العراق يشارك في تشكيل ودعم جيش الانقاذ(التحرير)الفلسطيني:
لقد تم تشكيل جيش الانقاذ الفلسطيني في الأول من كانون الثاني/يناير عام1948من المتطوعين العرب والمناضلين الفلسطينيين، وتولى قيادة الجيش “اللواء الركن اسماعيل صفوت باشا”(عراقي)، يساعده “ضابط الركن الأول العقيد محمود هندي”(سوري) وكان مسؤولاً عن الإدارة، و”المقدم الركن الثاني شوكت شقير “(سوري) و”ضابط الركن الثالث الرئيس وصفي مصطفى التل”(أردني)وكان مسؤولاً عن للحركات كما تم انتدب المفتش العام “العميد الركن طه باشا الهاشمي” (عراقي)لأغراض التدريب والتنظيم، وقد تألف الجيش من “ثمانية أفواج” وهي كما يلي:
فوج اليرموك الأول: وكان بقيادة “المقدم محمد صفا”(سوري)، وقد كلف بواجب القتال في القاطع الكائن بين “جنين”، و”بيسان”.
فوج اليرموك الثاني: وكان بقيادة “أديب الشيشكلي”(سوري)، وقد أوكل له واجب القتال في منطقة “الجليل” التي تشمل كل من(صفد- عكا-الناصرة-النبي يوشع-الناحية الغربية-بحيرة طبرية)وكانت الاعداد تتراوح بين(350-400)مقاتل.
فوج اليرموك الثالث: وكان بقيادة “الرئيس عبد الحميد الراوي”(عراقي)، وعهد اليه واجب القتال في قطاع “رام الله”، ثم “القدس” بعد ذلك.
فوج القادسية: وكان بقيادة “المقدم مهدي صالح العاني”(عراقي)، وكلف بواجب الاحتياط ضمن قطاع “رام الله – باب الواد” ومعظم رجاله عراقيين.
فوج حطين: وكان بقيادة “الرئيس مدلول عباس” (عراقي)، وأوكل له واجب القتال في قطاع “السامرة – طول كرم”.
فوج أجنادين: وكان بقيادة “الرئيس ميشال العيسى” (فلسطيني)، وكلف بواجب القتال في قاطع “رام الله” و”القدس” وبعد ذلك العمل في “يافا”.
فوج العراق: وكان بقيادة “المقدم عادل نجم الدين”(عراقي)، وكلف بواجب القتال في قطاع “يافا” و”القطاع الغربي”، ومعظم رجاله من العراق، وحماة، وتركيا، ويطلقون عليه “فوج الحسين”.
فوج الدروز: (جبل العرب)وكان بقيادة “الرئيس شكيب عبد الوهاب”(درزي)، وأوكلت له مهمة مساعدة “فوج اليرموك الثاني” في منطقة “الجليل” .
وكانت أعداد هذه الأفواج تتراوح بين(500-700)مقاتل، وهنا لا بد لنا من الاشارة الى إن أربعة أمري أفواج من ثمانية أفواج كانت قياداتهم من العراق، بالإضافة الى قائد جيش التحرير، والمتطوعين، وهذا يبين مدى الدعم الكبير للقضية الفلسطينية التي تحظى باهتمام كبير وخاصة على المستوى الشعبي، الذي مارس الضغوطات الكبيرة التي أجبرت الحكومات على تقديم الدعم السياسي، والمالي، والعسكري، والبشري، رغم الضغوطات التي مارستها بريطانيا، والدول الأوربية التي منعت بيع وتصدير السلاح للعراق، وقد صرح قائد جيش الإنقاذ في عام1953بأنه طلب من الحكومات العربية أن تدخل بجيوشها قبل انتهاء الانتداب البريطاني، وقبل أن تسقط المدن والمواضع الاستراتيجية التي كانت بأيدي المناضلين بيد اليهود، الا أن طلبه لم يلبى، ولم يسمع فدخلت قواتهم بعد ذلك وكان الوقت قد تأخر كثيراً، فسقطت أكثر المدن الفلسطينية بيد اليهود.
