تشكيل أحزاب سياسية طائفية:
من المعروف لمتابعي الشأن العراقي بأن المشروع السياسي للاحتلال، أستند على المحاصصة الطائفية بين المكونات الكبرى في حكم العراق، الأمر الذي يقتضي أن تكون هناك أدوات لتنفيذ هذا المشروع، مما يتطلب تشكيل أحزاب وكتل سياسية طائفية نتيجة التأثير بالمواقع الجغرافي على أن تكون موافقة على تنفيذ هذا المشروع الذي يقوم أساس طائفي، الأمر الذي أدى الى نشوب صراع سياسي وعسكري كبير بين المكونات، يقوم على أساس المصالح والنفوذ بين الطائفة الواحدة وبين الطوائف الاخرى، فيما يخص نسب التمثيل، وحجم ومكانة كل طائفة، الأمر الذي أدى الى بروز وظهور أحزاب سياسية طائفية، عمقت الشعور والانتماء الطائفي، مما زعزع الامن والاستقرار، وأدى الى تفشي المحسوبية والمنسوبية في دوائر الدولة، التي أصبحت تعاني من الفساد المالي والاداري، بل إن تشكيل أحزاب وكتل طائفية من جميع المكونات جاءت ضمن سلسلة متكاملة لمشروع الاحتلال، التي باركها رغم طائفيتها وتبعيتها للخارج، حيث لجأ الاحتلال في تنفيذ مشروعه الى الطبقة السياسية التي جاءت معه، ووافقت على مشروعه الذي يقوم على الطائفية بكافة تفاصيله، حيث كانت هذه الطبقة مهيأة ومتربية بالأساس على الطائفية التي بدأت تروج لها من خلال أطلاق شعارات طائفية لتعبئة الناخبين، وحشد الدعم الشعبي والجماهيري، باستخدام خطاب طائفي مقيت، مستحضرين المظلومية، وحكم الاغلبية، والتمييز، والظلم، لاستمالة المؤيدين لهم ،وهذا ينطبق على غالبية الاحزاب التي شاركت بالعملية السياسية.
تبني نظام انتخابي يرسخ الطائفية:
إن تشريع وتبني نظام انتخابي يقوم على التمثيل النسبي، ويشجع الطائفية والانقسامات المذهبية، والعرقية، هدفه هو تعزيز وتكريس الطائفية بما يتلائم مع الدستور، ومع مشروع الاحتلال، الأمر الذي أدى الى قيام مؤسسات دولة تشجع وتكرس الطائفية في النظام السياسي والانتخابي، مما دفع الجميع الى التخندق الطائفي، خصوصاً بعد أن أعتبر العراق دائرة انتخابية واحدة، بحيث أصبحت الطائفية مستحكمة من النظام السياسي الجديد، الذي أصبح عبارة عن نهج وسياق طائفي تتبناه جميع المكونات ، وينفذه السياسيون تحت مسميات مختلفة، بل إن الكثير من هذه الاحزاب لديها ميليشيات مسلحة تحاول أن تنفذ أجندتها بقوة السلاح المخفي الذي أخترق الاجهزة الامنية، والذي يعمل بصورة سرية، أو علنية عندما الذي ظهر بعد أحداث حزيران عام2014، ضمن تسمية الحشد الشعبي، وما حصل في تكليف “عدنان الزرفي” لتشكيل الحكومة، يعطي دلالة واضحة على استخدم السلاح لفرض ارادة خارجية، وبهذا تحول الولاء الى الطائفة والحزب، الأمر الذي قوض مؤسسات الدولة، وحولها الى مؤسسات إقطاعية طائفية، تعود للحزب ضمن الطائفة أو المكون الواحد، وهي تتصارع على النفوذ والسلطة حسب حجم كل طائفة وقوتها في العراق، مما أدى الى تدمير الدولة العراقية وتحويلها الى دولة فاشلة تحكمها الميليشيات.
