شاهو القره داغي

الموقف الكُردي من تأسيس الدولة العراقية
نجح الإنجليز في احتلال العراق بولاياته الثلاث في تشرين الأول عام 1918 بعد خروج القوات العثمانية من البلاد، وتم وضع العراق تحت الانتداب البريطاني في عام 1920 والذي أدى إلى انزعاج عربي تجسد في تحرك بعض القوى السياسية بقيادة جمعية (حرس الاستقلالية السرية) لمقاومة الانتداب البريطاني والتأكيد على المطالبة بالاستقلال التام، إضافة إلى زرع القلق والخوف لدى الشعب الكُردي الذي شعر بوضوح تركيز الإنجليز على مصالحهم وبدء تنصلهم من وعودهم السابقة، وبعدها أقر مؤتمر القاهرة في عام 1921 بإنشاء دولة عربية في العراق برئاسة الشريف فيصل بن الحسين و توج الملك فيصل على أرض العراق في 23 أغسطس من العام 1921.
وعند قيام الإنجليز بتنظيم استفتاء للشعب العراقي في عام 1921 لتنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، رفضت السليمانية المشاركة في هذا الاستفتاء، وأعلن الشيخ قادر، شقيق الشيخ محمود الحفيد الذي كان بالمنفى، مطالبته بالحكم الذاتي المستقل للأكراد و رفض الانضمام إلى العراق.
بينما طلب فريق من الكُرد في كركوك إدارة كُردية بشرط عدم الانضمام إلى لواء السليمانية، وفضل عدد من تركمان كركوك السلطة التركية، وبالتالي صوت الكُرد والتركمان في لواء كركوك ضد الأمير فيصل، بينما صوت أكراد الموصل وأربيل باستثناء راوندوز – التي كانت فيها قوة تركية -، حيث صوت الأهالي إلى جانب انتخاب الملك فيصل مع بعض التحفظات لتعزيز اللامركزية، ومن الواضح أن موقف المناطق الكُردية من الاستفتاء كانت بين (ممتنع ورافض ومتحفظ) وهذا يُفسر عدم تحمس الكُرد للاستفتاء وجوهر المشروع والنظر إليه بشكوك وقلق، مما دفع ممثلي لوائي كركوك والسليمانية إلى مقاطعة حفل تتويج الملك فيصل رسمياً لعرش العراق والذي شارك فيه معظم الطوائف وتجسد بداية العهد الملكي في آب 1921.
على الرغم من الإعلان عن تأسيس دولة العراق بقيادة الملك فيصل برعاية بريطانية، إلا ان الأنظار التركية كانت ما تزال تطمح لإعادة السيطرة على ولاية الموصل، حيث أكد الأتراك مراراً أن ” الترك و الكُرد أبناء وطن واحد ومن المستحيل اقتطاعهم من وطنهم “، وهذه المطالب كانت تُعارض السياسات البريطانية التي كانت تنظر إلى هذه المنطقة كمنطقة استراتيجية من المهم ان تبقى ضمن نفوذها وبالتالي ضمها إلى العراق، وبسبب هذه الخلافات أُحيلت القضية إلى (عصبة الأمم) في عام 1924 لتتشكل على أثرها لجنة دولية، وقد أوصت اللجنة بضم ولاية الموصل إلى العراق، آخذاً في الاعتبار بعض النواحي الاقتصادية مع مراعاة حقوق الكُرد القومية وجعل اللغة الكردية هي السائدة والرسمية في مناطقهم، ونتيجة لذلك فصلت كردستان العراق عن كردستان تركيا ودخلت أراضي كردستان ضمن الدولة العراقية.
لم يقبل الكُرد بالتفاهمات والاتفاقيات الدولية التي حصلت دون الالتفات إلى مطالبهم وطموحهم، ونتيجة لذلك شهدت مرحلة ما بعد تأسيس الدولة العراقية عدة ثورات كُردية في العديد من مناطق كردستان، وظهرت الحركات والأحزاب القومية التي تباينت مطالبها بين المطالبة بالحكم الذاتي أو الاقتصار على بعض المطالب الإدارية والثقافية، حيث عملت هذه الحركات على دفع السلطات السياسية في بغداد إلى الاستجابة إلى المطالب الكُردية وخاصة فيما يتعلق بالإدارة المحلية الذاتية ومراعاة اللغة والتركيز على الخدمات وبعض المطالب الأخرى التي كانت السلطات في بغداد تماطل أو تؤخر تنفيذها وتلجأ أحيانا إلى الخيار العسكري أو اتهام الحراك الكُردي بالانفصالية لتجنب الاستجابة لمطالبهم.

