لقد أخفق البرلمان العراقي للمرة الثانية في عقد جلسته لاخيار رئيس الجمهورية لعدم اكتمال النصاب القانوني الذي يوجب وجود(220) نائب من مجموع (329) نائب لبدء الاجراءات الدستورية لتمرير مرشح رئيس الجمهورية، حيث أنقسم البرلمان العراقي الى فريقين أحدهما يمثله التحالف الثلاثي الذي يعتبر نفسه الكتلة البرلمانية الكبرى بعد أن تم تشكيل تحالفه الذي أطلق عليه تحالف “أنقاذ وطن”، والذي يشمل التيار الصدري والحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة، حيث استطاعوا أن يحشدوا (202) نائب فقط للجلسة البرلمانية التي كانت مقررة يوم الاربعاء الماضي، بينما نجح الإطار التنسيقي الذي يضم ميليشيات مسلحة بزعامة هادي العامري وقيس الخزعلي والمالكي من تقديم قائمة تحتوي على تواقيع (126)نائباً، والتي تضمنت (81)نائب من الاطار التنسيقي، و(18)نائب من الاتحاد الوطني الكردستاني، و(12)نائب من تحالف عزم، و(6)برلمانيين من إشراقة 6 كانون، و(5)برلمانيين من الاتحاد الاسلامي والعدل الاسلامية، و(3)نواب من صوت المستقبل وبرلماني مستقل، وبهذا فقدوا حصلوا على المثلث المعطل الذي يجب أن يصل عدده الى(110)نائب فقط، الأمر الذي أجهض الآمال في تشكيل حكومة أغلبية وطنية طالما دعا اليها زعيم التيار الصدري ورفضها الاطار التنسيقي كونه سيكون خارج هذه الحكومة المزمع تشكيلها.
لقد قاد التيار الصدري مساعي حثيثة لاستقطاب بعض مكونات الاطار التنسيقي في الفترة الماضية في خطوة لشق صف الاطار التنسيقي من خلال مشاركة بعض مكوناته ليكون جزءً من الحكومة المقبلة، في إشارة واضحة الى إقصاء المالكي ونوابه من أي اتفاق يقود الى تشكيل الحكومة المقبلة ولكنه فشل ذلك، وهذا يعني بأن الصدر كان يقبل بدخول أي ميليشيا مسلحة تخرج من الإطار التنسيقي وتدخل في تحالفه السياسي، الأمر الذي يجعلنا نشكك بما قاله الصدر من شعارات حصر السلاح بيد الدولة وحل الميليشيات المسلحة، كما إن فشله في الحصول على النصاب القانوني لاختيار رئيس الجمهورية أدخلنا في أشكال دستوري وتعقيد جديد يحول دون تشكيل الحكومة خلال الفترة القادمة، أي إننا نسير نحو الانسداد السياسي بسبب غياب التوافق السياسي وعدم اكتمال النصاب القانوني، علماً بأن البرلمان العراقي فشل في 7 فبراير/شباط الماضي قي أختيار رئيس الجمهورية لعدم اكتمال نصاب الثلثين أيضاً، وهذه الدوامة سوف تستمر مالم يتم التوافق بين المكون الشيعي حول تشكيل الحكومة المقبلة، حيث بلغ عدد المرشحين لأشغال منصب رئيس الجمهورية(40) مرشحاَ.
إن اصرار التيار الصدري على تشكيل حكومة أغلبية وطنية طوال الفترة الماضية بالتوافق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة جعل الإطار التنسيقي يشعر بأنه هو المستهدف من ذلك، علماً ، والطموح بتشكيل حكومة وطنية في العراق في ظل المعطيات الحالية هو نسجً من الخيال وبعيد عن الحقيقة والواقع، لأن بنية النظام السياسي في العراقي بعد عام 2003 م، لا تسمح بذلك، لأن النظام السياسي يقوم على المحاصصة الطائفية بين المكونات في تشكيل الحكومة، كما إن التدخلات الخارجية تمنع ذلك أيضاً لأنه يتقاطع مع مصالحها في العراق والمنطقة، لذا فيمكن أن تكون هناك حكومة وطنية من ناحية التوصيف اللفظي فقط، أما الحقيقة والواقع فتقول بأن تشكيل أي حكومة قادمة لا بد لها أن تخضع للتوافقية بين المكونات لتقاسم السلطة والمغانم، حتى ولو تم تشكليها من قبل التحالف الذي يقوده التيار الصدري (الحالف الثلاثي)، وهنا لا بد لنا أن نقول بأن تأخير الاجراءات الدستورية في إكمال تشكيل الرئاسات الثلاث طوال خمسة أشهر مضت دفعت الأوضاع الى التعقيد بشكل أكبر، كما أنها جعلت إيران تنجح في الحيلولة دون تشكيل حكومة تستثني تحالف الاطار التنسيقي التابع لإيران أو بعض مكوناته، وقد لاحظ الكثير منا كيف كانت الزيارات المكوكية لـ(قاأني) الى العراق ولقاءاته بالرئاسات الثلاث، وكذلك لقائه بحكومة كردستان العراق وبزعيم التيار الصدري وكأنه قيادة عليا تلتقي بمرؤوسيها التابعين لها.