السياسية الطائفية لحكومة الجعفري والحرب الطائفية عام2006:
إن تأجيج الصراع الطائفي بالعراق جاء لخدمة المحتل، والاجندة السياسية لكثير من الاحزاب والميليشيات التي لها ارتباطات وولاءات خارجية، فقد شكل التنوع الديني والعرقي المناخ المناسب لقوات الاحتلال الامريكي، لأثارة التنافر والصراع الطائفي والمذهبي بين المكونات، لتمزيق النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي، فالإرهاب والطائفية هما وجهان لعملة واحدة، حيث تعززت الطائفية في العراق وأخذت مساراً جديداً من الاحتقان الطائفي، بعد تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء في22فبراير /شباط عام 2006، لتبدأ مرحلة دموية جديدة من الطائفية، بعد أن ظهرت الميليشيات الطائفية بلباس رسمي من خلال عمليات الدمج في الاجهزة الامنية والعسكرية، حيث عم الخراب والدمار، وانتشرت السيطرات، وفرق الموت، والقتل على الهوية، والتغيير الديمغرافي، والتهجير القسري، وحرق المساجد، والسيارات المفخخة، والجميع يقدم نفسه بأنه الحامي للمذهب والمدافع عن الطائفة، بعد أن وقفت حكومة الجعفري عاجزة تماماً وغير مكترثة بل مشاركة بما يجري من عمليات تطهير طائفي وعرقي، حيث صدرت الكثير من التصريحات الطائفية الغير مسؤولة بعد أن وصفوا ما حصل بأنه ردة فعل طبيعية، وإن المساجد هي مساجد الضَرار، وهي معاقل للوهابيين، ولكن الحقيقة تقول بأن ما يجري كان يصب في مصلحة قوات الاحتلال، مصلحة ايران وأحزابها وميليشياتها، لتفتيت العراق وتدميره، وأضعافه، تمهيداً للسيطرة عليه، وكل ما جري تم بمباركة أمريكية ظناً منها بأن الصراع الداخلي والحرب الاهلية سيحرف المقاومة عن هدفها الرئيسي، ويحول المعركة داخلياً، وسيبعد الخطر عن قواتها العسكرية بعد أن تصاعدت وأتسعت عمليات المقاومة العراقية التي ضيقت الخناق عليه.
لقد تبين بأن إيران كان لها الدور الكبير في تخطيط وتنفيذ هذا التفجير حيث صرح “الجنرال كيسي ” الرئيس الأسبق لهيئة أركان الجيش الأمريكي، و القائد السابق لقوات الاحتلال الامريكي في العراق، في اجتماع للمعارضة الايراني في باريس بتاريخ22حزيران عام2013،إن أيران هي المسؤولة عن قتل ألاف الابرياء من العراقيين، وعن تفجير مقام الأماميين العسكريين في “سامراء”، حيث تم ضبط مواد متفجرة ايرانية الصنع ، وتم إبلاغ رئيس الحكومة الجديد “نوري المالكي” بمسؤولية “فيلق القدس الإيراني”، والميليشيات المسلحة التابعة له في العراق” عن هذا التفجير، وبهذا فقد دفعت ايران نحو التخندق الطائفي مرة أخرى، خدمة لمصالحها ومصالح الطبقة السياسية التابعة لها، الأمر الذي أدى الى اندلاع صراع طائفي ودموي كبير، وأصبحت الطائفة تمارس العنف، وتضفي عليه الشرعية، بحجة حماية الطائفة التي تدعي تمثيلها، وكل هذا يجري بسبب ضعف الحكومة وتواطأها، بل إن الكثير من الأجهزة الامنية والعسكرية شاركت في هذه المذابح التي ارتكبت، وراح ضحيتها الالاف من الابرياء، حيث تركت انقساماً حاداً في المجتمع العراقي، الأمر الذي زاد من احتقان الشارع، ورسخ الطائفية بشكل كبير، وأشعل الفتنة الطائفية، وضرب السلم الأهلي، والتعايش السلمي، والأمن المجتمعي، بين مكونات الشعب العراقي، الذي أصبح ضحية لمؤامرات خارجية تنفذ بأيدي داخلية.
القوات الامريكية تشكيل الصحوات عام2006رغم معارضة الحكومة:
لقد انحسرت خيارات الولايات المتحدة الامريكية وحكومة الاحتلال في الحل العسكري المباشر، لبسط سيطرتها على كامل الاراضي العراقية، بسبب عمليات المقاومة العراقية الشرسة، التي انطلقت ضد القوات المحتلة، حيث أوقعت فيها خسائر فادحة في الارواح والمعدات، وكانت القوات الامريكية على وشك إعلان الهزيمة، بسبب الاستنزاف الكبير لمواردها العسكرية، رغم ضخامة الالة العسكرية للاحتلال، وزيادة أعداد القوات ولكن بدون جدوى، ومن هنا كان لا بد من التفكير بوسائل بديلة، وتكتيكات جديدة، وملائمة لتطورات الاحداث، فتم التوصل الى إتباع استراتيجية غير مباشرة لمواجهة المقاومة العراقية التي أصبحت عبارة عن شبح يؤرق القوات الامريكية، فطرحت فكرة من قبل قوات الاحتلال بتشكيل قوات محلية عشائرية أطلق عليها تسمية “الصحوات”، لتفتيت الحاضنة الاجتماعية للمناطق السنية، وأضعاف المقاومة العراقية، وبالتالي تخفيف الضغط على قواتها العسكرية، حيث استخدمت القوات الامريكية ذريعة مواجهة النفوذ الايراني، ودفع الاذى عن المناطق السنية ذريعة لكسب الدعم الشعبي لتشكيل هذه القوات.