أبرز الحركات الثورية في هذه المرحلة:
حركة الشيخ محمود الحفيد
استمر نضال الشيخ محمود البرزنجي – الذي بدأه قبل تأسيس الدولة العراقية – في مرحلة ما بعد تأسيس الدولة العراقية والانتداب البريطاني، وعلى الرغم من رئاسة الشيخ محمود لمنطقة السليمانية بعد عودته من المنفى، إلا انه كان يطمح ببسط نفوذه على ولاية الموصل كلها كحق قانوني أقرته عصبة الأمم، فكان خلافه شديداً في هذه النقطة مع المستشارين البريطانيين وخاصة إنه كان يعمل لتعزيز وتوسيع نفوذه على حساب نفوذ الإنجليز، وتراكمت هذه الخلافات حتى أدت لنشوب صدامات مسلحة بين مقاتلي الشيخ محمود والقوات البريطانية في النصف الأول من عام (1923)، وتم استخدام الطائرات وبإسناد من القوات العراقية تم السيطرة على مدينة السليمانية في عام 1924 ولجأ الشيخ محمود إلى الحدود العراقية – الإيرانية.
لم ينقطع الشيخ محمود عن التواصل مع عشائر وعوائل السليمانية وحاول دائماً استغلال أي حدث أو تطور جديد لصالح مشروعه والعودة إلى قيادة المشهد السياسي، وكان مقرراً أن تجري انتخابات في عام 1930 ولكن المواطنين في السليمانية رفضوا الاشتراك فيها واندلعت مظاهرات شعبية، وفي سبتمبر/أيلول 1930 وقعت صدامات عنيفة بين أهالي السليمانية والأجهزة الأمنية مما أدى لوقوع العديد من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، ومع عودة أحداث العنف والاضطرابات إلى المنطقة عاد الشيخ محمود الحفيد مرة أخرى إلى السليمانية وطالب المندوب البريطاني بأن تترك الحكومة العراقية المنطقة من زاخو إلى خانقين لإنشاء حكومة كردية ريثما تصدر عُصبة الأمم قرارها بشأن استقلال العراق.
رفضت السلطات البريطانية الاستجابة لمطالب الشيخ محمود الحفيد، ونفذت القوات البريطانية عملية عسكرية واسعة تواصلت من 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1930 لغاية 13 آذار/مارس 1931 ضد حركة الشيخ محمود والذي انتهى باستسلامه و قبوله بالعيش في بغداد، وبذلك انتهت هذه الحركة البارزة التي امتدت لسنوات من النضال المسلح وكانت تطالب بشكل من أشكال الإدارة الذاتية أو الدولة المستقلة، وبدأت لاحقاً حركة جديدة في منطقة أخرى لإدامة الحركة الكُردية في هذه المرحلة.

