلى تدخلات سوق العمل لضمان توافق أفضل بين العرض والطلب على العمل، وتشمل هذه التدخلات التركيز على وجود وإمكانية الوصول إلى برامج التدريب على المهارات التي يحركها الطلب، وتحسين الوصول إلى رعاية ميسورة التكلفة وذات جودة عالية ، وتوفير حوافز للقطاع الخاص للاستثمار في القطاعات التي توظف المزيد من النساء وتوفير خيارات مدرة للدخل مقبولة ثقافيًا للنساء.
– يمكن أن تساهم التشريعات واللوائح المحددة في الحد من وصول المرأة إلى فرص العمل بما في ذلك التشريعات الغامضة، فضلاً عن عدم المساواة الصارخة بين الجنسين في حقوق الملكية والميراث هناك حاجة إلى مراجعة القوانين واللوائح، وعلى الرغم من أن معالجة الأعراف الاجتماعية يمكن أن تكون صعبة ، إلا أن بعض التدخلات التي تهدف إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة يمكن أن تكون فعالة في تحسين مشاركة المرأة في سوق العمل في العراقي بما يتلائم مع مبادئ ديننا الحنيف.
– إن ما شهده العراق من سوء إدارة الحكومات المتعاقبة بموارد النفط خلال العقود الماضية يؤكد الحاجة التنموية الشديدة إلى إعادة بناء اقتصاد يتصف بالاستقرار، أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على النفط، وأكثر قدرة على التنافس، بهدف ترشيد التصرف بموارد الريع النفطي، وتفعيل دور الأنشطة التي يقودها القطاع الخاص ودعم الدولةـ وإن تحقيق تلك الأهداف يتطلب:
* التعجيل بتبني استراتيجية اقتصادية طويلة الأجل تهدف إلى تقليل الاعتماد على إيرادات النفط من خلال:
١- تبني هدف التنويع الاقتصادي وزيادة معدلات الاستثمار الإنتاجي.
٢- تطبيق مكثف لبرامج التنمية البشرية وبرامج إعادة تأهيل المهارات بهدف تحسين الإنتاجية.
٣- إدخال التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الإنتاج والاتصالات والمعلومات.
٤- تبني سياسات اقتصادية تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وزيادة فرص النمو الاقتصادي وفرص العمل المنتج.
* إن الشراكة بين القطاعين العام والخاص هي الأسلوب الواقعي للتحول من الدولة الريعية المركزية إلى الدولة التنموية لتوظيف ريع النفط في خدمة الاستثمار الحقيقي وإعادة هيكلة القطاع الخاص وتغيير واقعه الهش.
المصادر :
1. خميس خلف موسى ومازن عيسى الشيخ راضي التنمية الاقتصادية في العراق ،جامعة الكوفة ، 2000 ، ص 30
2. عبد الرازق فارس الفارس، “الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للطفرة النفطية على دول مجلس التعاون،” المستقبل العربي، العدد 363 ايار/مايو 2009 ، ص 29
3. قارن: فريق ابحاث، ديناميكيات النزاع في العراق التقييم الاستراتيجي ,بيروت معهد الدراسات ، الطبعة الاولى، 2007 ، ص. 32
4. جمهورية العراق، وزارة التخطيط، خطة التنمية الوطنية للسنوات 2014 -2010. بغداد، كانون الاول 2009 ، ص 43
5. عبد الرسول عبد جاسم ، نحو تقو مٌ الاقتصاد العراق الحلول والمعالجات ، مجلة كلية المنصور، العدد 14 ، الجزء الأول، عام 2010
6. كرم عباس العزاوي : واقع القطاع الخاص بالعراق وسبل النهوض به ،كلية الإدارة والاقتصاد 2001
7. محمد علوان : الاقتصاد العراقي: الماضي والحاضر والمستقبل ، دار الملاك للنشر ، بغداد ، 2014 ، ط 4
8. مظهر محمد صالح : الاقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق ، رؤية المشهد الراهن ، دار الحكمة للطباعة والنشر ، عام 2013
المصادر الاجنبية:
1. Baringanire, P., and Bhatia, M. (2017). Iraq Vision 2030 Energy Policy Note.
2. Griffin, P. (2017). Iraq: Assessment of the Economic Impact of Energy Subsidy Reduction. Economic Consulting Associates (2017). Cost of Service and Tariff Design/Rationalization Study for Electricity Supply in Iraq.
3. World Bank Group. 2018. Iraq Doing Business 2018: Recent Reforms in Iraq Pave the Way for More Progress Going Forward. Washington, DC.
4. Alnasrawi, Abbas (1994). The Economy of Iraq: Oil, Wars, Destruction of Development and
5. Prospects, 1950-2010. Westport, CT: Greenwood Press.
6. Iraq’s Burdens: Oil, Sanctions and Underdevelopment. Westport, CT,2002. Greenwood Press .
7. Banerjee, Neela and John H. Cushman Jr. (2003). “Unemployed Iraqis Say New Jobs will
8. Pay Off in Greater Security for All,” New York Times, February 8.
9. Braude, Joseph (2003). The New Iraq: Rebuilding the Country for Its People, the Middle East, and the World. New York, NY: Basic Books.
10. Fattah, Hassan (2004a). “Occupation Reporter: Iraq Today’s Story,” Prospect Magazine,
11. General Accounting Office (2002). “Weapons of Mass Destruction: UN Confronts Significant Challenges in Implementing Sanctions Against Iraq,” May, Report GAO-02-625. Washington, D.C.
دراسة خاصة براسام