الجيش العراقي يخوض معارك ضارية:
لقد انطلقت المعارك القتالية ضد العدو الصهيوني بعد أن أجتاز “حجفل اللواء الأول العراقي” حدود فلسطين يوم15أيار 1948، وأندفع باتجاه قطاع “جسر المجامع”، لينطلق الى “معركة كيشر”، بينما انقسمت القوات العراقية المؤلفة من القوة الألية التي وصلت الى لواء “السامرة” الى أربعة أرتال وكما يلي:
رتل أم جنين: يقوده “نوح عبدالله الحلبى” وأطلقوا عليه “رتل أسد”.
رتل أخر تقدم نحو “طول كرم” يقوده “المقدم الركن طارق سعيد فهمي” وأطلقوا عليه “رتل نمر”.
ورتل تقدم الى “قلقيلة” يقوده “سعيد القريشي” وقد أطلقوا عليه “رتل قريش”.
رتل بقي في “نابلس” يقوده أمر القوة “رفيق عارف” وكان واجبه “احتياط سوقي” وأطلقوا عليه “رتل فهد”.
معركة كيشر:
لقد سيطر الصهاينة على حامية قوية في كل من “مشروع الكهرباء روتنبرغ” ومستعمرة “كيشر”، وخاصة الحصن، وقد أنذرت الحكومة الاردنية في11أيار1948 اليهود المسلحين في هيئة مشروع الكهرباء أن يغادروا المكان، كما خيرهم ببقاء العدد الكافي من العمال لإدارة المشروع على أن لا يكونوا مسلحين، وفعلاً تم الإبقاء على أربعين شخصاً لإدارة المشروع ، بينما انسحب المسلحون الى المستعمرة الصهيونية الواقعة على الضفاف الغربية لنهر الاردن والمسيطرة على “جسر المجامع”، وقد انضموا الى الصهاينة بقصد الدفاع عنها، وقد تزامن ذلك مع وصول القوات العراقية الى المنطقة، وقد قام الصهاينة بساعة مبكرة من يوم15أيار عام1948بنسف “جسر المجامع” وقطعوا كل اتصال مع الضفة الشرقية لنهر الاردن، وأكثروا من الدفاع عن المستعمرة وحصنها المنيع، المحاط بألغام، وأسلاك شائكة، وزيادة في الحيطة أحتل الصهاينة مرتفعات قرية “كوكب الهوى”، الواقعة غرب كيشر باتجاه “العفولة”، والتي تعتبر مفتاح المنطقة كلها للسيطرة على منطقة “كيشر” ولتأمين وصول النجدات والتقويات من اتجاه “العفولة” اليها، وقد جرت الحركات كما يلي:
في15أيار أحتلت القوات العراقية مشروع الكهرباء(روتنبرغ) وتقدمت نحو نهر الاردن، وقد استطاعت سرية أن تقوم بالعبور مستفيدة من الظلام، واحتلت رأس جسر في الضفة الغربية، وقد قامت الطائرات العراقية بقصف القرى التي يسيطر عليها الصهاينة، كما استطلعت الطرق المؤدية الى مستعمرة “كيشر”.
في16أيار تم نسف الصهاينة لبعض السدود على نهر الاردن في شمال “كيشر”، الأمر الذي أدى الى ارتفاع منسوب المياه لعرقلة عبور القوات العراقية، ومع هذا أستطاع أحد الأفواج أن يقوم بعملية عبور ناجحة واستطاع أن يحتل محطة قطار “كيشر” و”قرية المجامع” المجاورة للمحطة، وأخذ الجيش العراقي يضيق الخناق على “كيشر” رغم المقاومة الشديدة .