الحركة البارزانية
يعود تاريخ ظهور عشيرة بارزان كعشيرة مستقلة إلى منتصف القرن التاسع عشر، حيث برزت الأسرة بواسطة رجل دين صوفي من الطريقة النقشبندية اسمه محمد، وحل محله بعد وفاته ابنه عبدالرحيم، الذي أنجب خمسة أبناء هم (الشيخ عبدالسلام، الشيخ أحمد، الملا مصطفى، الشيخ صديق ، محمد بابو)، وقد نجحت هذه المشيخة بمزج الدعوة الصوفية مع دعوات إصلاحية واجتماعية ودعوات انصاف الفلاحين ورفع الغبن و الاضطهاد و ادخال الإصلاحات على الوضع الاجتماعي، مما ساهم في انتشار الحركة بصورة سريعة والتفاف المواطنين حولها.
شهدت منطقة بارزان نشاطاً سياسياً وحيوياً قبل واثناء الحرب العالمية الأولى، ويؤكد الباحثون على أن الشيخ عبدالسلام بارزاني – الذي تسنم المشيخة الصوفية النقشبندية في بارزان عام 1903 بعد وفاة والده الشيخ محمد-، هو الباني الرئيسي لدور عشيرة بارزان على صعيد الزعامة السياسية، وهو الذي قاد الحركة الكُردية فتسببت نشاطاته في إزعاج السلطات العثمانية التي قامت بإعدامه شنقاً مع عدد من مرافقيه في كانون الأول/ديسمبر 1914.
بعد اعدام الشيخ عبدالسلام، تولى الشيخ أحمد البارزاني مشيخة بارزان وبدأ بإعادة و ترتيب صفوف عشيرته التي تعرضت لحملات ملاحقة خلال الفترة الماضية.
وبعد نجاح الحكومة العراقية بالقضاء على حركة الشيخ محمود في السليمانية، بدأت التجهيزات لمواجهة البارزانيين في أقصى شمال شرقي العراق، وخاصة مع بروز الشيخ أحمد البارزاني و تركيزه على حل الخلافات مع بقية العشائر لتقوية العلاقات والتنسيق المشترك لمواجهة الحكومتين البريطانية والعراقية، وبسبب هذه التطورات في منطقة بارزان، شنت وحدات من الجيش والشرطة العراقية هجوماً على بارزان في كانون الأول/ ديسمبر 1931 بدعم من القوة الجوية البريطانية بذريعة تمرد المنطقة ورفض الشيخ أحمد إقامة مخافر للشرطة في منطقته، وتوسعت الحملات العسكرية حتى وصلت لقصف الطائرات البريطانية منطقة بارزان بشكل عنيف فاضطر الشيخ أحمد للانسحاب إلى الجانب التركي من الحدود، وقد نجحت الحكومة العراقية في بناء أول مخفر للشرطة في منطقة بارزان، ما اعتبر بداية لفرض سيادة وسيطرة الدولة المركزية على هذه المنطقة الكُردية.
بعد ذلك برز اسم “الملا مصطفى البارزاني” الذي بدأ بقيادة الحركة القومية الكُردية بعد نجاحه في مغادرة محل إقامته الإجبارية في السليمانية ووصوله إلى منطقة بارزان في تموز/يوليو 1943 ونجح في جمع العديد من أنصاره والتوسع في المنطقة والمطالبة بالحقوق القومية للكُرد وإجراء إصلاحات إدارية واقتصادية والتركيز على الخدمات والبنى التحتية، وبسبب توسع انتشار الحركة تعهدت الحكومة العراقية بالسماح للشيخ أحمد البارزاني بالعودة إلى بارزان و تجهيز المناطق الكُردية بالغذاء والمتطلبات الأساسية، وفي المقابل تعهد الملا مصطفى بإعادة أفراد الجيش والأسلحة الحكومية التي وقعت بيد المقاتلين الكُرد، واتجه الملا مصطفى إلى بغداد والتقى بالقيادات السياسية والسفير البريطاني كورنواليس، وتم التعهد بأخذ المطالب الكُردية بعين الاعتبار ومعالجة المشاكل.
التفاهمات التي حصلت خلال تلك الفترة لم تتحول إلى خطوات عملية على أرض الواقع، ما أدى إلى اندلاع المواجهات مجدداً بين الملا مصطفى البارزاني والقوات العراقية وحصلت مصادمات مسلحة في عام 1945 وانتهت بدخول القوات العراقية إلى قرية بارزان وخروج الملا مصطفى إلى الحدود الإيرانية في تشرين الأول/ أكتوبر 1945.
شارك الملا مصطفى بارزاني في تأسيس جمهورية كوردستان الديمقراطية في مهاباد بقيادة القاضي محمد في كردستان إيران في كانون الثاني/ يناير 1946، وفي العام ذاته قام بتأسيس (الحزب الديمقراطي الكردستاني) وانتخب رئيساً للحزب، وتم تعيينه بمنصب القائد العام للقوات المسلحة في الدولة الجديدة، ولكن عمر هذه الدولة الفتية لم يدم طويلاً حيث تمكنت القوات الإيرانية من اسقاط الجمهورية واعدام قائدها (القاضي محمد) في كانون الأول/ديسمبر 1946، وبات الملا مصطفى مطارداً بين إيران والعراق حتى نجح في الوصول إلى الأراضي السوفيتية في عام 1947 والذي استقر فيها حتى سقوط الملكية في العراق، فعاد من منفاه الى العراق عام 1958 واستقبل استقبالاً حافلاً في بغداد.