لقد قلنا سابقاً بأن العملية السياسية في العراق يحكمها السلاح المنفلت، ولا تحكمها أي أليات دستورية أو تشريعية أو قانونية، وما جرى من ممارسات نفذتها الميليشيات المسلحة التابع لإيران هو خير دليل على ذلك، فقد مارست هذه الميليشيات جميع أشكال الابتزاز السياسي والأمني على جميع المكونات السياسية للضغط عليها لترك التيار الصدري والذهاب الى الاطار التنسيقي لتشكيل حكومة توافقية تشترك فيها جميع المكونات السياسية حسب قولهم، ولكن التوافقات السياسية المسبقة التي أبرمت بين التيار الصدري والحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة حالت دون ذلك، الأمر الذي جعل هذه الميليشيات تلجأ الى لغة التهديد بالسلاح لفرض الأمر الواقع، حيث تم استهداف المقرات الحزبية لتحالف عزم وتقدم، بالاضافة الى أطلاق التهديدات من خلال التغريدات التي كان يصدرها أبو علي العسكري والتي كانت موجهة بشكل خاص الى تحالف السيادة وخاصة على رئيس البرلمان (الحلبوسي) الذي أتهم بتبعيته لجهات خارجية وجلبه للتدخل الخارجي، بينما أتهم مسعود البارزاني بعلاقاته مع الكيان الصهيوني، فأين الوطنية التي يتكلمون عنها في تشكيل الحكومة وهم يخونون بعضهم للبعض الآخر؟، وهنا لا أعرف لماذا لم يهدد أبو علي العسكري التيار الصدري الذي يعتبر هو الذي يقود التحالف الجديد الذي أطلق عليه “أنقاذ وطن”؟، بينما تهدد التحالفات السنية والكردية بشكل مباشر، هل لأنها الطرف الأضعف في المعادلة؟، أم لأنهم لا يمتلكون ميليشيات مسلحة؟، أم أنه الخوف من الرد بالمثل من قبل التيار الصدري؟، مما يجعل أبو علي العسكري يقف عند حدود معينة، ثم يتكلم الجميع عن تشكيل حكومة وطنية!.
إن تنفيذ الحرس الثوري الإيراني لضربات صاروخية على مواقع محددة في أربيل ما هي ألا محاولة للضغط على القيادات الكردية لتغير موقفها من مسألة تشكيل الحكومة، وبنفس الوقت هي رسالة تأكيدية حول الاتهامات التي وجهها الاطار التنسيقي للقيادات الكردية والسنية والتي اتهامها بشكل مباشر على العمل لشق الصف الشيعي، كونها أتفقت مع التيار الصدري حول تشكيل الحكومة المقبلة على حساب أقصاء الإطار التنسيقي الذي حذر من إن تشكيل أي حكومة مقبلة تستثنيه هو تفريط بحقوق المكون الشيعي، وأنهم لن يسمحوا بذلك، ثم يأتون بعد ذلك ليتكلموا عن حكومة وطنية جامعة لجميع المكونات، وهذا الأمر لا يتوافق مع الاتهامات التي يتم توجيهها لشركائهم في العملية السياسية، كما أنهم لم يتكلموا عن علاقتهم بإيران، وكأن التدخلات الخارجية الإيرانية مقبولة لديهم ومرضياً عنها، بينما يتهمون تركيا والامارات العربية في التدخل في الشأن العراقي الداخلي! والسؤال الى متى سيبقى أبو علي العسكري يهدد ويتوعد من يخالفه في توجهاته السياسية؟، والى متى سيبقى السلاح المنفلت يفرض الواقع الذي يريده بقوة السلاح؟، والى متى ستبقى إيران تتحكم وتتدخل بالشأن العراقي الداخلي؟، والى متى ستبقى تشكيل الحكومات العراقية مرهونة بالتدخلات الخارجية والتوافقات السياسية الداخلية؟، والى متى ستبقى السيادة العراقية منتهكة من قبل إيران؟