في يوم17أيار 1948تم عبور فوج أخر ووحد حركته مع الفوج الذي سبقه بالهجوم على قلعة كيشر، التي تقع بين نهر الاردن وسفوح “كوكب الهوى”، مما جعل المناورة في القطعات محدودة، الأمر الذي دفع القوات بالاستمرار بحصار القلعة والتضييق عليها بالرمي على جميع المزاغل، والاستفادة من الظلام للتقرب بالمدرعات والمشاة، كما تم أرسال سرية لمراقبة مرتفعات “كوكب الهوى” التي تشرف على قلعة “كيشر”، التي ما لبثت أن تصادمت مع القوات الصهيونية.
في ليلة17/18أيار 1948وصلت القوات الامامية الى أبنية “كيشر” ودخلت بعض المفارز الى مدرستها، وقد تطلب الموقف سحق الاسلاك الشائكة المحيطة بباب الحصن لمسافة50متر تمهيداً لنسف الحصن، وقد تقدمت مدرعتان وفتحت النار على المنطقة المحيطة بالحصن فتفجرت الالغام، ثم وصلت الى باب الحصن رغم القنابل المحرقة التي كانوا يلقونها الصهاينة عليها، فأزيلت الاسلاك الشائكة، وكان هناك اسناد للقوة المتقدمة تؤمنه مدرعتين كانت تصوب نيرانها على المزاغل وابراج المراقبة، وبهذا تم التمهيد لمفرزة من الهندسة العسكرية لتتقدم لنسف باب الحصن، حيث نجحت في الوصول الى الباب، فتم وضع المتفجرات ليتم النسف، ولكن لم تتمكن القوات العراقية المهاجمة من الدخول الى داخل القلعة لقوة التحصين، بسبب نيران القناصة الصهاينة الذين صبوا نيران مركزة على السرية العراقية التي كانت في بساتين الموز، بالإضافة الى وصول تعزيزات لنجدة العدو في يوم19أيار1948بحيث وصلت قوتهم الى لواء متكامل وبدء يزداد تواجده من اتجاه “العفولة” لعدم قيام القوات الاردنية بواجبها ثم تم وصول تعزيزات مرة أخرى في يوم20ويوم21ايار 1948، كما استطاع اليهود من احتلال “هضبة الجمل” وبذلك تكون قد انتهت معركة “كيشر”.
نتيجةً لتطور الموقف قررت القيادة العراقية شن هجوم واسع يشمل كل من مناطق: “كوكب الهوى”، وقلعتها، وتم تحديد موعد الهجوم في يوم21أيار 194، خصوصاً بعد أن ازدادت الهجمات على القوات العراقية، وقد تم إصدار الأوامر بتنقل القوات وتم تقسيم الواجبات عليها، وأنيط واجب الهجوم للفوج الأول من اللواء الأول، ولكن الهجوم لم يتم بعد أن أتصلت القيادة تلفونياً في يوم20أيار1948، بسبب وجود خطة جديدة تقضي بتبديل منطقة عمل القوات العراقية الى لواء السامرة في مدينة “نابلس”، وقد صدر أمر بالكف عن محاصرة كيشر بينما كانت اللقمة قريبة وقد أكد “اللواء نجيب باشا الربيعي” أنه أعترض على الأمر الذي صدر بانسحاب لوائه في وقت كانت كيشر على وشك السقوط ولكن لم يأبهوا لاعتراضه.
تحشدت القوات العراقية في منطقة نابلس:
تحركت القوات العراقية في28أيار لتنفيذ واجب عام وليس محدد، وقد أوكل لها تأسيس قواعد ثابتة بمنطقتي “نابلس” و”الهوارة”، لأسناد الحركات التعرضية في “طول كرم” و”قلقيلية”، وقد اقتصرت الحركات بأجراء غارات بأرتال سيارة قوية ضد المستعمرات الصهيونية وتخريبها وأبادتها، وقد تحركت القوات بمحورين هما:
المحور الأول: هو نابلس- طولكرم ويتحرك عليه الجحفل الأول .
