الباحث: حسين صالح السبعاوي
بعدما كان الكيان الصهيوني هو العدو رقم واحد للعراق والعالم العربي والإسلامي أصبح اليوم صديقا حميما وجب التطبيع معه تحت مفهوم ( الواقعية ) وما إلى ذلك من مصطلحات رنانة مثل المصلحة والبراغماتية أو في ظل الفهم الخاطئ للعمل السياسي والعلاقات الدولية على أنه (لا عداء دائم ولا صداقة دائمة بل مصالح مشتركة) ومن أمثال هذه الهرطقات التي تساوي بين الجلاد والضحية والعدو والصديق وصاحب الأرض والمحتل .
كان العراق من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية ويعتبرها القضية المركزية الأولى له ولا يمكن التعامل مع الصهاينة تحت أي ذريعة وتحت أي مبرر، وقد شارك الجيش العراقي في عدة حروب مع بقية الدول العربية ضد الكيان الصهيوني منذ حرب ١٩٤٨ إلى حرب اكتوبر ١٩٧٣ ولم يتوان العراق يوما في إرسال جيوشه إلى الجبهات القتالية دفاعا عن سوريا والأردن أو عن فلسطين ذاتها من الصهاينة، وقد قدّم الكثير من الشهداء في حروبه وما زالت قبورهم شاهداً عليها في جنين وكفر قاسم ومناطق أخرى من فلسطين، كما كان العراق يتعامل بحزم ضد أي شخص يتعاون أو يتعامل مع الصهاينة سواء كان ذلك الشخص عسكريا أو مدنيا بما في ذلك المؤسسات، وكان المتعامل مع الصهاينة بمثابة خائن لله ثم الوطن، وكان يحاكم تحت تهمة الخيانة وفق القوانين العراقية، لأنها قضية أمن قومي .
أما اليوم وبعد وصول هذه الطبقة السياسية إلى سدة الحكم ومع ظهور موجة التطبيع التي اجتاحت المنطقة العربية بعد ضغط الرئيس الأمريكي ترامب عليهم تحت ما يسمى ( اتفاقات إبراهام )، ذهبت بعض الأنظمة مهرولة نحو التطبيع بحجج واهية متجاوزين إرادة شعوبهم الرافضة لأي نوع من العلاقة مع العدو الصهيوني، وأمام هذه الموجة بدأ العراق في ظل الاحتلال يبدي رغبته في التطبيع مقتدياً بمن سبقه من الدول من خلال بعض الساسة الشواذ أو ما يسمى بالنخب الأكاديمية والعشائرية لينظم إلى هذا الركب ويتخلى عن عداوته للصهاينة التي كانت تميزه عن باقي الدول باعتباره الحامي لبعض الدول الصغيرة، وما مؤتمر أربيل الذي عقد في شهر أيلول من هذا العام إلّا شاهدا على ما نقول، حيث عقد لجس نبض الشارع العراقي لمعرفة ردة فعله نحو التعامل مع دولة الاحتلال الصهيوني سيما أن ما يسمى بالتطبيع اليوم هو في حقيقته تبعية للصهاينة .
متى وكيف بدأت فكرة التطبيع في العراق؟
١- بدأت فكرة التطبيع مع ما يسمى بالمعارضة العراقية في الخارج في تسعينيات القرن الماضي من خلال تواصل رجال الموساد معها وأبرز هؤلاء أحمد الحلبي رئيس المؤتمر الوطني ومثال الآلوسي رئيس حزب الأمة، إضافة لشخصيات أخرى منها سياسية ومنها عسكرية حيث تم التواصل معهم في أوروبا ومنهم من تواصلوا معه في بعض العواصم العربية المجاورة للعراق .
٢- بدأت خطوات التطبيع بعد الإحتلال الأمريكي العراقي سنة ٢٠٠٣، حيث بدأ بعض الساسة العراقيين بالتواصل مع العدو الصهيوني تحت ذريعة عودة يهود العراق وتعويضهم وكأنهم أخرجوا عنوة، ألا يعلم هؤلاء المطبعين أن يهود العراق وبقية اليهود في الدول العربية قد خرجوا إلى الكيان الصهيوني بإرادتهم وتحت غطاء دولي ليخدموا دولتهم المزعومة كباقي اليهود المهاجرين من روسيا وأوروبا الذين هاجروا إلى فلسطين، ومن أبرز الشخصيات التي زارت إسرائيل هو النائب مثال الآلوسي سنة ٢٠٠٤ ثم كرر الزيارة سنة ٢٠٠٨ دون أي رد فعل من الحكومة العراقية ضد هذه الزيارة .
٣- بدأت موجة التطبيع في العراق بحجة مواجهة المشروع الإيراني، وهذه أكبر كذبة تروج الآن بأن التطبيع معهم سيكون في مواجهة إيران! وهل يعقل أن الصهاينة سوف يدخلون في مواجهة مع إيران من أجل العرب!؟ بل كلاهما متخادمان ومتفقان على عداوة العرب والمسلمين لتفكيك دولهم وتشريد شعوبهم ونهب خيراتهم، وما احتلال العراق سنة ٢٠٠٣ببعيد، حيث تعاون الكيان الصهيوني مع إيران ضمن (التحالف) الذي قادته أمريكا لاحتلال العراق .