أبرز الجمعيات و المنظمات الكُردية في هذه المرحلة
شهدت الساحة الكُردية تطوراً كبيراً في هذه المرحلة بسبب الانفتاح على الخارج وتطور الوعي القومي المحلي، حيث بدأت تظهر العديد من الجمعيات و المنظمات والأحزاب الكُردية على الساحة السياسية والتي عملت على تثقيف الشارع الكُردي وزيادة الوعي وتحريك الجمود الموجود في المجال الثقافي والسياسي في المناطق الكُردية.
وتؤكد المعلومات أنه في فترة 1914- 1946 كان هناك أكثر من 10 جمعيات وتنظيمات سياسية في كُردستان العراق، وتأسست أغلب هذه الجمعيات في مدينة السليمانية التي تُعتبر حتى اليوم العاصمة الثقافية لإقليم كردستان العراق، ومن هذه الجمعيات:
جمعية كُردستان
في يوليو/ تموز من عام 1922 تم تأسيس جمعية كُردستان بعد صلاة الجمعة في مسجد السيد حسن المفتي في مدينة السليمانية بحضور جمع من النخبة والمواطنين برئاسة (مصطفى عزيز ياملكي).
كان الهدف من تأسيس هذه الجمعية إعادة تنظيم وترتيب الصفوف والاستعداد للتطورات القادمة في كُردستان، وبعدها بأشهر تم إصدار جريدة باسم الجمعية بعنوان (نداء كُردستان) والتي أصبحت لاحقاً الجريدة الرسمية والناطقة باسم الحكومة الثانية للشيخ محمود الحفيد.
منحت الجمعية منصب رئاستها للشيخ محمود الحفيد بعد عودته إلى مدينة السليمانية، وبعد أفول وتراجع حركة الشيخ محمود ضعفت الجمعية أيضا واختفت عن الحياة السياسية مع دخول العام 1925.

جمعية الدفاع الوطني
في كانون الثاني/يناير من عام 1925 تم تأسيس جمعية (الدفاع الوطني) من قبل مجموعة من المواطنين في مدينة السليمانية، وكانت الجمعية تهدف إلى الدفاع عن حقوق الكُرد وخاصة في ظل الأوضاع العصيبة التي كانت تمر بها كُردستان في تلك المرحلة، وجدير بالذكر أن الإنجليز قاموا بحل (جمعية الدفاع الوطني) مع مجموعة أخرى من الجمعيات التي كانت على تواصل مع الشيخ محمود الحفيد.