المحور الثاني: الهوارة- قلقيلية ويتحرك عليه الجحفل الرابع على أن يتحرك مقر الفرقة خارج المدن وفي منطقة مركزية بين المحورين بالاستفادة من البساتين للاختفاء.
وصلت القوات العراقية الى لواء السامرة في مدينة نابلس وتوزعت على منطقة واسعة شملت منطقة جنين-منطقة طولكرم- منطقة قلقيلية- منطقة راس العين فأصبحت ضعيفة في كل مكان.
الأعمال التي قامت بها القوات العراقية:
قوة جنين: في يوم27أيار 1948وصلت القوة الى جنين وأرسلت رعيل مدرعات على طريق جنين – العفولة ورعيل أخر على طريق جنين – اللجون لغرض الاستطلاع وفي 28أيار أرسلت قوة للأغارة على مدينة زرعين التي كانت تشهد أعمال تدمير ونسف مباني وكان هناك تواجد لأكثر من(20)عجلة مختلفة الاحجام وأكثر من(300)مقاتل مشغولين بحفر الخنادق وتم قصفهم بالمدفعية وتقدمت المدرعات لتجبر العدو على ترك مواضعه تاركاً عدداً من العجلات وفي يوم29تم أرسال رعيل مدرعات للترصد على خط اللجون وبقيت على خط جلمة- مقيبلة والمدرعات على خط صندلة بوضع التصدي للإمدادات المعادية.
قوة طولكرم: في يوم28أيار1948 أرسلت قوة الى للقيام بغارة على مستعمرة كولم فتم اقتحامها والدخول اليها ونسف أبنيتها وحرقها وضرب منابع الماء فيها ثم عادت القوة ليتم تنفيذ غارة أخرى في يوم30أيار على كفاريونا كما تم الاصطدام مع العدو في باقة الغربية يوم4حزيران وفي يوم4/5حزيران1948هاجم الصهاينة قرية الطيرة ولكنهم فشلوا في الدخول اليه وتركوا جثث قتلاهم في ساحة المعركة كما تم ارسال مفرزة مؤلفة من فصيل مشاة وجماعة من جيش الانقاذ في يوم4حزيران الى مستعمرة كاكون واتخذت موقعا دفاعياً ودرات معركة شرسة فيها استمرت ليومين واستطاع العدو استعادتها بعد وصول تعزيزات كبيرة لهم.
معركة رامات هاكوفيتش: لقد وقعت معركة “رامات هاكوفيتش” في منطقة جنوب “قرية الطيرة”، وهي عبارة عن ثلاثة تلال متصلة تساعد على الدفاع، وتشرف وتسيطر بالنار على طريق “طول كرم- قلقيلة العام” و”محطة قلقيلة” وهو على اتصال بالطيرة، وتعتبر هذه التلال قاعدة امينة لأية حركة بتجاه الطيرة، او قلقيلة، وقد شنت القوات العراقية هجوم ليلي، تبعه هجوم نهاري واسع وحاسم، بحيث تم السيطرة على هذه المنطقة المهمة.
معركة جنين:
تعتبر معركة جنين من أهم المعارك على المستوى التكتيكي والاستراتيجي، والتي كان لها الأثر الكبير على تغير سير المعركة مع الصهاينة في عام1948، والتي كان لها تأثير كبير على رفع معنويات الشعب العربي الفلسطيني الذي صمد بشكل رائع في هذه المنطقة الجغرافية، وكان لوصول القوات العراقية الى لواء “السامرة” وانتشارها في منطقة جغرافية واسعة تضم “جنين- طول كرم- نابلس- منطقة قلقيلة- منطقة رأس العين” تأثير كبير على أداء القوات العراقية التي توزعت في المنطقة الممتدة من جنين شمالاً حتى مجدل يابا جنوباً، وشملت المنطقة قرى صندلة، وعارة، وعرعرة، وكفرقرع، وباقة العربية، ومدينة طولكرم، وقرية قاقون، وقرية قلنسوة، وقرية الطيرة الصعبية، وقرية جلجولية، وكفرقاسم، والمجدل، فأصبحت ضعيفة وغير قادرة على المناورة في كل مكان، مما تطلب أرسال قوات عسكرية إضافية لتعزيز القوات المنتشرة على طول خط الجبهة المكلفة بحمايتها والسيطرة عليها.