٤- نوع آخر من التطبيع يجري من خلال تواصل بعض الساسة العراقيين مع الصهاينة من أجل الحصول على المال أو الكرسي على غرار التواصل الذي يقوم به بعض السياسيين مع إيران لأجل الحصول على الكراسي مقابل دعمهم للمشروع الإيراني في العراق، فكذلك تواصل بعض الساسة مع الموساد أو عن طريق سفاراتهم ليعرضوا عليهم خدماتهم وقبولهم بالتطبيع مقابل الكرسي، وهؤلاء جميعا يدركون النفوذ الصهيوني والإيراني في العراق ما بعد ٢٠٠٣ وكيف يتحكمون في القرار السياسي والأمني فيه.
٥- الدعم الأمريكي لدعاة التطبيع : تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر الداعمين لدولة الاحتلال الصهيوني، وهي من ألزمت الأنظمة العربية بالتطبيع معها ضمن “اتفاقات إبراهام ” سنة ٢٠١٩ في عهد الرئيس ترامب، وكذلك هي من دعمت مؤتمر أربيل في أيلول الماضي من خلال منظمة “مركز اتصالات السلام ” Center for Peace Communication
الذي يديره جوزيف براودي ويتخذ من مدينة نيويورك مقرا له ويضم في عضويته عدة شخصيات يمينية متطرفة مثل دينيس روس الذي عمل في المفاوضات العربية الإسرائيلية ضمن عملية أوسلو .
كما دعمت الولايات المتحدة الكثير من الجمعيات التي فتحت مقرات لها في العراق بحجة دعم النازحين ودعم الديمقراطية في العراق ووضعت على هذه الجمعيات بعض الشباب المنسلخ من هويته الوطنية والقومية والإسلامية والحامل فكرا علمانيا متطرفا بل فكرا إلحاديا لا يمت لثقافة المجتمع العراقي بصلة، ومكّنت هؤلاء الشباب وقدمت لهم الدعم اللامحدود من أجل نشر فكرة التطبيع تحت مظلة التعايش والإنسانية والديانة الإبراهيمية وما الى ذلك من أسماء يراد منها دس السم في الدسم وليس لها أي علاقة بالإنسانية واحترام حقوق الإنسان والذي كان للصهاينة السبب الرئيسي في إيجاد هذا الوضع اللانساني في العراق.
ومن الجدير بالذكر أن دعاة التطبيع لم يكونوا من مكوّن واحد بدليل الشخصيات التي حضرت مؤتمر أربيل والبالغ عددهم ٣٠٠ شخصية متنوعة لا تنتمي لمكون واحد ولا لجنس واحد، وهذا يعني أن المطبعين رغم أنهم من شواذ المجتمع إلا أنهم من جميع المكونات، كما هو الحال مع أقطاب العملية السياسية المدعومين من قبل إيران، فإنهم من جميع المكونات وجميعهم يحجّون إلى طهران عندما تمس كراسيهم بسوء، وكذلك دعاة التطبيع مع الكيان الصهيوني إلا أنهم ما زالوا يعملون بالخفاء وخلف الكاميرات.
وبالرغم من أن الموقف الرسمي للحكومة العراقية لا يكشف علنا بأنها مع التطبيع إلا أن سكوتها وعدم إتخاذ الإجراءات القانونية ضد دعاة التطبيع يثبت تواطئها مع المطبعين، فتمارس معهم سياسة غض الطرف، بدليل أنها لم تحاكم أحدا ممن زار الكيان الصهيوني أو ممن يدعو للتطبيع، بل على العكس في تعاملها مع اللاجئين الفلسطينيين في العراق فقد سامتهم سوء العذاب من اعتقالات والطرد إلى خارج الحدود وقطع المعونات عليهم حتى أصبح الفلسطيني يتمنى عودته إلى الأراضي المحتلة بدل العذاب الذي يعاني منه من قبل الحكومات العراقية التي جاءت بعد الاحتلال .
الانقسام العراقي حول التطبيع
إن الانقسام بين الساسة العراقيين حول التطبيع هو ليس انقسام مبدئي ولا وطني وإنما هو انقسام حول لمن تكون التبعية لإيران أم للصهاينة ! فبالنسبة لأتباع إيران ملأوا الدنيا ضجيجا حول مؤتمر أربيل لكنهم لا يتوارون من تبعيتهم لإيران ويعلنون عنها دون خجل ودون مراعاة لمشاعر الشعب العراقي، ثم يرد عليهم دعاة التطبيع بأن الصهاينة أفضل من إيران وأنهم ماضون في التطبيع معهم، هذا هو الخلاف بين المطبعين وبين ( المتأيرنين ) – إذا صح التعبير – والكل يدافع عن سيده على حساب وطنه العراق .
إن قضية العلاقة مع الكيان الصهيوني لا يمكن أن ينفرد بها فئة من الناس، ولا يحق لأي حكومة الذهاب للتطبيع معهم، ولكي يعرفوا موقف الشعوب من هذا العدو المغتصب عليهم أن يعرضوا هذا الموضوع للإستفتاء الشعبي حتى يعرف الصهاينة والمطبعين ما هو موقف الشعوب منهم، وهل ما يجري هو بإرادة شعبية أم نتيجة الطغيان السياسي للأنظمة الوظيفية، والشعب العراقي يعتبر من أشد الشعوب رفضا للتطبيع .
لم يمر على العراق أسوأ من هذه الطبقة السياسية الفاسدة التي مارست كل أنواع العهر السياسي، ومستعدة لبيع العراق بأبخس الأثمان لأي من كان من أجل تحقيق مصالحهم الشخصية.
مقال خاص براسام