جمعية العلوم الكُردية
تأسست هذه الجمعية أيضاً في عام 1925 في مدينة السليمانية وكانت للجمعية فرق للتمثيل والفن والأغاني وجمعت الأدباء والشعراء والمثقفين، وكانت من أهداف الجمعية نشر وتعميم العلم والمعرفة في كُردستان عبر الصحف وتنشيط الترجمة وتأليف الكتب وفتح المكاتب والاهتمام بالدراسات التاريخية، وقد ساهمت الجمعية في نشر المعرفة ومحاربة الجهل والأمية وتعليم العشرات القراءة والكتابة في تلك الفترة.
وفي فترة 1938 -1943 تم تأسيس (جمعية عصبة أخاء الكُرد) برئاسة الشيخ لطيف بن الشيخ محمود الحفيد والتي رفعت مطالب قومية والحكم الذاتي في كُردستان.
في يونيو/ حزيران من عام 1939 تم تأسيس أول جمعية خاصة للنساء باسم (جمعية نساء الكُرد) برئاسة حبسة خان النقيب، وهي من الشخصيات الكُردية التاريخية المرموقة ومن عائلة كاك أحمد الشيخ وكان لها دور بارز في نشر الوعي والثقافة في المجتمع الكُردي.

أبرز الأحزاب الكُردية في هذه المرحلة
شهدت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وتأسيس الدولة العراقية، ظهور العديد من الجمعيات والمنظمات والأحزاب الكُردية نتيجة لتطور وانتشار الوعي والمنابر الثقافية وانتشار الشعور القومي ومحاولات التعبير عن المشاعر القومية في تلك الفترة، ومن هذه الأحزاب:
حزب هيوا (الأمل)
يعود تاريخ تأسيس حزب هيوا إلى عام 1938 بقيادة رفيق حلمي في كركوك، ويعتبر الحزب من أوائل الأحزاب الكُردية السرية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية في كردستان والذي كان يهدف إلى نشر الوعي القومي و توسيع الحركة الوطنية والمطالبة بحكم ذاتي لكُردستان، ونجح في جمع العديد من الشخصيات والنخب الكُردية وانضمت إليه اعداد كبيرة من الطلبة والكسبة والضباط الكُرد في الجيش العراقي.
برنامج و اهداف حزب هيوا:
1. الدعوة إلى نيل الشعب الكُردي حقوقه القومية في العراق ومنها الحكم الذاتي .
2.المطالبة بتوحيد أجزاء كُردستان وتشكيل دولة كُردية مستقلة.
3.تشكيل مديرية خاصة لإقليم كردستان تقوم بالإشراف على الدراسة والثقافة الكُردية.
4.إقامة المشاريع الكبرى والصغرى والتأكيد على إنشاء المستشفيات والمدارس ومد الطرق إلى الأقضية والنواحي الكُردية.
5.أن تكون اللغة الكُردية لغة رسمية في المدارس والمحاكم ودوائر الدولة في كُردستان.
6.إنهاء سياسة التفرقة بين الكُرد والعرب، ورفع الظلم عن الفلاحين والقضاء على الإقطاع.
7.تعيين الموظفين الكُرد في الدوائر الحكومية بدون تمييز .
كان حزب هيوا يعاني من انقسام شديد بين تيارين، الأول يرى ضرورة الاعتماد على الاتحاد السوفيتي لأنهم كانوا يحملون فكراً يسارياً، بينما الفريق الثاني كان يمينياً ويرى ضرورة الابتعاد عن سياسات الاتحاد السوفيتي لُبعده عن كُردستان وعدم جدواه، وأدت الخلافات الداخلية والتدخلات الخارجية وعجز الحزب عن مواكبة التطورات السياسية، إلى وقوع انشقاقات حقيقية داخل الحزب وانتهائه عام 1945.