إن القوات الصهيونية التي كانت ترابط في هذه المنطقة كانت تخشى من القوات العراقية التي حلت في لواء “السامرة”، وهي تخطط وتحاول استغلال الفرصة نتيجة الانفتاح التعبوي الكبير والواسع للغدر بها والتخلص منها، قبل أن تتمكن من توجيه ضربة قوية لهم، ولذلك قرروا الهجوم على القوات العراقية بشكل واسع، وبقوات متفوقة عليها عسكرياً بقوة تقدر بقرابة(4)ألاف مقاتل، انتظموا في أربع فرقة هي الفرقة(21)و(22) و(13)التابعة للواء جولاني، وهي القوة الرئيسية والضاربة في الهجوم، بينما أنحصر واجب الفرقة الرابعة بقضايا الأمداد والتمويل، وقد استهداف الهجوم الصهيوني تدمير حامية جنين التي تتواجد فيها قوات عراقية قليلة، ثم التقدم نحو مفرق “قباطية” و”نابلس”، وقد كانت القوة الموجودة تقدر بـ(250)جندي عراقي، أي سريتين بقيادة الفوج الألي تسندهم بطرية مدافع3،7 عقدة، وقد تطور الموقف حسب التفاصيل التالية:
في1حزيران1948أحتل الصهاينة قرية “صندلة” قبل الظهر، وقريتي “جلمة” و”مقبيلة” عصر ذلك اليوم، وأغارت ثلاث طائرات على بلدة “جنين” ومخفرها، وتم مهاجمة الربية الثابتة في الراقم(152)، واستمر هجومه ساعتين، ثم انسحب تاركاً ورائه عتاد، واسلحة خفيفة، ورمانات يدوية.
في2حزيران قامت قوة من القوات العراقية بالهجوم على مواضع العدو في “المعسكر البريطاني” ودام الاشتباك 8ساعات، ثم قام الصهاينة بالهجوم بقوات كبيرة على قاطع “جنين” وتمكنوا من التقدم ليلا حول الاجنحة، واستطاعوا احتلال سلسلة التلال في جنوب بلدة “جنين”، والتي تسيطر على المخفر الموجود فيه الفوج الألي العراقي، كما هاجم العدو الرقم(152)بنفس الوقت تم اقتحام بعض الأحياء السكنية، ولم يبقى ألا بعض الجيوب ومبنى القيادة في القلعة، كما أوشكت الذخيرة على النفاد.
في3حزيران 1948بدء القصف على المخفر وأصبح الفوج في وضع حرج جداً بعد أن أحيط به من جميع الجهات، وقطع طريق مواصلاته مع مقر القيادة في “نابلس”، ولكنه رغم ذلك فقد أستطاع الفوج من الصمود في مواضعه، وقد تزامن ذلك مع وصول “جحفل اللواء الرابع” الى “فلسطين”، والذي يقوده “العقيد الركن صالح زكي توفيق” وكانت القدمة الاولى مؤلفة من “الفوج الثاني لواء الخامس” الذي يقوده “المقدم الركن عمر علي” والذي كلف بواجب استبدال قوات عراقية في المثلث الجنوبي (الطيرة-كفر قاسم)، لذا فقد كان وصول اللواء الرابع مفاجأً وغير محسوب من قبل للصهاينة، الأمر الذي قلب الحسابات والموقف العسكري الميداني لصالح القوات العراقية، كما أنه يدل على دقة التقديرات العسكرية لدى القيادات العسكرية العراقية، التي رأت في تطور الموقف الميداني والمتأزم في “جنين” ضرورة لأرسال تعزيزات، لذا فقد قررت القيادة العراقية تغير واجب “الفوج الثاني لواء الخامس” ومعه “بطارية مدفعية (25)رطل” ودفعه الى “جنين”، ثم أعقبه تحرك “مقر اللواء الرابع” و”الفوج الثاني من اللواء الرابع”، وقد أخبر “الفوج الألي” المرابط في “جنين” بقرب وصول الامدادات لنجدتهم.