يبدو بأننا دخلنا مرحلة جديدة ومفصلية من الصراع السياسي وكسر الارادات بين القوى السياسية التي تتنافس على السلطة في العراق، حيث يحتدم الصراع بين الإطار التنسيقي من جهة وبين تحالف “أنقاذ وطن” من جهة أخرى خصوصاً بعد أن ضمن الاطار التنسيقي الثلث المعطل الأمر الذي يشكل عثرة وانتكاسة كبيرة أمام تسمية رئيس الجمهورية، وهذا يجعل الجميع أمام فوضى سياسية وانسداد لسبل الحل في العراق، الأمر الذي يلقي بظلاله على تردي الأوضاع في العراق على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لذا فالخيارات المطروحة أما الكتل والتحالفات السياسية ليست كثيرة في حال أصر كلا الفريقين على مواقفهم المعلنة من تشكيل الحكومة، وهناك تسريبات تشير الى إن الإطار التنسيقي لن يحضر جلسة البرلمان يوم الاربعاء القادم ما لم يتم التوافق على الكتلة الأكبر التي يجب أن تشكل من الإطار التنسيقي و التيار الصدري حصراً لاختيار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة القادمة، وهذا يعني بأننا سنكون أمام خيارات محدودة منها الجلوس والتفاوض والتفاهم على تشكيل الحكومة القادمة، علماً بأنهم فشلوا طيلة الفترة الماضية في التوافق على هذا الأمر، ولكن يمكن لنا أن نقول بأن جلسة البرلمان قد تلقي بظلالها على قادة الكتل والتحالفات السياسية وتدفعهم باتجاه سياسية مرنة قد تقود الى حلحلة الأوضاع السياسية في العراق خلال الفترة المقبلة؟.
إن عدم التوافق على تشكيل حكومة توافقية يعني بأننا ذاهبون لتشكيل حكومة ضعيفة بالتوافق والتراضي بين جميع الاطراف مما يعني غياب المحاسبة والمراقبة وبقاء الميليشيات المسلحة ضمن دائرة السلطة والنفوذ، لأن عدم التوافق على ذلك سيجعلنا أمام خيار الأغلاق الكامل لأي أفق سياسي باتجاه الحل في العراق، مما يعني بأننا سندخل في دوامة الثلث المعطل الذي يمكن أن يذهب الى خيار تشكيل حكومة الطوارئ كما صرح بذلك “حاكم الزاملي” النائب الأول لرئيس البرلمان، أو الذهاب الى حل البرلمان وأجراء انتخابات تشريعية جديدة، الأمر الذي يسعى اليه الاطار التنسيقي منذ ظهور نتائج الانتخابات النهائية، وقد طالب خلال الفترة الماضية بأعادة الانتخابات، مما يعني إطالة أمد الأزمة وأننا سنذهب الى فوضى سياسية قادمة سنكون فيها تحت رحمة السلاح المنفلت في خوض الانتخابات القادمة، كما أننا سنكون أمام استحقاقات اتفاق نووي جديد مع إيران، الأمر الذي يلقي بظلاله على الاتفاقات السرية بين واشنطن وطهران فيما يخص العراق والمنطقة على غرار ما جرى في عام 2015 م.
إن الصراع القائم في العراق سيكون معقداً وطويلاً بسبب الصراعات والانقسامات الداخلية والصراع على المصالح الحزبية والشخصية، خصوصاً مع غياب المشروع الوطني الحقيقي، أو الغياب البرنامج الكامل الذي يعمل على إنقاذ العراق من الوضع المتردي الذي وصل اليه البلد، لذا فهو صراع على المصالح وعلى الكسب الغير مشروع، وهو صراع حزبي وطائفي مهما حاولوا تزويقه بعبارات وطنية، سيستمر بسبب التدخلات والاطماع الخارجية التي تأتي ضمن أطار المشاريع التوسعية في العراق والمنطقة، لذا فالكثير من الكتل والاحزاب السياسية في العراق تمتلك أجنحة وميليشيات مسلحة تابعة إيران، وهي تعمل على تنفيذ أجندة خارجية وطائفية لا تصب في مصلحة العراق، الأمر الذي يزيد من تعقيدات الوضع العراقي الذي سيعاني من استمراره لفترة طويلة، خصوصاً وإن العراق يمر في ظروف استثنائية في ظل المتغيرات الاقليمية والدولية والتحديات الداخلية وخاصة الاقتصادية والمالية منها، ناهيك عن الانقسامات السياسية الحادة والسلاح المنفلت والبطالة والفقر والخدمات وغيرها الكثير، لذا فالشعب ينتظر من الحكومة المقبلة أن تجد حلول سريعة لكثير من المشاكل التي يعاني منها العراق على كافة المستويات.