حزب رزكاري (الخلاص)
تأسس هذا الحزب في عام 1945 من اندماج جمعيات كُردية صغيرة وبعض بقايا حزب هيوا ومجموعة من النخبة الكُردية، وكانت قيادة الحزب تتألف من عدة أشخاص، وقرر الحزب الجديد أن يتخذ من العاصمة العراقية بغداد مركزاً له.
كانت أهداف الحزب مشابهه تقريباً لأهداف حزب هيوا، حيث ركز الحزب على نيل الاستقلال الإداري ومعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المناطق الكُردية، إضافة إلى ضرورة استخدام اللغة الكُردية في كافة دوائر ومدارس كُردستان.
وأصدرت اللجنة التنفيذية للحزب بيانا في نيسان/أبريل 1946 جاء فيه:
“نسعى إلى رفع كل أنواع الاضطهاد و التفريق القومي الذي يطالب به الاكراد والأقليات الأخرى في العراق، وندعو إلى التعاون وتوحيد النضال بين العرب والكُرد في العراق من أجل التحرر من سيطرة الاستعمار البريطاني، وتحرير ثروات العراق من النفط من هيمنة الشركات الاستعمارية، وكذلك التعاون مع الأحزاب والمنظمات الديمقراطية، والدول الديمقراطية لمكافحة الاستعمار والرجعية وعملائها الساعيين لإحياء ميثاق (سعد آباد) ومكافحة التكتلات الاستعمارية والرجعية التي تعرقل الحريات عامة حرية الاكراد خاصة”.
بسبب الخطاب المعادي الواضح للسياسات البريطانية في العراق وتحميل الإنجليز المسؤولية الكاملة عن مآسي الكُرد وحرمانهم من حقوقهم، حاول الإنجليز إضعاف الحزب عن طريق إثارة المشاكل والانقسامات داخل الحزب، وتحريض بغداد ضد الحزب بحجة مخاطر هذا الحزب على الكُرد أنفسهم وإمكانية وقوع ثورة كُردية أخرى، وبسبب هذه التطورات أعلن الحزب عن حل نفسه في أغسطس/آب 1946 ليكون الطريق ممهداً أمام الحزب الديمقراطي الكردستاني لقيادة المرحلة في العراق.

الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق
تم عقد المؤتمر التأسيسي الأول للحزب الديمقراطي الكُردي (البارتي) في 16/8/1946 في العاصمة بغداد بمشاركة (32) مندوباً، وتم اختيار الملا مصطفى البارزاني رئيساً للحزب، وأكد بنود الحزب على “أهداف الشعب الكُردي في نيل حقوقه القومية والديمقراطية ضمن الوحدة الوطنية للعراق التي طالب الحزب بإقامتها على أساس الاتحاد الاختياري الأخوي الحر بدلاً من الإلحاق القسري الذي فرضه الاستعمار البريطاني والرجعية العراقية، كما أكد الميثاق على الاخوة العربية -الكُردية والدعوة إلى الكفاح المشترك بين الشعبين ضد الاستعمار والرجعية والحكم العميل من أجل إنجاز الاستقلال الوطني وإقامة نظام ديمقراطي برلماني سليم في العراق، وقد تم رفع الشعار المعروف (على صخرة الاتحاد العربي -الكُردي يتحطم الاستعمار ومشاريعه و أذنابه) إضافة إلى الدعوة لإصلاحات في الحياة الاجتماعية والزراعية والاقتصادية ونشر التعليم العالي وتنمية اللغة الكردية ضمن إقليم كردستان “.
عمل الحزب على بناء علاقات سليمة و قوية مع باقي الأحزاب الوطنية العراقية، وحاول إيصال صوته للنخبة العربية وتعريف الشعب العراقي والنخبة الوطنية خاصة بأسباب النضال الكُردي والثورات الكُردية و تعزيز مبادئ الأخوة المشتركة ومحاولة تأسيس وبناء حلف مشترك للمطالبة بتحقيق هذه المطالب القومية لتقوية موقف الحزب وإيصال صوته إلى صناع القرار.
وبخلاف الأحزاب الأخرى السابقة، حرص قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني على بناء التنظيم الحزبي وتوسيع نشاطه، حيث اطلقوا جريدة سرية ناطقة باسم الحزب باسم (رزكاري) وصدر العدد الأول منها في بغداد في الثالث من سبتمبر/أيلول 1946، وساهم هذه الخطوة في توسيع نشاطات وقواعد الحزب وانتشاره بصورة أكبر.
قاد الحزب الديمقراطي الكردستاني الحراك السياسي في إقليم كردستان منذ تأسيسه وحتى اليوم الحالي، حيث يرأس الحزب حالياً (مسعود البارزاني) نجل الملا مصطفى البارزاني مؤسس الحزب، ويستحوذ الحزب على رئاسة الإقليم ورئاسة الوزراء والكثير من المناصب السياسية و الأمنية.
شهدت هذه المرحلة تطوراً نوعياً لدى الحركة الكُردية وتأسست العديد من الجمعيات و الأحزاب التي كانت تحاول أن تُمثل الصوت الكُردي وتحقق مطالبه، ومن الممكن اعتبار هذا النشاط المتواضع انجازاً جيداً مقارنة بالأوضاع التي كانت تعيشها كُردستان في تلك الفترة، حيث نجحت الحركة في إيصال صوتها إلى النخبة العربية ومحاولة العمل ونقل النشاطات إلى بغداد العاصمة، وبالرغم من هذه التحركات المستمرة إلا أنها لم تنجح في التوصل إلى اتفاقيات أو تفاهمات مع الحكومة العراقية لمعالجة القضية الكُردية والوصول إلى حلول ترضي الطرفين ، مما تسبب في استمرار المشاكل وانتقالها إلى النظام الجمهوري الجديد الذي تأسس بعد إسقاط الملكية في العراق.