لقد تم دخول “الفوج الثاني لواء الخامس” و”مقر اللواء الرابع” المعركة فور وصولهم الى مفرق قباطية بتماس مباشر مع العدو الصهيوني، يساندهم المتطوعين الفلسطينيين، حيث تم الانفتاح بتشكيل المعركة، وتم مهاجمة العدو بمحورين هما: الأول الهجوم على محور الطريق العام “نابلس- جنين”، والثاني الهجوم غربي الطريق العام ليتسنى له مفاجأة القوات الصهيونية من الخلف في منطقة “برقين واليامون”، وكان هذا المحور بقيادة “المقدم الركن عمر علي” الذي سطر على التلال المشرفة على مدخل المضيق الى “جنين” وهنا تم دخول “الفوج الثاني اللواء الرابع” للمعركة، موحداً حركته مع “الفوج الثاني لواء الخامس” وقد تمكن الفوجين من استعادة التلال وطرد العدو، وتم احتلال مواضع أخرى شمال المواضع، واستمرت المعركة لمدة “ساعتين وعشرين دقيقة”، ثم قام الفوجين بهجوم جديد أحتلوا فيه سفوح “برقين” و”تل الخروبة الاستراتيجي” حيث دارت معركة بالسلاح الأبيض استبسلت فيها سرية عراقية، ثم أشتد القتال بعد ذلك في “محطة السكة الحديدية” التي أتخذها الجيش الصهيوني مقراً لها، وقد حاولت القوات الصهيونية شن هجوم مقابل بوحدة مدرعة ووحدتي مشاة وتم إجهاضه بالمدفعية العراقية.
في يوم4حزيران شنت القوات العراقية هجوم ليلي على الأحياء السكنية التي سيطرت عليها العدو الصهيوني وأرغمته على الانسحاب منها تاركاً اسلحته وقتلاه، وقد انقلب انسحابه الى هزيمة شنيعة، بسبب الخسائر الكبيرة التي مني بها الصهاينة.
لقد حاول العدو الصهيوني أن يشن هجوم ليلي واسع وعنيف في يوم 5حزيران لرفع معنويات جنودهم، وكانت خطته الهجومية تتلخص بشن الهجوم من محورين هما: طريق “جنين- اللجون” والأخر هو محور “جنين-العفولة”، محاولين الوصول الى خلف أجنحة القوات العراقية من الشرق والغرب، واستمر القتال طول الليل، وقد تمكنت القوات العراقية من صد الهجوم وارتد العدو على أعقابه، وقد دمرت نصف القوة الصهيونية المتواجدة في المنطقة، وضعفت معنويات العدو، وأفسدت خططهم هذه المعركة التي كان يتوقف عليها مصير لواء “السامرة”، حيث استمرت هذه المعركة من2حزيران الى 4حزيران عام1948، وقد حاول العدو وقف تقدم القوات العراقية من خلال قصفها من الجو، ولكن مبادرة القوات العراقية بالهجوم الليلي فوت الفرصة عليهم.
