الباحث: حسين صالح السبعاوي
تتشكل الدول عادة من مجموعة هويات فرعية – قومية، مذهبية، قبلية وغيرها – وبمجموع هذه الهويات تتشكل الهوية الوطنية الجامعة للكل، فلا يمكن الحفاظ على الهوية الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة كما لا يمكن لأي دولة أو حكومة أن تلغي الهويات الفرعية، ومن الجدير بالذكر أن العراق من أهم الدول الذي توجد فيه هويات فرعية متعددة، وهذا الحال ليس وليد اليوم بل هو موجود منذ نشوء العراق قبل آلاف السنين، وجميع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق من العباسيين والعثمانيين وحتى الحكومات الوطنية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى سنة ١٩٢١م قد حافظت على مكونات المجتمع العراقي ونسيجه الإجتماعي من كرد وعرب وتركمان وسنة وشيعة ومسلمين ومسيحيين…
إن السبب في حفاظ حكومات العراق على جميع مكوناته وبناء هويته الوطنية الجامعة على هذه المكونات هو عدم اعتماد الطائفية كنظام حكم، وعدم المساس بخصوصية المكونات، بالإضافة إلى وجود عوامل اجتماعية لها تمت المحافظة على النسيج الاجتماعي منها المصاهرة بين أبناء المجتمع مما جعل القرابة والنسب بينهم أحد عوامل التماسك بين مكوناته. إلا أنه بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة ٢٠٠٣ والتمدد الإيراني، تم اعتماد نظام طائفي أقصائي في إدارة الدولة، تم خلاله إلغاء الهوية الوطنية التي كانت محل فخر واعتزاز لدى كافة أطياف الشعب العراقي.
إن كل ما نشاهده اليوم من نزاعات وصراعات وفساد وتخلف ومشاكل اقتصادية واجتماعية في العراق هو بسبب النظام الطائفي وازدواجية المعايير في التعامل مع باقي المكونات قياسا بالتعامل مع أبناء الطائفة، مما يؤدي إلى تنامي التوتر بين أبناء المجتمع وقتل الروح الوطنية فيهم، ويؤدي إلى المزيد من القتل على الهوية الطائفية والمزيد من التهجير والنزوح وانتشار.
وللحفاظ على الهوية العراقية بشقيها الفرعي والوطني خلال سطوة الحكومات الطائفية وهيمنة إيران على مفاصل الدولة العراقية لا بد من بعض الإجراءات يقوم بها الشعب العراقي لمواجهة هذا التحدي الذي يهدد هويته ويهدد كيانه، ومنها:
١- رفض أي نوع من أنواع العمل السياسي الذي يكرس الطائفية في العراق ويهدد وحدته .
٢- ليس مطلوبا من أبناء المجتمع العراقي أن يتنازلوا عن هوياتهم الفرعية وهذا غير ممكن بل لابد أن يكون الحفاظ عليها مقرونة بالهوية الوطنية الجامعة وليس على حسابها.
٣- تجنب كل ما يثير الطائفية والتركيز على الهوية الجامعة سواء في الإعلام أو المؤتمرات والندوات ومقاطعة الشخصيات المثيرة للطائفية بكل أنواعها وأشكالها.
٤- إبراز دور العشائر العراقية وخاصة التي ينتمي أبنائها إلى عدة مذاهب، مع التركيز على رفض الطائفية في إدارة الدولة التي مزقت المجتمع وهددت وحدته.
٥- تأسيس مؤسسات المجتمع المدني التي تعزز الوحدة الوطنية وتحترم الهويات العراقية بكل أنواعها.
٦- ترسيخ مفهوم الهوية الوطنية بكل السبل المتاحة.
من أسباب ضعف التمسك بالهوية الوطنية لدى بعض الناس:
١- بعض دعاة المشاريع الوطنية يركزون على الهوية الجامعة ويتجاهلون الهوية الفرعية للمواطن أو يطالبون بالتنازل عنها.
٢- بعض المشاريع السياسية تستخدم الوطنية كذريعة للوصول إلى السلطة فقط، ثم يتخلى عنها بعد ذلك.
٣- عدم اعتراف الغلاة والمتطرفون بالهوية الوطنية.
من الجدير بالذكر أن جميع الهويات الفرعية في العراق لجميع المكونات وكذلك الهوية الوطنية لم تتعرض للتهديد إلا في تلك الفترات التي هيمنت فيها إيران على العراق منذ غزو هولاكو العراق عام ١٢٥٠م وبعدهم البويهيين في العصر العباسي ثم الصفويين واليوم في عهد ولاية الفقيه، فجميع هؤلاء استهدفوا الهوية الوطنية العراقية بالاعتماد على الطائفية وذلك لتمزيق نسيج المجتمع خدمة لمصالحهم التوسعية، فلابد من إفشال هذا المخطط الخبيث من قبل الشعب العراقي وقواه الوطنية حفاظا على العراق وعلى جميع مكوناته من خلال ترسيخ المفهوم الصحيح للهوية بشقيها الفرعية والجامعة والتي يومها يستطيع جميع العراقيين العيش في ظلها.
أهم عناصر الهوية الوطنية :
الجغرافية: ويقصد بها الأرض التي تعتبر من أهم عناصر الهوية الوطنية التي يعيش عليها أبناء الوطن الواحد .
التاريخ المشترك : يرتبط به جميع من يعيشون على هذه الأرض من تاريخ أبائهم وأجدادهم من انجازات وانتصارات وتحديات عاشوها معا، وكلما كان تاريخهم قديما كلما كانت هويتهم الوطنية قوية ومتماسكة كما هو الحال في العراق الذي يعود تاريخه إلى الآلاف السنين.
الحقوق المشتركة : يتمتع أبناء الهوية الوطنية الجامعة بحقوق عامة مشتركة كحق التعليم وحق التعبير عن الرأي وحق الحياة الكريمة وحق الملكية وغير ذلك من الحقوق التي تجسد معاني الهوية الوطنية.
الواجبات: سواء كانت واجبات فردية أو جماعية، حيث يتعين على المجموع الوطني القيام بها، إما بصفة فردية كالأفراد في مجال عملهم، وإما بصفتهم الجماعية مثل ما يتعين على المؤسسات القيام به نحو مواطنيها وفق آليات محددة وتشريعات متعددة لخدمة المواطن مثل مؤسسة التربية والتعليم والمؤسسات الصحية والبنى التحتية.
واليوم يدرك أبسط مواطن عراقي بأن الاحتلال وأدواته قد استهدفوا جميع عناصر الهوية الوطنية العراقية من الجغرافية والتاريخ المشترك عبر وسائل مختلفة من التشويه وحتى القتل والتهجير. ولم تبق للهوية أي أهمية في ظل حكومات الاحتلال، ولا يمكن استعادتها إلا من خلال تأسيس نظام وطني يراعي حقوق جميع مكونات العراق.
مقال خاص براسام