المصادر والمراجع

د.محمد مظفر الادهمي، العراق، تأسيس النظام الملكي و تجربته البرلمانية تحت الانتداب البريطاني 1920-1932 ، بغداد، مكتبة الذاكرة، 2009.

الاكراد في العراق حتى حكم الأخوين عارف، بحث منشور في موقع (المقاتل) على الإنترنيت http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Siasia21/Akrad/sec04.doc_cvt.htm

د.غانم محمد الحفو و عبدالفتاح علي البوتاني، الكورد والاحداث الوطنية في العراق خلال العهد الملكي 1921- 1958 ، أربيل، دار سيريز للطباعة والنشر، 2005.

فايز عبدالله العساف، الأقليات و أثرها في استقرار الدولة القومية (أكراد العراق نموذجا) ،رسالة ماجستير، جامعة شرق الأوسط للدراسات، 2009

سامي شورش، كردستان و الأكراد: الحركة القومية والزعامة السياسية، إدريس بارزاني نموذجا، دار ئاراس للطباعة، أربيل، 2001 .

جلال طالباني، كردستان و الحركة القومية الكردية، دار الطليعة للطباعة و النشر ، بيروت ، 1970 .

د.غانم محمد الحفو و عبدالفتاح علي البوتاني، الكورد والاحداث الوطنية في العراق خلال العهد الملكي 1921- 1958 ، أربيل، دار سيريز للطباعة والنشر، 2005.

د. عبدالستار طاهر شریف: الجمعيات والمنظمات والاحزاب الكوردية في نصف قرن 1908-1958.

بدري نوئيل يوسف، الجمعيات والمنظمات و الأحزاب الكُردية ، الجزء الثاني، مجلة الكاردينيا.

م.كافي سلمان مراد الجادري، الجمعيات والأحزاب الكردية في العراق 1921-1947 ، جامعة المستنصرية ، 2017.

هلبين محمد أمين المزوري ، حزب هيوا دراسة تاريخية -سياسية 1939-1946 ، دهوك، دار سبيريز ، 2008.

أوميد نجم، كواليس تأسيس حزب هيوا ، موقع بيسر ، تقرير منشور في موقع (peyserpress ) الكُردية في تاريخ 18/07/2019

أركان حمه امين الزرداوي، نشأة وتطور الجمعيات والأحزاب والتيارات السياسية الكوردية في العراق، بغداد ، 2009.

صلاح الخرسان ، التيارات السياسية في كردستان العراق ، مؤسسة البلاغ، بيروت ، 2001 .