لقد غنم الجيش العراقي الكثير من الاسلحة والأعتدة ومنها(300)بندقية مختلفة الأنواع، ومدافع هاون، ورشاشات متوسطة، وأجهزة لاسلكية، وقدرت الخسائر البشرية بأكثر من(300)جندي بين قتيل وجريح، وقد وصف “موشيه كرمل قائد المنطقة الشمالية” في الجيش الإسرائيلي في معرض حديثه عن “معركة جنين” قائلاً :” إن هذه المعركة المرة دفعنا فيها أغلى الدماء ” وقد وصفها بالمرة، حيث نجحت القوات العراقية في دفع العدو الصهيوني قرابة(15)كم نحو الشمال، بحيث أصبح خط النار على تخوم قرية “زرعين المهجرة شمال خط قرى صندلة ومقيبلة” وقد تم تسليم هذه المناطق الى الجيش الأردني، بعد أن انسحبت القوات العراقية في كانون الثاني عام1949، وبقي خط النار حتى اتفاقية “رودس” عام1949بين الأردن وإسرائيل، والتي جرى بموجبها تسليم الأردن لقرى “مقيبلة” و”صندلة” للقوات الإسرائيلية التي دخلتها في تموز 1949.
موقف الجيوش العربية المرسل لرئاسة أركان الجيش العراقي يوم6حزيران1948:
أرسل “اللواء الركن نوري الدين محمود قائد القوات العراقية في فلسطين” موقفاً الى رئيس أركان الجيش العراقي بعد المذاكرات التي أجراها مع رئاسة أركان الجيش المصري” وكانت عبارة عن ملاحظات مهمة حول سير الحركات في فلسطين وكانت كما يلي:
الجيش السوري واللبناني: مرابطان بحالة دفاعية ولا يؤمل منها القيام بأي عمل تعرضي.
الجيش المصري: وصل الى منطقة “أسدود” والمنطقة الواقعة “جنوب كاستينيا” وهو في حالة دفاعية ولا يؤمل منه القيام بأي تقدم نحو الشمال، والذي يبرره بوجود مستعمرات كثيرة على طريق تقدمه مما يتطلب وقت طويل لتطهيرها.
الجيش الأردني(العربي):متوغل في منطقة “القدس” ومحتل موضعاً في منطقة “باب اللد- اللطرون” ويحاصر بلدة “القدس” يسانده المتطوعين من مدينتي “اللد” و”الرملة”، وهو بحالة دفاعية بحتة ويتحجج بعدم أمكانية تقدمه لتأخر الجيش المصري.
الجيش العراقي: يرابط “جحفل الفوج من اللواء الأول في منطقة “جسر المجامع” وهو بحالة دفاعية، بينما ترابط بقية القوة في منطقة “جنين- طول كرم- قلقيلة” وهو بحالة دفاعية ويحتاج الى تعزيزات عسكرية.
الخلاصة: من خلال الموقف أعلاه يتبن بأن حركة الجيوش العربية تحولت من خطة التعرض والهجوم الى الدفاع البحت، وهذا بدوره لن يمكن القوات العراقية من القيام بأي عمل تعرضي بمفردها مالم تتعاون معها الجيوش الأخرى، لذا أقترح في هذه الفترة الاحتفاظ بالمواضع الحالية كون مناعة المنطقة تمكنها من القيام بهذا الواجب، كما أنه لا يتوقع أي عمل هجومي مالم تضاعف القوات العسكرية للجيش المصري والأردني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
(1)كتاب: محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية، الفريق الأول الركن صائب الجبوري، رئيس اركان الجيش العراقي، الطبعة الأولى عام1970.
(2)نفس المصدر السابق.
(3) كتاب نكبة فلسطين والفردوس المفقود1947-1952الجزء الأول- تأليف عارف العارف- إصدار دار الهدى.
(4)نفس المصدر السابق.
ملاحظة: الخرائط: مأخوذة من كتاب: محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية، الفريق الأول الركن صائب الجبوري، رئيس اركان الجيش العراقي، الطبعة الأولى عام1970..