إن نجاح قوات الاحتلال الأمريكي في توظيف الخلافات الموجودة في المشهد السني، كان لها الاثر البالغ في نجاح مشروعها الطائفي الجديد في العراق، والذي يشمل العرب السنة فقط بسبب طبيعة التهديد الجغرافي لقواتها، حيث نجحت في توظيف الخلاف بين بعض فصائل المقاومة العراقية من جهة والقاعدة من جهة أخر، وكذلك الخلاف مع الأحزاب السياسية كالحزب الإسلامي العراقي بسبب مواقفه السياسية، بالإضافة الى الخلافات العشائرية مع القاعدة التي اتهمت بقيامها بحملة تصفيات واغتيالات، طالت الكثير من الشخصيات السنية العشائرية والسياسية، مما فتح الباب واسعاً لتبني الإدارة الامريكية سياسية جديدة للتعاون مع بعض الجهات الفاعلة في الوسط السني، ومنها شخصيات عشائرية، وسياسية، ودينية، من خلال انشاء قوات شبه نظامية لمواجهة ومحاربة تنظيم القاعدة والفصائل المسلحة الاخرى لتخفيف الضغط على قواتها العسكرية الأمر وقد كان عراب هذا المشروع الأمين العام للحزب الإسلامي ونائب رئيس جمهورية العراق “طارق الهاشمي”، الذي صرح في حوار مع “قناة العربية”، مدافعاً عن هذا المشروع قائلا: “إن مشروع الصحوات هو جزء من مشروع “الحزب الإسلامي العراقي”، وأضاف بأن “الحزب الإسلامي العراقي”، “يدعو ويحث الحكومة العراقية على دمج تلك الصحوات في المؤسسات العسكرية في العراق”.
لقد أثار مشروع الصحوات استياء وشكوك حكومة المالكي آنذاك، التي تنظر الى مشروع الصحوات بأنها ميليشيات سنية طائفية مسلحة، ويمكن أن تنقلب عليها، لتشكل تهديد مستقبلي لنفوذ االسلطة الحاكمة، خاصة في حالة خروجها عن سيطرة القوات الامريكية، أو عن سيطرة وسطوة الحكومة، التي قبلت هذه الفكرة على مضض، بسبب الضغوطات التي مارستها القوات الامريكية عليها، حتى كانت البداية الاولى لظهور مجالس الصحوة في أواخر عام2006، في “محافظة الانبار” كمشروع أمني، ثم عممت هذه التجربة على بقية المحافظات والمدن السنية في ديالى، وصلاح الدين، ونينوى، وبغداد، حتى بلغ عدد مجالس الصحوة في العراق(186)،مجلساً يضم ما يقارب(100)ألف عنصر مسلح، حيث قامت القوات الامريكية بمد ودعم المجالس بالسلاح والمال، بسبب وحدة الهدف المشترك بينهما، وبعد أن أكملوا الامريكان مهامهم من الصحوات، واستنفذوا غرضهم، قاموا بتسليم ملفها عام2008، لحكومة المالكي التي تنظر اليها بأنها قوات طائفية من مكون واحد، حيث وعدت بمنح(20%)،منهم وظائف بالشرطة والجيش، ثم أخلفت في ذلك، ثم أهملت هذا الملف، ليشكلوا أهداف مكشوفة للقاعدة، بعد أن زجت حكومة المالكي الكثير من قياداتها في السجن بتهم كيدية منها الانتماء لحزب البعث المنحل، ومنهم من أتهم بارتكاب جرائم ضد الشعب، مما أضطر الكثير منهم للهجرة خارج العراق، الأمر الذي يعد في نهاية المطاف بأن هذه الخطو ة التي اقدمت عليها قوات الاحتلال هي خطوة رسخت الطائفية في المجتمع العراقي، والدولة العراقية التي تعاملت بطائفية واضحة ضد هذا المشروع الذي اعتبرته خطراً داهماً على النظام السياسي الحاكم.

